من كارادزيتش إلى القاهرة.. ماذا تخبرنا لاهاي عن احتمالات محاسبة السيسي؟

- ‎فيتقارير

لم يكن اعتقال رادوفان كارادزيتش في صيف 2008 يبدو، قبل حدوثه، سيناريو قريبًا. فالرجل، الذي كان أحد أبرز قادة صرب البوسنة خلال حرب البوسنة والهرسك، ظل هاربًا من العدالة لأكثر من 13 عامًا، وتمكن طوال تلك الفترة من العيش متخفيًا داخل صربيا، قبل أن تعثر عليه السلطات الصربية وتعتقله.
لكن قصة كارادزيتش لم تنتهِ باعتقاله، بل بدأت عندها مرحلة أخرى من المساءلة القضائية. وبعد محاكمة طويلة أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، أُدين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، قبل أن تُشدّد عقوبته في مرحلة الاستئناف عام 2019 إلى السجن المؤبد.
تطرح هذه التجربة سؤالًا يتجاوز حدود البلقان: هل يمكن أن يتكرر السيناريو ذاته يومًا ما مع مسئولين مصريين، وعلى رأسهم عبد الفتاح السيسي؟
السؤال لا يمكن الإجابة عنه بالشعارات السياسية، وإنما يحتاج إلى قراءة قانونية وسياسية دقيقة، تأخذ في الاعتبار الفوارق الكبيرة بين الحالتين، وفي الوقت نفسه تبحث في الدروس التي يمكن استخلاصها من تجربة كارادزيتش.

 

سربرنيتشا ورابعة.. تشابه في المساءلة لا في توصيف الجريمة 

أحد أهم الفروق التي يجب التوقف عندها يتعلق بالتوصيف القانوني للجرائم. فالمجازر التي وقعت في سربرنيتشا عام 1995 وصفت قضائيًا بأنها إبادة جماعية، وهو توصيف يستلزم إثبات وجود قصد محدد لتدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية، كليًا أو جزئيًا.
أما فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013، فقد خلصت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تحقيقها المعروف بعنوان "كل شيء وفق الخطة"، إلى أن عملية الفض اتسمت بانتهاكات واسعة، واعتبرت أن ما حدث يرقى على الأرجح إلى جرائم ضد الإنسانية.
والفارق بين المصطلحين جوهري من الناحية القانونية؛ فالإبادة الجماعية تتطلب إثبات القصد الخاص لتدمير جماعة محمية، بينما تتعلق الجرائم ضد الإنسانية بوقوع هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد سكان مدنيين.
ومن ثم، فإن المقارنة بين سربرنيتشا ورابعة لا تعني مساواة الوقائع أو التوصيف القانوني للجريمتين، وإنما تتعلق بالسؤال الأوسع: كيف يمكن لملف انتهاكات أن ينتقل، بعد سنوات، من نطاق التوثيق السياسي والحقوقي إلى نطاق المساءلة القضائية؟

 

كارادزيتش.. 13 عامًا بين الجريمة والاعتقال 

تكشف تجربة كارادزيتش عن أهمية عنصر الزمن في قضايا العدالة الدولية. فالرجل ظل مطلوبًا منذ منتصف التسعينيات، لكنه لم يُعتقل إلا في يوليو 2008، بعدما شهدت صربيا تغيرات سياسية كبيرة، وانتهت مرحلة كانت فيها السلطات الصربية أقل استعدادًا للتعاون الكامل مع آليات العدالة الدولية.
وكان سقوط سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000 نقطة تحول رئيسية في البيئة السياسية التي كانت تحيط بملفات جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة.
وبمرور الوقت، أصبح التعاون مع المحكمة الدولية جزءًا من الحسابات السياسية للحكومات الصربية الجديدة، خصوصًا في ظل سعي بلغراد إلى الاندماج الأوروبي.
وهكذا لم يكن اعتقال كارادزيتش نتيجة تطور قانوني منفرد، بل جاء نتيجة التقاء ملف قضائي جاهز مع تحول سياسي داخل الدولة التي كان يعيش فيها. وهذه ربما تكون أهم رسالة في التجربة بالنسبة إلى الحالات التي تبدو، في الوقت الراهن، بعيدة عن المساءلة.

