شهور على نهاية برنامج صندوق النقد.. مراقبون: التمديد وارد والبلاد إلى الأسوأ اقتصاديا

- ‎فيتقارير

مع اقتراب مصر من نهاية برنامجها الحالي مع صندوق النقد الدولي، في ديسمبر 2026، تتزايد النقاشات حول مستقبل الاقتصاد المصري بعد انتهاء البرنامج، وما إذا كانت البلاد قادرة على مواصلة الإصلاحات الاقتصادية دون اللجوء إلى برنامج تمويلي جديد.

 

وكان رئيس حكومة السيسي  قد أعلن أن مصر لا تحتاج في الوقت الحالي إلى برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي تشير فيه المراجعات الأخيرة إلى تحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، بالتوازي مع استمرار تحديات الدين العام، وفوائد الديون، والاستثمار، والإنتاج، ومستوى معيشة المواطنين.

ولم يكن مدبولي يقول في كل مرة حرفيًا "لن نمدد"، بل استخدم في مناسبات مختلفة عبارات مثل "لا نحتاج إلى برنامج جديد" أو "لا نعتزم طلب قرض جديد".
وإذا اعتبرنا هذه التصريحات بمعناها السياسي، فقد تكررت أكثر من مرة، ثم واصلت الحكومة بالفعل البرنامج القائم بمراجعات وتمويلات إضافية.

وفي ديسمبر 2025 قال مدبولي: "إن برنامج صندوق النقد أمامه عام وينتهي، وتحدث عن المراجعتين السابعة والثامنة، أي أن البرنامج كان مستمرًا ولم يكن قد انتهى أصلًا".

وأعلن مدبولي في 4 يونيو 2026 أن البرنامج الحالي ينتهي في ديسمبر 2026، وقال إن الحكومة "لا ترى في الوقت الراهن حاجة للدخول في برنامج جديد" بعد انتهاء البرنامج.

وظهرت تقارير في 11 يونيو 2026 عن تكهنات بإمكانية برنامج جديد أصغر، لكن مصادر حكومية نفت وجود محادثات بهذا الشأن، مؤكدة موقف الحكومة بعدم الحاجة إلى برنامج جديد.

وبعد موافقة الصندوق في 31 يوليو 2026 على المراجعة السابعة، أشاد مدبولي بالقرار وباستمرار التعاون، بينما ظل موقف الحكومة المعلن أن البرنامج الحالي هو الذي ينتهي في ديسمبر.

وخلال السنوات الأربع الأخيرة، مع "التحسن" في بعض المؤشرات الكلية لم ينعكس بالقدر نفسه على مستوى معيشة المواطنين، نتيجة الارتفاع الكبير الذي شهدته الأسعار خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليه من تراجع القوة الشرائية للجنيه.

 

الدين والفوائد.. التحدي الأكبر

 

وتظل خدمة الدين واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه المالية العامة حيث تشير بيانات دولية إلى أن مدفوعات فوائد الدين الحكومي وصلت إلى مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بإيرادات الدولة، وهو ما يترك مساحة محدودة أمام الإنفاق على التعليم والصحة والاستثمار والخدمات العامة.

ويرى مراقبين أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الدين، وإنما في تكلفة تمويله، واحتياجات إعادة تمويل الديون المستمرة.

وقال الكاتب عمرو  رجب في مقال نشره "مدى  مصر:" إن الاقتصاد عبر العاصفة لكنه لم يصل إلى بر الأمان، وفي تحليله لنتائج السنوات الأربع من برنامج صندوق النقد أن الاقتصاد المصري نجح في تحقيق بعض الأهداف المهمة، وعلى رأسها كبح نمو الدين العام وإبعاده عن مستويات أكثر خطورة".

 

والتحليل يشير في المقابل إلى إخفاقات ومشكلات لا تزال قائمة، خصوصًا اتساع الفجوة التجارية، واستنزاف فوائد الدين لموارد الدولة، ويشير إلى أن التضخم جاء أعلى بكثير من توقعات البرنامج، بينما لم ينخفض العجز المالي بالمستوى المستهدف، الأمر الذي يجعل انتهاء البرنامج لا يعني انتهاء المشكلات الاقتصادية.

وتحتاج مصر إلى أجندة وطنية طويلة الأجل تضع التنمية وبناء الإنسان في مقدمة الأولويات، بدلًا من التركيز على معالجة فجوات التمويل بصورة قصيرة الأجل.

 

هيئة البترول وتقرير الصندوق

 

ويركز الباحث الاقتصادي اسحاق @isaac30208171 على ما ورد في تقرير صندوق النقد بشأن الهيئة المصرية العامة للبترول، منتقدًا ما وصفه بعدم دقة بعض التغطيات الإعلامية للموضوع.

 

ويشير إلى أن التقرير ذكر أن هيئة البترول لجأت إلى الاقتراض لسداد مستحقات الشركات الأجنبية، وأن الهيئة هي الجهة التي استفادت من هذه القروض في هذا السياق.

 

كما يشير إلى أن تقرير صندوق النقد اعتبر هيئة البترول مصدرًا مهمًا للمخاطر المالية بسبب وضعها المالي وحجم ديونها.

 

ويلفت إلى أن الصندوق طلب إعداد دراسة حول قدرة الهيئة على الوفاء بالتزاماتها المالية والاعتماد على مواردها الخاصة، وهو ما وصفه بمفهوم:

Viability Study (أي دراسة مدى قدرة الهيئة على الاستمرار والوفاء بالتزاماتها المالية بصورة مستقلة.)

 

ويشير كذلك إلى أن الصندوق يستهدف خلال السنة المالية 2026/2027 أن تحقق الهيئة فائضًا وتحسنًا في تحصيل مستحقاتها من الجهات الحكومية.

