لا تثبت منصات السوشيال وحدها أن العقارات المصرية دخلت فقاعة أو أن السوق على وشك الانهيار، لكنها تكشف شيئًا آخر بالغ الأهمية: المشتري نفسه بدأ يفقد اليقين الذي كان يحرك السوق خلال سنوات الصعود.
وليت كل المنصات واحدة فبعضها لمراقبين وخبراء يعلنون شيئًا أكثر أهمية بالنسبة لصانع القرار، فالثقة التي جعلت المواطن يشتري العقار بأي سعر تقريبًا لم تعد كما كانت والاختبار الحقيقي للحكومة لن يكون في عدد الاجتماعات التي تعقدها مع المطورين، وإنما في قدرتها على نشر البيانات التي تجيب عن سؤال واحد:
هل لدينا أزمة متعثرين داخل سوق قوية، أم أن المتعثرين هم أول جزء ظاهر من أزمة عقارية أوسع؟ وأنه إذا كان الرقم 6,200 وحدة بقيمة 89 مليار جنيه هو مجرد قمة جبل الجليد، فالمشكلة أكبر من الشركات.
ليست الأزمنة في مشكلة شركات تأخرت في تسليم وحدات أو عملاء عجزوا عن سداد أقساطهم، الرقم الذي فجّر جانبًا من الجدل هو الحديث عن 6,200 حالة تعثر في سداد أقساط عقارية خلال شهر، بقيمة إجمالية بلغت نحو 89 مليار جنيه، بحسب محمود عمار، مؤسس منصة العقار exit المتعثرة، والأكثر دلالة أن نحو 70% من المتعثرين، بحسب تصريحاته، مستعدون للتنازل عن جزء من أموالهم مقابل التخلص سريعًا من التزاماتهم.
قلق اليوم نابع من استمرار الأقساط، وتراجع الثقة في التسعير، ومخاوف بشأن وظائف المصريين في الخارج، وأسئلة عن دور الدولة التي أصبحت لاعبًا كبيرًا في سوق الأرض والتطوير إلى جانب دورها التنظيمي مما قد يجعلها أزمة مصطنعة للاعب قوي ومسيطر لا يعطي اعتبارا للسوق الحر.
من حماية المدخرات إلى الاعتقاد بأن العقار لا يخسر
الأكاديمي في جامعة عين شمس د.ماجد عبيدو @mAbidou يقدّم واحدة من أكثر الروايات تفصيلًا لمسار الأزمة. فهو يرى أن الفترة بين مارس 2022 ومارس 2024 شهدت ارتفاعًا منتظمًا في سعر الدولار، دفع المصريين إلى البحث عن أصول مادية لحماية مدخراتهم، وكان العقار في مقدمة هذه الأصول إلى جانب الذهب والسيارات.
ويقول عبيدو: "إن استمرار صعود الدولار غذّى اعتقادًا بأن «العقارات بتكسب طوال الوقت»، وإن شركات التطوير ساهمت في ترسيخ هذا الاعتقاد عبر رفع أسعار كل طرح جديد عن سابقه، ومع تحقيق المشترين الأوائل مكاسب كبيرة، ظهر الخوف من فوات الفرصة، أو ما يعرف بـFOMO، ودخل بعض المضاربين السوق بمقدم محدود وعدد قليل من الأقساط، على أمل الاستفادة من ارتفاع الأسعار لاحقًا".
ما يلفت النظر في شهادة عبيدو أنه لا يرى المشكلة في التعثر وحده، فهو يعتبر أن السوق دخلت منطقة رمادية منذ مارس 2024، وأنها تحتاج إلى جهة رقابية وتنظيمية موحدة تكون لها قوة وهيبة شبيهة بدور البنك المركزي في القطاع المصرفي.
ويقول في تغريدته "إن المليارات التي وُضعت في العقارات تستحق وجود جهة رقابية، كما يدعو الدولة إلى الخروج من دور المطور والتاجر والتركيز على التشريع والتنظيم، وأن تتوقف شركات التطوير عن لعب دور البنوك في تمويل المشترين".
https://x.com/mAbidou/status/2099182427663212685
الأهم في شهادة عبيدو أنها تكشف تحولًا في نظرة المشتري، فالعقار لم يعد بالضرورة شراءً للسكن، بل أصبح في جزء من السوق أداة لحماية المدخرات من التضخم وانخفاض قيمة العملة، وعندما يتوقف الأصل عن الارتفاع بالمعدلات نفسها، تظهر مشكلة لم تكن ظاهرة أثناء الصعود: ماذا يحدث إذا احتاج صاحبه إلى البيع؟
الرهان على المصريين بالخارج قد لا يستمر
الناشطة رانيا الخطيب @ElkhateebRania (متخصصة في متابعة أوضاع اقتصادية) تضع إصبعها على نقطة مختلفة: اعتماد السوق العقارية بدرجة كبيرة على مدخرات المصريين العاملين بالخارج.