 

ماذا عن مصر؟ 

الحالة المصرية مختلفة جذريًا عن يوغوسلافيا السابقة. فمصر ليست دولة طرفًا في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، وهو ما يضع حدودًا واضحة أمام إمكانية مباشرة المحكمة اختصاصها على جرائم ارتُكبت داخل الأراضي المصرية، ما لم تتوافر إحدى قواعد الاختصاص المعترف بها دوليًا، وفي مقدمتها إحالة من مجلس الأمن أو أساس اختصاص آخر ينطبق على الحالة.
لكن غياب اختصاص مباشر للمحكمة الجنائية الدولية لا يعني غياب جميع المسارات القانونية. فأحد المسارات التي اكتسبت أهمية خلال السنوات الأخيرة هو الاختصاص القضائي العالمي، الذي يسمح في بعض الدول بمحاكمة أشخاص متهمين بجرائم دولية خطيرة، حتى عندما تكون الجرائم قد ارتُكبت خارج أراضي الدولة التي تنظر القضية، وبغض النظر عن جنسية الضحية أو المتهم، وفقًا للقانون الوطني وشروط كل دولة.
وقد شكلت محاكمات مسئولين سوريين أمام القضاء الألماني مثالًا بارزًا على إمكانية استخدام هذا المسار في قضايا الجرائم الدولية.
لكن تطبيق النموذج ذاته على الحالة المصرية لن يكون تلقائيًا؛ إذ يتطلب وجود أدلة كافية، واختصاصًا قانونيًا مناسبًا، وإرادة قضائية، فضلًا عن إمكانية وصول المتهم إلى الدولة صاحبة الاختصاص.

 

العقبة الأكبر.. السياسة الدولية 

إذا كان القانون يمثل أحد أبواب المساءلة، فإن السياسة الدولية تمثل في الوقت نفسه أحد أكبر العوائق أمام فتح هذه الأبواب. فالتجربة اليوغوسلافية جرت في بيئة دولية مختلفة عن الحالة المصرية. وكانت صربيا، خلال سنوات الحرب وما بعدها، تواجه عزلة وعقوبات وضغوطًا دولية واسعة، بينما ارتبط التعاون مع المحكمة الدولية بمسار سياسي واقتصادي أوسع يتعلق بعلاقة بلغراد بالاتحاد الأوروبي.
أما مصر، فتحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما تلعب أدوارًا إقليمية مهمة في ملفات غزة وليبيا والهجرة والطاقة والأمن الإقليمي. وهذه العلاقات تجعل أي تحرك دولي واسع ضد القيادة المصرية أكثر تعقيدًا من الحالة اليوغوسلافية.
كما أن أي إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن ستظل مرتبطة بموازين القوى داخل المجلس، بما في ذلك إمكانية استخدام الدول دائمة العضوية لحق النقض.
لكن التاريخ السياسي لا يقدم ضمانات دائمة. فالعلاقات الدولية تقوم على المصالح، والمصالح نفسها يمكن أن تتغير مع تغير الحكومات والظروف الإقليمية والدولية.

 

حين تتغير الدولة.. تتغير قواعد اللعبة 

الدرس الأكثر أهمية في قضية كارادزيتش ربما لا يتعلق بالشرطة التي عثرت عليه، وإنما بالتحول الذي سبق ذلك. فالرجل لم يسقط فقط لأن الأدلة موجودة منذ سنوات. ولم يسقط فقط لأن المحكمة كانت قائمة؛ المحكمة كانت قائمة منذ 1993. وإنما أصبح القبض عليه ممكنًا عندما تغيرت البيئة السياسية التي سمحت له بالاختباء.
وهذه قاعدة مهمة في دراسة ملفات المساءلة الدولية: وجود ملف قانوني لا يعني بالضرورة إمكانية تنفيذ العدالة فورًا، لكن غياب التنفيذ في لحظة معينة لا يعني بالضرورة أن الملف انتهى. فالمعادلة قد تتغير مع تغير السلطة، أو التحالفات الدولية، أو المصالح الاقتصادية، أو موقف الدولة التي يوجد فيها المتهم.

