للعام السادس على التوالي، يتكرر المشهد في أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك: مقعد مصر يبقى شاغراً من عبد الفتاح السيسي، بينما يتولى رئيس حكومته إنابةً تمثيل البلاد.
هذا الغياب المستمر منذ عام 2019 لم يعد مجرد تنسيق لجدول أعمال، بل تحول إلى لغز سياسي تتقاطع حوله التفسيرات؛ حيث يرى مراقبون ونشطاء أن وراء هذا العزوف الدبلوماسي "أربعة هواجس" تؤرق النظام المصري وتجعل من السفر إلى الولايات المتحدة عبئاً يفوق مكاسبه.
وتتنوع هذه المخاوف بين ارتدادات الموقف الحساس من حرب غزة وتجنب مظاهرات الأمريكيين، وتبعات التقارير الأممية الصادمة بشأن وفاة الرئيس الشرعي د.محمد مرسي في محبسه، فضلاً عن الملاحقة الحقوقية لملف عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين.
ويأتي على رأس هذه الملفات الخشية من فضح أو تسريب أي لقاءات جانبية جديدة بالكيان الإسرائيلي، بعد أن تحول "أرشيف التطبيع" وخطابات السلام الشهيرة من أوراق اعتماد دولية إلى أزمات حرجة تهدد بـأحداث احتقان إضافي في الشارع.
وأناب عبد الفتاح السيسي مصطفى مدبولي، لرئاسة وفد مصر وإلقاء كلمة الدولة في المناقشات رفيعة المستوى للدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2026، يتجدد الجدل السنوي الممتد منذ عام 2019 حول الدوافع الحقيقية وراء هذا الغياب الشخصي المتتابع الذي شارف على "6 أعوام" متتالية.
مؤيدو النظام يرون أن المنظمة الأممية تحولت إلى مجرد "ديكور لمصالح قوى دولية" لا تستدعي السفر، ترسم تغريدات وتساؤلات النشطاء والإعلاميين عبر منصة (X) خريطة لهواجس متعددة تتراوح بين الملاحقة الحقوقية، والمخاوف من الانقلاب الداخلي، والخشية من الاحتجاجات، وصولاً إلى تجنب إحراج الالتزامات والأرشيف السياسي الحساس.
ومن الناحية القانونية الصرفة، يحظى رؤساء الدول بحماية صارمة تمنع توقيفهم؛ إلا أن المعارضة نجحت تاريخياً في استخدام المحاكم الأمريكية وسيلة "للإحراج السياسي"، وهو ما يفسر رغبة النظام في تجنب هذه البيئة المشحونة.
الحصانة السيادية المطلقة
ووفقاً للقانون الدولي وقانون حصانات الدول الأجنبية الأمريكي (FSIA)، يتمتع أي رئيس دولة عامل بحصانة مطلقة تحميه من الاختصاص الجنائي أو المدني للمحاكم الأجنبية طوال فترة حكمه. وبالتالي، لا توجد إمكانية قانونية لتوقيف السيسي في أمريكا.
سلاح مذكرات الاستدعاء والإحراج الإعلامي، بالرغم من الحصانة، دأبت منظمات حقوقية على استغلال "قانون حماية ضحايا التعذيب الأمريكي (TVPA)" لرفع قضايا مدنية رمزية ضد مسؤولين مصريين يرافقون الوفد أو لمحاولة تسليم مذكرات استدعاء قضائية، هذا التحرك، وإن كان يُرفض لاحقاً بتدخل من الخارجية الأمريكية، إلا أنه يخلق زخماً إعلامياً سلبياً يفسد الأهداف الدبلوماسية للزيارة.
تأثير التقارير الحقوقية الدولية
ويبرز ملف حقوق الإنسان كأحد أكبر الضغوط؛ حيث يُستحضر دائماً في نيويورك ملف المعتقلين السياسيين والوفيات داخل السجون.