تقول الخطيب بوضوح: «أكبر ضربة للعقار هتبقى بسبب عدم استقرار وظائف العاملين بالخارج».
https://x.com/ElkhateebRania/status/2097649599007559852
ثم تضيف أن الدولة والمطورين «عملوا دولرة للعقارات والأراضي»، وأن المتعثر أو الذي لم يعد يريد الاستمرار سيواجه صعوبة في بيع وحدته.
أهمية هذه الشهادة أنها تطرح سؤالًا بسيطًا لكنه شديد الخطورة: إذا كان المصري في الخارج هو أحد مصادر الطلب القادر على تحمل الأسعار المرتفعة، فماذا يحدث عندما تتراجع قدرته على تحويل مدخراته إلى مصر؟
فالعامل في الخارج بحسب هذا الرأي، ليس ماكينة أموال. لديه وظيفة وتكاليف معيشة وأسرة والتزامات، وقد تتغير ظروف سوق العمل التي يعمل فيها، وإذا كانت أسعار العقارات المصرية قد أصبحت أعلى بكثير من قدرة المواطن داخل مصر، ثم تراجعت قدرة المصري بالخارج أيضًا، فإن مساحة المشترين المحتملين تضيق.
وهذا ما يجعل الحديث عن وجود «طلب» غير كافٍ، السؤال ليس هل هناك راغب في شراء العقار، وإنما هل يوجد مشترٍ يستطيع شراءه بالسعر الذي يطلبه البائع؟
«الدولة السبب.. وكلهم بقوا مقاولين»
في حوار آخر، كتب أحد المتابعين أن الاستثمار في الأسمنت خسر كثيرًا من الناس، فردت رانيا الخطيب @ElkhateebRania قائلة إن «الدولة السبب وكله خاف من انهيار الجنيه وهما استغلوا ده ومحدش عارف يبيع خصوصًا الإسكان فوق المتوسط».
ثم كتب أحد المتابعين: «حبوا يقلدوا المقاولين»، فردت الخطيب بجملة شديدة الاختصار والدلالة: «كلهم بقوا مقاولين».
المقصود هنا، وفق سياق الحوار، ليس اتهام كل شخص بأنه أصبح مقاولًا حرفيًا، وإنما التعبير عن تحول العقار إلى نشاط واسع الانتشار: الدولة، المطور، المستثمر، المواطن، والمدخر الذي اشترى وحدة باعتبارها وسيلة لحماية أمواله.
أكبر من شركات التطوير
إنه نقاش حول نموذج اقتصادي كامل أصبحت فيه الأرض والعقار والإنشاءات وسيلة رئيسية لاستيعاب المدخرات وتحريك النشاط.
الناشط أسامة أبوسكينة @Abelowadelo يدخل إلى نقطة شديدة الأهمية في أزمة المنصات التي تحاول مساعدة المتعثرين على إعادة بيع وحداتهم، يقول: «فين اللي يأخذ فلوسه كاملة وهو هيتخصم منه 15٪ تنازل؟»، ثم يسأل من سيشتري شقة بيعت في 2025 بسعر أعلى إذا لم تكن الشقة نفسها قد ارتفعت بنسبة مماثلة في 2026.
هذا السؤال يلخص جوهر مشكلة السيولة العقارية، قد يقول المطور إن سعر الوحدة ارتفع، وقد يسجل السوق أسعارًا جديدة على الورق، لكن صاحب الوحدة الذي يحتاج إلى البيع اليوم يريد معرفة شيء واحد فقط: كم سيحصل في يده فعلًا؟
فإذا كان السعر المعلن 10 ملايين جنيه، لكنه لا يستطيع بيع الوحدة إلا بـ8 ملايين، فالقيمة الاقتصادية الحقيقية ليست الرقم الأول.
التسعير العشوائي بعين الحكومة
حساب د. وكيل @Wak75053Wakeel يذهب إلى أبعد من مشكلة الشركات والأفراد، ويرى أن أصل الأزمة مرتبط بالتسعير نفسه.
