تُجمّد أموال البنوك في مشرعات دعائية.. لتجميل الانقلاب

- ‎فيتقارير

في مصر إذا كنت صاحب مشروع صناعي أو تجاري أو استثماري، وكنت في حاجة الي قرض لتسير أحوال مشروعك، سوف تواجه صعوبات جمة وربما لا تتمكن من الحصول على القرض، وربما يتوقف مشروعك ويتعثر لهذا السبب، ولكن إذا كنت من الدائرة المقربة من السلطة فسوف تحصل على ما تريد وربما بلا ضمانات حقيقية.

كشف إطلاق مشروع عقاري ضخم على مساحة 520 فدان بشرق القاهرة يملكه رجل الاعمال هشام طلعت مصطفي بحضور رئيس الوزراء وعدد من الوزراء وقيادات الدولة، عن نموذج التنمية الحقيقي الذي تتبناه حكومة الانقلاب، مثيرا موجة انتقادات من خبراء اقتصاد وسياسيين ومحللين شككوا في أرقامه وجدواه أهميته في سلم أولويات الدولة والمواطن.

 

تري حكومة الانقلاب أن المشروع يعد قاطرة للتنمية وإعادة   تشكيل العمران وخلق مناطق عمرانية جديدة وتشغيل عمالة وتحقيق عوائد ضريبة تصل الي 800 مليار جنيه، بينما يري مالك المشروع الذي يضم 165 برجا سكنيا وإدريا وتجاريا ليس مجرد مجمعا سكنيا تقليديا، بل نموذج حضاري مختلف ببنية متطورة وشبكة لوجستيات تحت الأرض بتكلفة تعادل 27 مليار دولار.

 

ارقام مبالغ فيها لا تتوافق مع الواقع

أرقام الاستثمارات المعلنة أثارت تهكم عامة المصريين الذين يعانون من تراجع أوضاع المعيشة وصعوبة الحصول على سكن يناسب دخولهم، كما أثارت حفيظة خبراء الاقتصاد الذين رأوا في عرضها مبالغة لا تتوافق مع الواقع؛ إذ يرى الخبراء أن الرقم المعلن لا يعكس "استثماراً فعلياً" بقدر ما يشير إلى إجمالي قيمة المبيعات المتوقعة طوال عمر المشروع المقدر بعشر سنوات، وهو ما يثير تساؤلات حول دقة الخطاب الرسمي المستخدم في ترويج المشروعات العقارية التي تنفذها الحكومة ورجال الأعمال المقربون من دوائرها.

وقال المحلل الاقتصادي والأكاديمي ياسر حسان: إن "مصطلح إجمالي الاستثمارات المستخدم في الإعلان عن المشروع يفتقر إلى تعريف دقيق، موضحاً في تقرير أصدره نهاية الأسبوع الماضي أن ما يُقدم للجمهور غالباً ما يكون أقرب إلى إجمالي المبيعات المحتملة، وليس رأس المال المستثمر، وهو ما يؤدي، بحسب تعبيره، إلى "تضخيم الصورة الحقيقية للمشروع" ,معتبرا أن الرقم المعلن (1.4 تريليون جنيه) كاستثمارات إجمالية مرّ على رئيس الحكومة مرور الكرام من دون تقديم تعريف واضح حول ما إذا كان قيمة استثمارات أم إجمالي مبيعات أو تكلفة.

وأشار حسان إلى أن الحديث عن قدرة المشروع على توفير 155 ألف فرصة عمل واستقبال عشرات الملايين من الزوار يظهر أرقاماً غير منطقية مقارنة بحجم ومساحة المشروع الذي سيقام في منتصف مجمع "مدينتي" السكني الذي يديره المطور بالفعل منذ 20 عاماً، والذي لم يحقق هذه النتائج، مبيناً استغلال ضعف فهم الجمهور للمصطلحات المالية لعرض أرقام غير منطقية بمزيج من المبالغة والتسويق الدعائي.

واضح حسان أن تقديرات المبيعات الإجمالية قد تصل إلى 1.7 تريليون جنيه، في حين يظل رأس المال الفعلي جزءاً محدوداً من هذا الرقم، يتم تمويله عبر مزيج من مقدمات الحجز والقروض والشراكات، من بينها مشاركة مؤسسات مصرفية حكومية.