ففي الأرشيف الحقوقي، يتذكر المراقبون تغريدة الكاتب الراحل جمال خاشقجي التي رصدت تصريحات أمريكية رسمية حول هذا الملف:
وقال جمال خاشقجي (@JKhashoggi): سامنثا باور سفيرة أمريكا السابقة بالأمم المتحدة تصف تصريح السيسي أن لا سجناء سياسين ببلاده بكذبة صلعاء، وأن ٥٠ ألفا منهم اعتقلوا منذ رئاسته
https://x.com/JKhashoggi/status/923624807144525824
إرث "وفاة مرسي" ومواجهات المنصة الأممية
ويمثل ملف وفاة الرئيس محمد مرسي في محبسه عام 2019 أحد الأسباب الجوهرية التي جعلت من أروقة الأمم المتحدة بيئة عدائية للرئاسة المصرية، خصوصاً بعد التقارير الصادرة عن مقرري المنظمة الدولية.
إدانة خبراء الأمم المتحدة، وفي نوفمبر 2019، أصدر خبراء مستقلون تتابعهم الأمم المتحدة (من بينهم المقررة الخاصة السابقة أنييس كالامارد) إدانة صريحة لظروف الاحتجاز.
وعلق الأكاديمي السعودي أحمد بن راشد بن سعيّد (@LoveLiberty) على ذلك بقوله: "الأمم المتحدة، هكذا قتل #السيسي وجنوده الرئيس محمد #مرسي، كان الدكتور مرسي يُحتجز بوحشية في حبس انفرادي 23 ساعة يومياً، وحُرم الدواء، وهو ما أفقده البصر بالعين اليسرى."
https://x.com/LoveLiberty/status/1192851401048776706
ونقل الحقوقي بهي الدين حسن جانباً من خطورة هذا الملف دولياً وعبر (@BaheyHassan) أشار إلى أن الأمم المتحدة توجه أخطر اتهام للسيسي، محققة الأمم المتحدة في قتل بن سلمان لجمال خاشقجي تعتبر وفاة محمد مرسي قتلاً تعسفياً ونتيجة ممارسات أمنية متعمدة وشائعة مأمور بها…" https://x.com/UNGeneva/status/1192864365688451072
وعن المواجهات الدبلوماسية المباشرة، شكلت منصة الأمم المتحدة ساحة لتوجيه انتقادات علنية حادة للنظام المصري أمام الوفود الدولية؛ كالصدام الدبلوماسي الشهير الذي أشار إليه الإعلامي محمد جمال هلال (@gamal_helal) موضحا أن "مندوب السيسي يلتفت كالحرامي بعدما صفع الرئيس أردوغان المدعو السيسي أمام العالم، بارك الله في الرئيس الطيب #أردوغان الذي أكد على جريمة مقتل #الرئيس_الشهيد #محمد_مرسي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة…"
https://x.com/gamal_helal/status/1176522502153154560
تاريخ اللقاءات السيسي نتنياهو في نيويورك
ومن الاستعراض إلى العبء السياسي، كانت أروقة نيويورك تاريخياً الساحة المفضلة لصياغة العلاقات (المصرية -"الإسرائيلية") وتصديرها للإدارة الأمريكية، لكنها تحولت في السنوات الأخيرة إلى عبء سياسي ثقيل يخشى النظام ارتداداته الشعبية:
حيث منصة للتطبيع وخطاب 2017 الشهير، وفي 19 سبتمبر 2017، ألقى السيسي خطاباً أثار عاصفة من الاستنكار العربي والمحلي عندما وجّه نداءً مباشراً "للإسرائيليين" بالوقوف خلف قيادتهم، ووصف السلام مع "إسرائيل" بـ"التجربة العظيمة والرائعة" الداعية للتطبيع الإقليمي.
وقال السيسي بالأمم المتحدة: "أناشد الفلسطينيين قبول التعايش مع الإسرائيليين، لا بد أن يعيش المواطن "الإسرائيلي" جنباً إلى جنب مع المواطن "الإسرائيلي". https://x.com/LoveLiberty/status/910566780460060672
وكذبت الشرق الأوسط في نقلها كلمة السيسي، فزعمت أنه دعا إلى تحقيق أمن "المواطن" الإسرائيلي والمواطن الفلسطيني، بينما هو لم يذكر الفلسطيني!"