يقول: إن «أهم سبب في حالة الكساد الحالية هو التسعير العشوائي للعقارات تحت سمع وبصر الحكومة»، ويعتبر أن الحكومة نفسها دخلت السوق العقارية وسعرت وحداتها، وفق رأيه، بالعشوائية نفسها.
ثم يطرح مطلبًا واضحًا: إنشاء هيئة لتنظيم السوق العقارية.
وفي الاتجاه نفسه، كتب الدكتور وكيل @Wak75053Wakeel أن إنشاء هيئة لتنظيم السوق العقاري أصبح، في رأيه، ضرورة بعد انفجار مشاكل السوق وتعثر المطورين والعملاء وتقييد القروض العقارية في البنوك.
ويضيف أن إنشاء الهيئة الآن، حتى بصلاحيات واسعة، قد يحتاج إلى خمس أو عشر سنوات لضبط السوق، معتبرًا أن إهمال المشكلة أدى إلى تضخمها.
https://x.com/Wak75053Wakeel/status/2099256024137912752
وإذا كان كل مطور يستطيع تحديد السعر، وكل مشروع له طريقة مختلفة في التسعير، والدولة نفسها لاعب في السوق، ولا توجد قاعدة بيانات عامة عن الصفقات الفعلية، يصبح من الصعب على المشتري أن يعرف: هل هذا سعر اقتصادي حقيقي أم سعر مبني على توقع أن الأسعار سترتفع غدًا؟
الخطر تحت السطح
ويطرح إبراهيم الأمير @abrahymalamyr14 خطرًا مختلفًا تمامًا، يقول "إن هناك مشكلة كمان تحت السطح ولسه مش ظاهرة"، ويتحدث عن مطورين، خصوصًا من وصفهم بأنهم تابعون للدولة، تعثروا في البناء بينما لم يستلم المشترون وحداتهم رغم انتهاء سداد أقساطهم.
ويذكر مثالًا على مشروع «سي بيلا» في المنصورة الجديدة، قائلًا إن المشروع بيع بالكامل بينما لم يبدأ البناء بحسب روايته.
هذه الشهادة لا تكفي وحدها لإثبات أن المشروع المذكور أو غيره يعاني بالفعل من الوضع الذي وصفه، لكنها تكشف نوعًا آخر من المخاطر التي يخشاها المشترون: أن يدفع المواطن ثمن الوحدة كاملًا ثم يجد نفسه لا يملك أصلًا جاهزًا، وإنما وعدًا بالتسليم.
وهنا تتحول الأزمة من مشكلة سعر إلى مشكلة ثقة في العقد نفسه.
المدخرات وخرسانة بلا عائد
وحساب @mhy20561 يطرح رؤية أكثر تشاؤمًا للسوق. يقول: "العقارات في مصر بالملايين، ولا هتلاقي اللي يبيعها ولا هيشتريها، ولا حتى يأجرها»، معتبرًا أن ما يحدث هو «استنزاف للاقتصاد عن طريق تحويل الأموال إلى خرسانات عديمة الجدوى والعائد الاقتصادي".
هذه ليست دراسة إحصائية، ولا يجوز التعامل معها كحقيقة عن حجم العقارات غير القابلة للبيع أو التأجير، لكنها تكشف بوضوح تغير السؤال الذي يطرحه جزء من الجمهور.
في السابق كان السؤال: كم سيرتفع سعر الشقة؟ أما الآن فأصبح السؤال: هل الشقة نفسها تولد دخلًا؟ إذا كانت الوحدة لا تؤجر بسهولة، ولا تباع بسهولة، ولا تحقق عائدًا يتناسب مع سعرها، فإن ارتفاع قيمتها الدفترية وحده لا يكفي لإثبات أنها استثمار جيد.
المستثمر لا يشتري العقار فقط
ويشير عزام @S0AZZAM طبقة أخرى من أزمة الثقة، يقول: "إن كثيرًا من المقيمين بالخارج يعودون ليجدوا عقاراتهم «محتلة بوضع اليد»، ويؤكد أن ذلك حدث معه شخصيًا، وأن تجربته جعلته يعيد التفكير في ضخ أمواله في العقار؛ بسبب ما يعتبره ضعفًا في الحماية القانونية".
وتكشف نقطة مهمة: المستثمر لا يشتري أربعة جدران فقط، هو يشتري أيضًا عقدًا، وملكية، وتسجيلًا، وحماية قانونية، وقدرة على التصرف في الأصل عندما يريد، وبالتالي فإن أزمة الثقة العقارية يمكن أن تبدأ من السعر، لكنها لا تنتهي عنده.