 

 

 وأكدت مصادر مصرفية أن تسويق الحكومة للمشروع باعتباره من أكبر الاستثمارات العقارية في تاريخ مصر وإبراز مساهمته المحتملة في إيرادات ضريبية بقيمة 800 مليار جنيه "ما يمثل 1% من الناتج الإجمالي سنوياً"، هو جزء من تبرير مشاركة البنك الأهلي الحكومي في رأسمال المشروع الذي لم يُكشف عنه رسمياً حتى الآن , مشيرا إلى أن تحديد نسبة مشاركة البنك الحكومي بـ 24% من دون الكشف عن تفاصيل رأس المال المصدر أو المستثمر هو جزء من "تعمية الرأي العام"؛ حيث سيكون مجمع "ذا سباين" جزءاً من المشروع الأم للشركة القابضة (TMG) في "مدينتي"، بما يجعله في غير حاجة لكيان جديد يحمل اسمه في مصلحة الشركات، وإنما يجري تكييف وضعه القانوني كأحد مكونات "مدينتي."

تحويل مديونية طلعت مصطفي الي سيولة

وأكد المصدر أن الهدف من ذلك هو تحويل المديونية التي حصلت عليها مجموعة طلعت مصطفى من البنك الأهلي على مدار الأعوام الأربعة الماضية "والتي تُقدر بنحو 30 مليار جنيه وظفت في شراء فنادق القطاع العام التاريخية بضمان إيرادات "مدينتي" لتتحول تلك الإيرادات إلى السيولة التي سيحتاجها المشروع الجديد لإتمام التنفيذ، وتراهن الحكومة على قدرة المطور التسويقية لجذب الاستثمار العربي والأجنبي والمصريين في الخارج للشراء بالدولار، ضمن رهان الدولة على تحويل العقارات الفاخرة إلى "صناعة تصديرية، مضيفا"

أن دخول بنوك حكومية كشركاء يعني عملياً توظيف أموال المودعين في أصول عقارية طويلة الأجل بدلاً من قطاعات إنتاجية تولد صادرات وعملة صعبة.

وكتب الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن دعم الحكومة لمثل هذه المشروعات يعكس توجيهاً متزايداً للموارد نحو القطاع العقاري، مقدراً أن ما يصل إلى 20% من الناتج المحلي يتجه لهذا القطاع، وهو ما وصفه بـ "الاختلال الخطير".

ومن جانبها أكدت الخبيرة الاقتصادية نادية المرشدي أن هذا التوسع المبالغ فيه يعكس تحول الخلفية المهنية لرئيس الوزراء (وزير الإسكان سابقاً) لتصبح سياسة دولة تتوسع في البناء بوتيرة تفوق القطاعات الإنتاجية.

غياب الشفافية

وحذر النائب أشرف أمين، عبر طلب إحاطة قدمه لرئيس مجلس النواب، من "فوضى تسعير" في السوق العقارية وتأخر متكرر في تسليم المشروعات, كما أشار محللون إلى سوابق تاريخية لتمويل مشروعات عقارية لرجال أعمال يدورون في فلك السلطة "نحو 12 مستثمر استأثروا بـ 70% من القروض"، وعند تعثرهم لم تجد البنوك وسيلة لاسترداد أموالها إلا بوضع اليد على أراضٍ ومشاريع غير مكتملة, ولفت المحللون إلى مستحقات حكومية لدى مجموعة طلعت مصطفى ما زالت عالقة بقيمة ثمانية مليارات جنيه "فروق أسعار أرض مدينتي"، والتي لم تُحسم أعداد الوحدات المقابلة لها حتى الآن.

 

 

انتقد الخبير الهندسي ممدوح حمزة نمط بيع الوحدات من دون إعلان أسعار واضحة مسبقاً، معتبراً ذلك دليلاً على غياب الشفافية في سوق يعتمد على البيع المسبق والتسعير التدريجي. ويأتي هذا الجدل في وقت ارتفعت فيه أسعار العقارات بنسبة 200% – 300% مدفوعة بالتضخم؛ ما دفع المدخرين للجوء للعقار كملاذ استثماري، بينما يرى منتقدون أن هذا يعزز "اقتصاد الأصول" حيث تتحقق الأرباح من ارتفاع الأسعار لا من الإنتاج، ما قد يؤدي إلى تضخم غير مستدام إذا تراجع الطلب.