وبث منصات منها (@ajplusarabi) تقارير مصورة توثق فحوى الكلمة: حيث السيسي يخطب في الأمم المتحدة، والمضمون: مصلحة الإسرائيليين" https://x.com/ajplusarabi/status/910518948050776064
وبين اللقاءات السرية والعلنية، شهدت نيويورك لقاءات قمة مباشرة جمعت السيسي برئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو (منها السري في 2016 والعلني المصور في 2017 و2018). ومع اندلاع حرب غزة الحالية وتصاعد الغضب الشعبي، أصبحت أي لقاءات جانبية أو صور تجمع الطرفين في نيويورك بمثابة "انتحار سياسي" محلياً، وعالميا وهو ما يدفع السيسي لتجنب المحافل المفتوحة وتفضيل القنوات الاستخباراتية المغلقة.
وكانت نيويورك تاريخياً، وتحديداً على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، الساحة المفضلة للقاءات القمة العلنية والسرية بين اسلسي ونتنياهو، نظراً لطبيعة المكان التي تسمح بلقاءات متعددة الأطراف دون الحاجة لزيارات دولية رسمية قد تثير غضباً شعبياً في الداخل.
اللقاء السري (2016)
كشفت تقارير صحفية دولية وصهيونية لاحقاً أن السيسي التقى بنيامين نتنياهو سراً في مقر إقامته بنيويورك عام 2016، وبحثا ملفات غزة وعملية السلام الإقليمية بعيداً عن الأضواء.
اللقاء العلني الأول (2017)
شهدت دورة الأمم المتحدة في سبتمبر 2017 أول لقاء علني ومصور يجمع السيسي بنتنياهو بشكل رسمي وبثته وسائل الإعلام. أثار هذا اللقاء حينها جدلاً واسعاً، واعتبره مراقبون محاولة مصرية لتقديم أوراق اعتماد للإدارة الأمريكية الجديدة (إدارة ترامب وقتها) كشريك أساسي للسلام في المنطقة.
تكرار اللقاء (2018)
التقى الطرفان علناً مرة أخرى في نيويورك عام 2018 لمواصلة التنسيق الأمني والسياسي بشأن قطاع غزة والتهدئة بين الميان وحماس.
ويضاف إلى ذلك المواقف السياسية التي باتت تُحسب على النظام كعبء إضافي، مثل تصريحاته اللاحقة الموثقة عبر منصات الأخبار مثل اعتباره أن حل القضية هو دولة فلسطينية منزوعة السلاح، جنباً إلى جنب مع دولة "إسرائيل"، في وجود قوة من الناتو أو الأمم المتحدة لحفظ الأمن"، بحسب ما قال السيسي.
https://x.com/arabic_post/status/1728008214959067293
شبح المظاهرات الخارجية وفوبيا "الانقلاب الداخلي"
وخارج القاعات المغلقة، تظل "الشوارع المحيطة بمقر الأمم المتحدة" و"ترتيبات الأمن الداخلي" محركين رئيسيين لقرار عدم السفر.
فالسيسي يتجنب مشاهد الاحتجاج ويخشى من تكرار مشاهد حصار البعثات المصرية أو الهتافات المناهضة التي توثقها القنوات المعارضة، والتي تفسد استراتيجية "الزفة والوفود الشعبية المؤيدة" التي كانت تسافر سابقاً بملايين الجنيهات لدعم شخص السيسي في نيويورك.
ورصدت هتافات ضد السيسي خلال حصاره البعثة المصرية الخاصة بالأمم المتحدة بمدينة نيويورك.
https://x.com/AlshoubBreaking/status/1949947172486627801
أما شبح الانقلاب وهواجس الداخل فيظهر في تداول المغردون من قوى المعارضة تحليلات تشير إلى أن السيسي يخشى مغادرة البلاد لفترات طويلة أو السفر لمسافات بعيدة خوفاً من ترتيبات داخلية قد تطيح به، مستشهدين بنماذج تاريخية مثل زين العابدين بن علي.