 

رابعة.. ملف يتجاوز حدود السياسة 

في الحالة المصرية، يمثل فض اعتصام رابعة أحد أكثر الملفات توثيقًا في تاريخ ما بعد 2013. وقد وثقت منظمات حقوقية دولية ومحلية وقائع القتل واستخدام القوة والانتهاكات التي صاحبت عملية الفض، إلى جانب أحداث أخرى وقعت خلال السنوات التالية.
لكن الانتقال من التوثيق الحقوقي إلى المسئولية الجنائية الفردية يحتاج إلى أكثر بكثير من إثبات وقوع انتهاكات واسعة. فالقضاء الجنائي الدولي يبحث في مسائل محددة، من بينها سلسلة القيادة، والعلم بالجرائم، والأوامر، والمشاركة، والسيطرة الفعلية، والعلاقة بين القرار السياسي والتنفيذ الميداني.
ولهذا فإن أي ملف يستهدف مسئولًا في أعلى هرم السلطة يحتاج إلى إثبات دقيق لدوره الشخصي ومسئوليته القانونية، وليس مجرد إثبات وقوع الانتهاكات خلال فترة حكمه.

 

لماذا يصبح التوثيق مهمًا الآن؟

تجربة المحاكمات الدولية في يوغوسلافيا السابقة، وكذلك المحاكمات التي جرت لاحقًا أمام محاكم وطنية استنادًا إلى الاختصاص العالمي، تؤكد أن الزمن لا يلغي بالضرورة قيمة الأدلة.
الشهادات، والوثائق الرسمية، والتسجيلات، وسلاسل الأوامر، وتقارير الطب الشرعي، وصور الأقمار الصناعية، والاتصالات، والأدلة الرقمية، كلها يمكن أن تتحول بعد سنوات إلى عناصر في ملفات قضائية.
لكن قيمة هذه الأدلة تتوقف على طريقة جمعها وحفظها والتحقق منها وسلامة سلسلة حيازتها. ومن هنا، فإن بناء الملفات القانونية لا ينبغي أن يبدأ عند حدوث التحول السياسي، بل قبل ذلك بسنوات.

 

هل يمكن أن يتكرر سيناريو كارادزيتش؟ 

لا توجد إجابة مؤكدة. فالفارق بين صربيا ومصر كبير، سواء من حيث النظام السياسي أو التحالفات الدولية أو موقع كل دولة في النظام الإقليمي. كما أن وجود علاقات قوية بين القاهرة والقوى الكبرى يجعل سيناريو الإحالة الدولية المباشرة أكثر تعقيدًا.
لكن في المقابل، فإن افتراض استحالة المساءلة على المدى الطويل يتجاهل درسًا أساسيًا من التاريخ الحديث: الأنظمة السياسية والتحالفات الدولية ليست ثابتة.
كارادزيتش نفسه ظل أكثر من عقد خارج السجن، رغم وجود قرار اتهام دولي بحقه، قبل أن تتغير الظروف السياسية التي أحاطت به.
وبالمثل، فإن ما يبدو مستحيلًا سياسيًا في مرحلة معينة قد يصبح ممكنًا في مرحلة أخرى، إذا اجتمعت ثلاثة عناصر: تحول سياسي، وبيئة دولية مناسبة، وملف قضائي موثق وقابل للتحرك.

 

الزمن لا يغلق الملف 

بعد ثلاثة عشر عامًا من بدء مطاردته، انتقل كارادزيتش من الاختباء في شوارع بلغراد إلى قاعة المحكمة في لاهاي. ولم تكن المحكمة قد ظهرت فجأة، ولم تكن الأدلة قد جُمعت في يوم الاعتقال، بل كانت هناك سنوات من التوثيق والتحقيق وبناء الملفات.
وهنا تكمن الرسالة الأهم للحالة المصرية: المساءلة ليست بالضرورة حدثًا يقع في اللحظة التي تقع فيها الجريمة، وإنما قد تكون مسارًا طويلًا يبدأ بالتوثيق وينتظر لحظة سياسية وقانونية تسمح بتحويل الأدلة إلى إجراءات قضائية.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان عبد الفتاح السيسي سيواجه يومًا مصير كارادزيتش؛ فهذا أمر لا يمكن التنبؤ به بصورة مسئولة.
السؤال الأكثر واقعية هو: هل ستكون الملفات المتعلقة بالانتهاكات موثقة ومحفوظة وقابلة للتحقيق عندما تتغير الظروف التي تجعل المساءلة ممكنة؟
ذلك هو الدرس الذي تقدمه لاهاي بوضوح: العدالة قد تتأخر سنوات طويلة، وقد تبدو مستحيلة في لحظة ما، لكن تغير موازين السياسة يمكن أن يعيد فتح ملفات ظن كثيرون أنها أُغلقت إلى الأبد.