قواعد غائبة
مريم سعود @mariamal_saud تلخص جانبًا آخر من النقاش عندما تقول: إن "التسعير الخاطئ والدولرة أضعفا ثقة المشترين، ولا منصة تحل مشكلة قواعد غائبة".
جوهر المشكلة إذن أن عرض الوحدات (من خلال سوق إلكترونية)، لا تستطيع وحدها أن تحدد السعر العادل، ولا تستطيع أن تضمن التسليم، ولا تلغي رسوم التنازل، ولا تجبر المشتري على دفع السعر الذي يطلبه البائع
ويضيف دوديمنتي @Dodymente إلى النقاش عاملًا عالميًا عندما يربط الأزمة بموجة ارتفاع الفوائد عالميًا، ويحذر من أن التأثير قد يكون مدمرًا إذا تزامن ضغط العقار المصري مع تشدد مالي عالمي.
رواية «الفقاعة»
ويبدو أن ظهور مفاجئ لهشام طلعت مصطفى (وأكبر الشركات العقارية) مع عمرو أديب وهو يرفض وصف السوق المصرية بأنها تعاني فقاعة عقارية، ويقول "إن الحديث عن أزمة عامة لا يستند إلى قراءة دقيقة للأرقام والمؤشرات".
وبحسب تصريحاته، فإن أكبر عشر شركات عقارية تتجاوز مبيعاتها 800 مليار جنيه، كما يتجاوز معدل تحصيل العملاء في شركته 99%، ويرى أن حالات التعثر التي يتم الحديث عنها لا تعكس السوق كلها، وأن جزءًا منها يتعلق بشركات صغيرة دخلت السوق خلال السنوات الأخيرة.
إلا أن وجود 6,200 حالة تعثر، حتى لو ثبت الرقم، لا يعني تلقائيًا أن القطاع كله ينهار، قد تكون الشركات الكبرى قوية، وقد تكون مبيعاتها مرتفعة، وفي الوقت نفسه توجد أزمة حقيقية لدى العملاء أو الشركات الصغيرة أو السوق الثانوية.
السيسي وجّه بمتابعة المشروعات العقارية والتأكد من التزام الشركات بمواعيد التسليم واحترام العقود واستكمال أعمال البنية الأساسية، مع محاسبة المخالفين.
ويستعد مصطفى مدبولي، بحسب ما نقلته «إيكونومي بلس»، لعقد اجتماع مع ممثلي القطاع العقاري لبحث مستجدات السوق والتحديات وآليات تنفيذ التوجيهات الرئاسية.
لكن هذا التحرك يفتح سؤالًا آخر: لماذا وصلت مشكلات التسليم والتعثر والتسعير إلى مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى تدخل رئاسي واجتماعات عاجلة، بدل أن تكون هناك آلية رقابية مستمرة تمنع تراكمها؟ هل هناك مستفيد من انهيار العقار؟ لا توجد في الشهادات المعروضة أدلة تثبت وجود جهة بعينها تتعمد دفع السوق إلى الانهيار.
وخلاصة القول "إن الأزمة تقتصر على 6,200 متعثر سيكون تبسيطًا شديدًا، فالمتعثر هو الشخص الذي ظهرت مشكلته بالفعل، أما الخطر الأكبر فقد يكون في الشخص الذي ما زال يدفع أقساطه لكنه اكتشف أن الوحدة التي اشتراها ليست سهلة البيع، وقد يكون في المطور الذي ما زال يبيع لكنه يعتمد بصورة متزايدة على دفعات العملاء لتمويل مشروعاته. وقد يكون في المصري بالخارج الذي ما زال يشتري لكنه بدأ يقلق بشأن وظيفته، وقد يكون في الأسرة التي اشترت وحدة للاستثمار ثم اكتشفت أن الإيجار لا يبرر سعر الشراء".
وعندها يصبح المواطن هو الطرف الأخير في السلسلة الذي يدفع الثمن بحالات: إذا ارتفع سعر الأرض، ارتفع سعر المشروع. وإذا ارتفع المشروع، زادت الأقساط.
وإذا زادت الأقساط، احتاج المشتري إلى دخل أكبر. وإذا لم يرتفع الدخل بالسرعة نفسها، انخفض عدد المشترين القادرين على تحمل السعر، وهنا لا تحتاج السوق إلى مؤامرة كي تدخل في مأزق.