أثارت واقعة القبض على طفل في منطقة الدقي بعد اتهامه بإخراج عبوات بلاستيكية وعبوات فارغة من داخل إحدى ماكينات الاسترداد الذكي للنفايات، جدلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، ليتجاوز النقاش تفاصيل الواقعة إلى التساؤل حول مستقبل تجربة ماكينات جمع المخلفات وإعادة تدويرها، وما إذا كانت ستستمر وتتوسع أم تواجه تعديلات أو تراجعًا في ظل الاعتراضات التي أثيرت حولها فضلا عن الخوف من تعرضها للتخريب من النباشين أنفسهم باعتبارها تفاصلهم في مصدر رزقهم.
وبدأ فحص الواقعة عقب انتشار مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي، ظهر خلاله الطفل وهو يعبث بإحدى الماكينات ويخرج عبوات من داخلها، قبل أن يقوم بتفريغ محتوياتها في الشارع. وكثفت الأجهزة الأمنية تحرياتها لتحديد هوية الطفل، وتمكنت من ضبطه واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستكمال التحقيقات والوقوف على ملابسات الواقعة.
وتأتي الواقعة بالتزامن مع تجربة ماكينات جمع المخلفات الذكية في منطقة الدقي، التي تستهدف تشجيع المواطنين على التخلص الآمن من المخلفات الصلبة، وعلى رأسها الزجاجات البلاستيكية وعلب الكانز، مقابل الحصول على نقاط أو عوائد يمكن الاستفادة منها.
وفي سياق متصل، نشر حساب القاهرة 24 @cairo24 تصريحات عبد المنعم الجمل، رئيس اتحاد نقابات عمال مصر، التي قال فيها إن الكيان الذي يمثل نقيب الزبالين ليس نقابة معترفًا بها ولا لجنة نقابية، وإنما تنظيم خارج سياق القانون والدستور، وذلك بحسب التصريحات التلفزيونية التي نقلها الحساب وهو ما يعتبر تحديا لتصريحات من "نقابة الزبالين".
وبالتزامن مع تداول واقعة الطفل، علّق المستشار وليد شرابي عبر حسابه على منصة «إكس» @waleedsharaby على الاحتفاء الإعلامي بالقبض على الطفل، منتقدًا طريقة تناول وسائل الإعلام للواقعة، وربطها بقضايا واتهامات سياسية أخرى.
وجاء تعليق وليد شرابي في سياق سياسي، متناولًا واقعة الطفل باعتبارها جزءًا من النقاش الدائر حول طريقة تعامل الإعلام مع الأحداث والقضايا المرتبطة بالحكومة.
التراجع أمام «النباشين»
وفي خضم الجدل، طرح حساب حزب تكنوقراط مصر على منصة «إكس» @egy_technocrats سؤالًا حول مستقبل تجربة ماكينات شراء المخلفات، في أعقاب حالة الغضب التي عبّر عنها نقيب الزبالين، متسائلًا عما إذا كانت الحكومة ستتراجع أمام اعتراضات العاملين في جمع المخلفات، أم ستواصل العمل على تغيير منظومة جمع القمامة وإنهاء ظاهرة «النباشين».
وأشار الحساب إلى أن ماكينات شراء المخلفات أثارت جدلًا حول مستقبل منظومة جمع القمامة، وما إذا كانت الدولة تمتلك رؤية واضحة للانتقال من عمليات جمع وفرز المخلفات بصورة عشوائية إلى منظومة أكثر تنظيمًا.
صراع على العبوات القابلة لإعادة التدوير
ويرتبط جانب أساسي من الجدل بالقيمة الاقتصادية للمواد التي يتم جمعها من القمامة، وعلى رأسها البلاستيك والكرتون والمعادن والزجاج، حيث تُمثل مصدر دخل للعاملين في جمع وفرز المخلفات.
وفي هذا السياق، أثارت ماكينات الجمع الذاتي مخاوف لدى العاملين في هذا القطاع من أن يؤدي سحب العبوات القابلة للبيع وإعادة التدوير من مسار القمامة التقليدي إلى التأثير على دخلهم، خصوصًا أن هذه المواد تمثل جزءًا من النشاط الاقتصادي المرتبط بجمع وفرز المخلفات.