حساب واثق بالله (@wasekballah) يقول: "هو السيسي ممنوع من دخول أمريكا ولا خايف يسافر ينقلب عليه الجيش، أرسل مدبولي لاجتماع الأمم المتحدة ولا صحته تعبانة ما يقدرش يسافر رحلة طويلة"
https://x.com/wasekballah/status/2102513956481110120
وكتبت (@Moha07Al) ، "السيسي خايف من مصير مشابه لزين العابدين لذلك لا يجرؤ على السفر، هل تعلم ما سافر لاجتماعات أمم متحدة، خايف يحكوله لاترجع ويعملوا عليه انقلاب".
https://x.com/Moha07Al/status/2102513601403593020
الطرح الذي تبناه إعلاميون بارزون منذ بدء غيابه في 2019، كان مشابها فالإعلامي أحمد منصور (@amansouraja) : "السيسي مرعوب ومشوّش ومشتت يخشى من الذهاب لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لأنه يخاف من أن ينقلب عليه الجيش وتكون رحلته الأخيرة"
ويعتقد الصحفي عبدالحميد قطب (@AbdAlhamed_kotb) أنه "من حق الشعب المصري أن يعرف: لماذا لم يُمنع السيسي من حضور اجتماعات الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة "6 أعوام"، بينما سمحت واشنطن هذا العام للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بدخول نيويورك والمشاركة في الاجتماعات، رغم أن الولايات المتحدة وإيران في حالة حرب؟".
وتساءل "هل يتعلق الأمر بقرار أمريكي تجاه السيسي؟ ولماذا يخفي السيسي الحقيقة عن الشعب المصري؟ وهل تتعرض مصر لعقوبات لا يريد النظام الإفصاح عنها؟".
https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2102511844841971864
من الناحية القانونية الصرفة، يحظى رؤساء الدول بحماية قانونية دولية صارمة أثناء وجودهم في مهام رسمية، لكن هذا لا يمنع "الملاحقة العبثية" أو الإحراج السياسي، إليك تفصيل ذلك:
حصانة (Sovereignty Immunity):
وفقاً للقانون الدولي وقانون المحاكم الأمريكية (مثل قانون حصانات الدول الأجنبية FSIA)، يتمتع رئيس الدولة العامل بحصانة مطلقة من الاختصاص الجنائي والمدني للمحاكم الأجنبية طالما هو في منصبه، هذا يعني أنه لا يمكن لأي سلطة أمريكية توقيف السيسي أو محاكمته جنائياً بتهم تتعلق بـ "الانقلاب" أو قضايا حقوق الإنسان.
الحصانة الدبلوماسية المقيدة للمرافقين
في المقابل، قد لا تشمل الحصانة المطلقة بعض المسؤولين الأدنى رتبة أو الوزراء المرافقين في بعض الحالات المدنية، مما جعل جماعات حقوقية ومعارضة تحاول سابقاً رفع دعاوى قضائية مدنية (مثل دعاوى بموجب قانون حماية ضحايا التعذيب الأمريكي TVPA) ضد مسؤولين مصريين سابقين أو حث محاكم أمريكية على إصدار مذكرات استدعاء.
سلاح "الإحراج السياسي"
رغم أن هذه الدعاوى القضائية غالباً ما تُرفض من قبل وزارة الخارجية الأمريكية التي تتدخل لمنح "صك الحصانة"، إلا أن تقديم الشكاوى ينجح في خلق زخم إعلامي سلبي جداً. فالصحافة الأمريكية تلتقط خبر "رفع دعوى تعذيب ضد السيسي أو الوفد"، وهو ما يفسد أهداف الزيارة الدبلوماسية ويحولها إلى ساحة دفاع مستمر أمام وسائل الإعلام.