يواجه القطاع الطبي أزمة كبيرة تهدد مستقبل مهنة الطب وصحة المصريين. الأزمة تتمثل فى عدم وجود مستشفيات جامعية فى أكثر من 20 كلية طب خاصة وأهلية تم إنشاؤها خلال السنوات الأخيرة.
هذه الأزمة ستؤثر على جودة الخدمة الطبية المقدمة للمواطن المصرى، لأنها ستؤدى إلى تخريج طبيب غير كفء لا يستطيع التعامل مع المرضى، لأن دراسته العلمية لم تتعدَّ حدود الدراسة النظرية وبعض التدريب العملى البسيط، والذى من المفترض ألا يقل عن عامين أو ثلاثة أعوام.
ووفقا لوزارة التعليم العالى بحكومة الانقلاب، بلغ عدد كليات الطب فى مصر 59 كلية حتى نهاية 2025، فيما يصل عدد المستشفيات الجامعية إلى 146 مستشفى، وتشير البيانات إلى أن أعداد خريجي الطب البشرى ارتفعت من نحو 8 إلى 9 آلاف خريج لتتجاوز حالياً حاجز الـ15 إلى 20 ألف خريج سنوياً.
توسع عشوائى
فى هذا السياق كشف الدكتور أسامة عبدالحى، نقيب الأطباء، أن هناك نحو 23 كلية من بينها 3 أو 4 فقط تمتلك مستشفيات جامعية، وأن بعض كليات الطب حصلت على مهلة مدتها ثلاث سنوات لإنشاء مستشفى جامعى، إلا أنها استمرت فى قبول دفعات جديدة من الطلاب رغم انتهاء المهلة، دون تنفيذ الالتزامات القانونية المقررة.
وحذر عبدالحى فى تصريحات صحفية من أننا أمام أزمة حقيقية تواجه القطاع الطبى ، لن تؤثر فقط على مهنة الطب، وإنما سيكون لها تداعيات أكبر على تقديم الخدمة الطبية للمواطن المصرى، الذى سيتعامل مع هؤلاء الطلبة الذين سيتخرجون خلال سنوات.
وأكد أن نقابة الأطباء طالبت أكثر من مرة بوقف التوسع العشوائى فى إنشاء كليات الطب، وعدم إنشاء أى كليات طب جديدة، وتطبيق القانون على الكليات التى لم تنشئ مستشفيات جامعية وانتهاء مهلة الـ3 سنوات التى حصلوا عليها لإنشاء هذه المستشفيات، ووقف قبول طلاب جدد بهذه الكليات فى العام الدراسى المقبل.
كما طالبت النقابة بضرورة ربط أعداد المقبولين بكليات الطب بالقدرة الفعلية للمستشفيات الجامعية ومؤسسات التدريب على استيعابهم وتأهيلهم.
وحملت النقابة وزارة التعليم العالى بحكومة الانقلاب وجميع الجهات المعنية مسئولية الاستمرار فى سياسات التوسع الكمى غير المنضبط دون توفير الإمكانات التدريبية اللازمة وعدم تطبيق القانون على الكليات التى لم تلتزم بمهلة السنوات الثلاث .
مستشفى جامعى
وقال الدكتور أحمد الشربينى، عضو مجلس نقابة الأطباء، إن كليات الطب والقطاع الصحى عامة يعد قطاعاً عملياً وليس نظرياً، والتجارب أثبتت ضرورة إنشاء وتشغيل مستشفى جامعى أولاً ثم إلحاق كلية به وليس العكس.
وأضاف الشربينى فى تصريحات صحفية أن المستشفى الجامعى يعتبر مستشفى الإحالة فى أى محافظة، أى أنه إذا كانت هناك حالات صعبة فى مستشفى مركزى أو عام يتم تحويل هذه الحالات إلى المستشفى الجامعى وبالتالى لا بد أن يعمل 24 ساعة بكامل طاقته، وعندما يصبح المستشفى الجامعى قادراً على ذلك، وقتها نقوم بافتتاح كلية طب.