نقيب الزبالين: الماكينات تهدد مصدر رزق العاملين
قال شحاتة المقدس، نقيب الزبالين، إن النقابة ترفض فكرة التوسع في ماكينات الجمع الذاتي للمخلفات، موضحًا أن جمع المخلفات الصلبة يُمثل مصدر رزق أساسيًا للعاملين في المهنة.
وأشار المقدس إلى أن العاملين في جمع القمامة لا يتقاضون راتبًا من الدولة، وبالتالي فإن سحب جزء من المخلفات التي يعتمدون عليها في عملهم يمثل منافسة مباشرة لمصدر دخلهم.
كما نُقلت عنه تصريحات أعلن فيها أن العاملين في جمع القمامة لن يقوموا بجمع القمامة من المناطق التي يتم تركيب ماكينات لإعادة التدوير فيها، وهو ما أضاف بعدًا جديدًا للنقاش حول إمكانية استمرار التجربة في المناطق التي تعتمد على منظومة الجمع التقليدية.
«النباشون» في قلب الخلاف حول منظومة المخلفات
وأعادت تصريحات نقيب الزبالين النقاش حول ظاهرة «النباشين»، الذين يقومون بفرز القمامة في الشوارع بحثًا عن المواد القابلة للبيع وإعادة التدوير، وما إذا كانت الماكينات الجديدة يمكن أن تُسهم في تغيير هذه المنظومة من خلال نقل جزء من عملية جمع المواد القابلة للتدوير من الشارع إلى نقاط جمع منظمة.
وطرح مراقبون تصورًا يقوم على عدم الاكتفاء بوضع الماكينات في الشوارع، وإنما العمل على تقنين أوضاع العاملين في جمع المخلفات وإعادة توجيههم إلى منظومة رسمية، مع إنشاء نقاط تجميع وفرز مرخصة تخضع للرقابة.
كما أشار الحساب إلى إمكانية دمج من يرغب في الاستمرار بهذا المجال داخل شركات النظافة وإعادة التدوير أو منحهم تراخيص للعمل وفق ضوابط محددة.
الحكومة: الماكينات ضمن منظومة المتعهدين
في المقابل، قال محمد مرعي، السكرتير العام المساعد لمحافظة الجيزة، إن منظومة ماكينات جمع المخلفات تُحقق استفادة للمواطن والمتعهد والدولة، موضحًا أن المواطنين يحصلون على نقاط يمكن تحويلها إلى رصيد للهاتف مقابل جمع العبوات البلاستيكية وعلب الكانز وإعادة تدويرها، وذلك خلال تصريحات تلفزيونية.
وتشير هذه التصريحات إلى أن الماكينات، وفق الطرح الرسمي، لا يجري تقديمها باعتبارها بديلًا كاملًا عن منظومة جمع القمامة القائمة، وإنما كجزء من منظومة أوسع لجمع المخلفات القابلة لإعادة التدوير.
شحاتة المقدس، الذي قال إنه يمكن اعتباره «شيخ الزبالين» أو متحدثًا باسم الزبالين، مشيرًا إلى أن العاملين في القطاع تعرضوا للظلم بسبب ماكينات إعادة التدوير، ومؤكدًا رفضه لما وصفه بقطع مصدر رزقهم.
تجربة عمّان تقدم نموذجًا آخر للماكينات
وبالتوازي مع الجدل المصري، ظهرت تجربة مماثلة في العاصمة الأردنية عمّان، حيث اتبعت شركة «رؤيا للمعالجة وإعادة التدوير» وسيلة جديدة لجمع العبوات المعدنية الفارغة من مخلفات العصائر والمشروبات الغازية وإدخالها في مسار إعادة التدوير.
وبحسب مصادر من شركة «رؤيا» التابعة لأمانة عمّان، فإن هذه الماكينات مزودة بتطبيق إلكتروني يتيح للمستخدم الحصول على خصومات على المشتريات مقابل التخلص من العبوات المعدنية الفارغة من خلالها.
وأشارت المصادر إلى أن العمل جارٍ على زيادة عدد الماكينات بعد نجاح التجربة، موضحة أن وجودها يُسهم في تقليص ظاهرة نابشي حاويات القمامة الباحثين عن النفايات المعدنية.