تذهب صحيفة “إندبندنت” البريطانية إلى أن مصر وتركيا قد تتواجهان عسكريا على الأراضي الليبية في أعقاب التهديدات التي أطلقها رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الأسبوع الماضي، بنشر قوات لمنع مقاتلي حكومة الوفاق الليبية من التقدم نحو سرت والجفرة. ويرجح هذا السيناريو أن الحكومة الشرعية في طرابلس رأت في تصريحات السيسي “إعلان حرب”.
وفي تحليل للمشهد عسكريا، يرى كاتب التقرير، بورزو داراغاهي، أن تركيا وحلفاءها واثقون من النصر، وغير مستعدين لأي اتفاق، أما حفتر وداعموه فقد تعرضوا للإهانة، ولا يرغبون بتفاوض من موقع ضعف.
ورغم أن السيسي يمتلك قوات جوية وبرية بإمكانها أن تشكل تحديا لحكومة الوفاق المدعومة من تركيا، لكن بالنظر إلى الجغرافيا العسكرية للمعركة المرتقبة تكشف أن أقرب مدينة مصرية إلى حدود ليبيا تبعد 15 ساعة عن سرت، بينما قوات الوفاق المدعومة تركيا حاضرة في مصراتة التي تبعد 3 ساعات فقط.
من جانب آخر، فإن وزير الداخلية الليبي فتحي باشاغا، أشار إلى أن الهزيمة العسكرية لحفتر زادت التوافق مع الولايات المتحدة حول الحل السياسي في ليبيا. وأشار إلى الاجتماع الذى جرى أول أمس بين رئيس المجلس الرئاسي للحكومة الليبية فايز السراج، مع الجنرال ستيفن تاونسند قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم”، والسفير الأمريكي لدى طرابلس ريتشارد نورلاند.
وبحسب وزير الداخلية لحكومة الوفاق، فإن الاجتماع انتهى إلى الاتفاق على ضرورة إنهاء التدخلات الأجنبية (غير الشرعية)، ودعم سيادة ليبيا ووحدة أراضيها من أي تهديدات خارجية.

في المقابل يقلل الكاتب “أرنست خوري”، مدير تحرير صحيفة “العربي الجديد” التي تصدر من لندن، من تهديد السيسي بشن حرب على حكومة الوفاق الليبية المعترف بها دوليا، مؤكدا أن السيسي في تهديده، لا الكاريزما تسعفه لجعلنا نتعامل مع التهديد على محمل الجد، ولا رصيده في السلطة يدعمه لترجيح تحويل كلامه إلى خريطة طريق لتدخل مصري يمحو ذكريات مستنقع عبد الناصر في اليمن، ولا ظروف الدولة المصرية تخوّله تغطية مهمة حربية خارجية بهذا الحجم.
ويستبعد الكاتب تدخلا عسكريا مصريا مباشرا في ليبيا، وأنه من غير الوارد بالنسبة للجيش المصري أن يلتهي عن إدارة اقتصاده الهائل بحروب الصحراء في الغرب، بينما الشرق السيناوي نزيف متواصل. وينتهي إلى أن نظام السيسي لا يقتل ولا يقاتل إلا في الداخل المصري، لا يستقوي إلا على المعارضين من شعبه، وحين يقتل أجنبيا، مثلما فعل مع جوليو ريجيني، يكون ذلك إما عن طريق الخطأ، أو لأن المعرفة المصرية عند ذلك الأجنبي تكون قد توطّدت إلى درجة تكاد تؤهله إلى شرف حمل الجنسية المصرية والموت باسمها.
ويرى خوري أن مأساة عبد الفتاح السيسي في تهديده أن أحدا لا يصدقه، حتى مَن هم على شاكلة عمرو أديب ونشأت الديهي وأحمد موسى وأشباههم لا يفعلون إلا الإيحاء بأنهم صدّقوا. ويرى أن منتهى التدخل المصري في ليبيا هو توسيع ممرات الأسلحة لتعبر من الحدود المصرية الغربية إلى الشرق الليبي، وزيادة الغارات الجوية المصرية، والاستثمار في رفع وتيرة تحريض القبائل الليبية.
أما عن استحالة أن يفهم السيسي التدخل التركي العلني في الحرب الليبية، كدعوة إلى تفاوض سياسي جدّي ينهي دمارا، فهذا ما يختصر جانبا آخر من مأساته.
أما عن تهديد السيسي بالحرب في ليبيا وليس إثيوبيا، فيتفق الكاتب والمحلل السياسي “فراس أبو هلال” مع “أرنست خوري”، ويرى أن هذا التهديد السيساوي غير منطقي. وفي مقاله بعنوان «لماذا تهدد مصر بالحرب في ليبيا وليس إثيوبيا؟»، يرى ثانيا أن الحرب لم تعد منذ الحرب العالمية الثانية أسلوبا فاعلا لحل الأزمات، بل إن أقوى دولة في العالم لم تتمكن من تحقيق أهدافها عبر الحروب، سواء كان ذلك في كوبا أو فيتنام أو أفغانستان وفي العراق. وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي العدو الأول للولايات المتحدة لم يحدث عبر الحرب، بل لأسباب ذاتية أكثر من كونها خارجية. وبالتالي فإن الدول باتت توظف قواها الناعمة لتحقيق أهدافها مع لجوء محدود للقوة العسكرية.
وباتت اهتمام الدول بقواها العسكرية ضروريا من أجل الحماية؛ والجيوش والقوة هنا هي لمنع الحرب أكثر منها أداة للحرب نفسها. فلماذا يهدد السيسي بالحرب؟
سيناريو الحرب ليس هينا لاعتبارات تتعلق أنها باتت لا تمثل في حد ذاتها حلا للأزمات من جهة، إلى جانب الكلفة الاقتصادية من جهة ثانية، وثالث الأسباب هو الكلفة البشرية. ففي ظل التطور الهائل للقدرة التدميرية للأسلحة، وسلاح الطيران خصوصا، ستكون الخسائر بالأرواح لجميع الأطراف كبيرة. ولا يمكن لأحد أن يضمن أن تبقى الحرب على أراضي ليبيا أو إثيوبيا، بل ستعمد الأطراف الأخرى لنقل المعركة إلى الأراضي المصرية، وهو ما ينذر بحرب شاملة، سيدفع ثمنها الجميع، والشعوب أولا، ولكنها أيضا قد تؤدي لانهيار النظام نفسه إذا ارتفعت كلفة الحرب كثيرا.
لهذه الأسباب يرى أبو هلال أن السيسي لن يقدم على خطوة الحرب خارج الأراضي المصرية، وأن تهديدات رئيس الانقلاب الأخيرة بخصوص ليبيا وتلميحات بعض الشخصيات المحسوبة على النظام لحرب ضد إثيوبيا هي مجرد رسائل للاستهلاك الداخلي والخارجي.