وأوضح أن أهم ما فى المنظومة التعليمية الطبية هو إخراج طبيب كفء، فكيف يتخرج هذا الطبيب وهو لم يمارس المهنة بشكل عملى فى مستشفى جامعى وكل دراسته كانت نظرية، محذرا من أن هذا الوضع يؤدى إلى حدوث قصور فى إعداد الأطباء، لأن التعليم الطبى الإكلينيكى السريرى جزء لا يتجزأ من تعليم الطالب.
حل مؤقت
واعتبر الشربينى أن ما يحدث حالياً من إنشاء كليات للطب ثم تقوم الجامعة بتوقيع بروتوكول تعاون مع أحد المستشفيات الحكومية العامة، الذى يعمل منذ سنوات، لتدريب الطلبة فيه، يعد حلاً مؤقتاً وليس نهائياً، لأنه مهما كان حجم المستشفى العام فإنه لن يستوعب عدد الطلاب ولن يتم منحهم الوقت الكافى للتعليم والتدريب لأن المستشفى العام غير مخصص لهذا الأمر من البداية .
وأكد أن عدم وجود مستشفى جامعى سيؤدى إلى تخريج طبيب غير كفء وغير قادر على التعامل مع المرضى، لأن هناك خبرات عديدة يكتسبها خلال فترة وجوده فى المستشفى الجامعى، ويفهم الأجواء والمناخ والظروف اليومية فى المستشفيات وطرق تعامل الأطباء الكبار مع المرضى والفرق الطبية وهكذا.
وفيما يتعلق بتعامل النقابة مع قيد هؤلاء الطلاب، قال الشربينى إنه فى حالة تخرج دفعة فى إحدى الكليات ولم يكن لديها مستشفى جامعى وكان هناك بروتوكول تعاون بينها وبين أحد المستشفيات العامة لتدريب الطلبة، أو فتحت المستشفى الجامعى الخاص بها فى آخر سنة قبل التخرج، فإنه يتم قبول قيد الطلبة، لكن المسألة حتى الآن ضبابية فى مسألة عدم وجود مستشفى جامعى أو بروتوكول تعاون، خاصة أن هناك قراراً من الجمعية العمومية للنقابة بعدم قبول الطلبة من هذه الكليات، لكن فى نفس الوقت إنشاء الكلية صادر بقرار جمهورى أو وزارى، وهنا المشكلة.
انفتاح غريب
فى المقابل اعترف نبيل العطار، عضو لجنة الصحة بمجلس نواب السيسي بأن غياب المستشفيات الجامعيات بكليات الطب مشكلة مؤثرة على الفريق الطبى ومستوى الخدمة الطبية .
وكشف العطار فى تصريحات صحفية أنه خلال السنوات الأخيرة شهدنا انفتاحاً غريباً من وزارة التعليم العالى بحكومة الانقلاب للموافقة على إنشاء 75 جامعة خاصة وأهلية، رغم أنه من المفترض أن تكون الجامعات الخاصة والأهلية حسب احتياجات المجتمع وليس بهذا الانفتاح الغريب.
وقال : فى الوقت الذى نعانى فيه من زيادة أعداد الأطباء فى تخصصات معينة مثل الأسنان والعلاج الطبيعى والصيادلة ، نجد افتتاح كليات جديدة فى هذه التخصصات ، محملا حكومة الانقلاب مسئولية تراجع مستوى الخدمة الطبية ، وسمعة الطب فى مصر.
وتساءل العطار: لماذا تم الاستعجال والموافقة على افتتاح كليات طب فى جامعات خاصة أو أهلية دون إنشاء واكتمال البنية الأساسية للمستشفى الجامعى فى هذه الكليات، ولمصلحة من تخريج طبيب غير مؤهل وغير مدرب والإضرار بسمعة الطب فى مصر؟
وحذر من أن استمرار هذه المشكلة سيؤدى إلى خفض مستوى الخدمة الطبية وتراجع ثقة الدول العربية فى الطبيب المصرى وتقليل فرص عمل الأطباء المصريين فى الخارج.