 

ويؤكد أن تقرير الصندوق ذكر هيئة البترول مرات عديدة، معتبرًا ذلك مؤشرًا على الأهمية التي يوليها الصندوق لوضعها المالي.

واعتبر زياد بهاء الدين، نائب رئيس حكومة السيسي السابق، أن انتهاء برنامج مصر مع صندوق النقد الدولي يمثل بداية الاختبار الحقيقي للاقتصاد المصري.

 

وبحسب هذا الطرح، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برنامج اقتصادي وطني يحافظ على المكتسبات التي تحققت خلال فترة الإصلاح، مع التركيز على زيادة الاستثمار وتحسين دخول المواطنين.

 

وتطرح هذه الرؤية سؤالًا أساسيًا حول قدرة الاقتصاد على تحقيق النمو من خلال الاستثمار والإنتاج، وليس فقط من خلال الحصول على التمويل الخارجي أو معالجة الفجوات التمويلية.

التشاؤم من الصندوق

 

وعلى الجانب الآخر، يقدم الأمير المصري @Egyprince7 قراءة مفادها أن انتهاء العلاقة مع صندوق النقد سيكون اختبارًا لقدرة الاقتصاد المصري على الاعتماد على نفسه.

 

ويستخدم تشبيهًا حادًا لوصف المرحلة المقبلة، معتبرًا أن انتهاء البرنامج سيضع الحكومة أمام اختبار قدرتها على توفير الموارد دون الاعتماد على الدعم والتمويل الخارجي.

 

وتعكس هذه الرؤية موقفًا يرى أن استمرار البرامج مع صندوق النقد خلال السنوات الماضية لم يؤدِ إلى معالجة المشكلات الاقتصادية بصورة نهائية.

عقد من الإصلاحات دون أثر

ورغم  المعلن أن الاقتصاد شهد تحولات كبيرة، في توحيد سوق الصرف، وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، وعودة النمو إلى الارتفاع بعد فترة من التباطؤ، وتراجع معدل التضخم عن المستويات القياسية التي وصل إليها خلال ذروة الأزمة، فيما سجل الاقتصاد نموًا بلغ نحو 4.4% في السنة المالية 2024/2025.

ويقدم د.محمد الشريف @MhdElsherif قراءة أوسع تمتد إلى العقد الأخير، ويرى أن مصر عاشت نحو 10 سنوات من برامج الإصلاح الاقتصادي، دون أن تتمكن حتى الآن من استعادة معدلات النمو المرتفعة والمستدامة التي حققتها في سنوات ما قبل 2011.

 

ويشير إلى أن معدلات النمو في سنوات 2007 و2008 وصلت إلى مستويات تراوحت بين 5% و7%، بينما بلغ متوسط النمو خلال العقد الأخير، وفق تقديره، نحو 4.3%.

 

ويعتبر أن الفارق لا يتعلق فقط بنسبة النمو، وإنما بطبيعة النمو ومصادره.

 

ففي سنوات ما قبل 2011، كان النمو يعتمد بدرجة أكبر على الاستثمار الأجنبي والسياحة ونشاط القطاع الخاص، بينما يرى "الشريف" أن النمو خلال العقد الأخير اعتمد بدرجة أكبر على الإنفاق الحكومي والمشروعات القومية والبنية التحتية، بالتزامن مع زيادة الاقتراض.

 

ويربط بين تحرير سعر الصرف وبرامج الإصلاح وبين انخفاض القوة الشرائية للجنيه وارتفاع الأسعار، مشيرًا إلى أن ضعف نمو الأجور الحقيقية أدى إلى تراجع القوة الشرائية وضغط على الطبقة المتوسطة.

ويرى أن ارتفاع الديون المحلية والخارجية أدى إلى زيادة أعباء خدمة الدين وضغط على الموارد المخصصة للتعليم والصحة والأجور.

 

الحكومة تراهن على القطاع الخاص

 

في المقابل، تتحدث حكومة السيسي  عن تغيير في الاستراتيجية الاقتصادية من خلال تقليل الاستثمارات الحكومية، والعمل على خفض الدين، وزيادة مساحة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.

 

وتستهدف الحكومة أن ترتفع مساهمة القطاع الخاص في الاستثمارات إلى نحو 47.5%، باعتباره المحرك الرئيسي للنمو وتوفير فرص العمل.

 

لكن محمد الشريف يشير إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على قدرة الحكومة على استعادة الثقة وتوفير مناخ اقتصادي يسمح للقطاع الخاص بالاستثمار والتوسع.

 

ماذا بعد ديسمبر 2026؟

 

مع اقتراب نهاية البرنامج، يبرز سيناريوهان رئيسيان في النقاش الاقتصادي.

 

الأول هو انتهاء البرنامج في موعده وعدم الدخول في برنامج تمويلي جديد، وهو الاتجاه الذي تعلنه الحكومة حاليًا.

 

أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار التعاون مع صندوق النقد أو اللجوء إلى ترتيب تمويلي جديد إذا ظهرت ضغوط كبيرة على العملة أو الاحتياطيات أو احتياجات التمويل الخارجي.

 

ولا يعني انتهاء البرنامج بالضرورة انتهاء علاقة مصر بصندوق النقد؛ فالصندوق يستطيع الاستمرار في المتابعة والمشورة الاقتصادية حتى في غياب برنامج تمويلي.

 

الدعم النقدي والأسعار

 

وفي الداخل، تستعد الحكومة لتطبيق منظومة جديدة للدعم تعتمد بصورة أكبر على الدعم النقدي بدلًا من الدعم السلعي.

 

وبحسب المعلومات المتداولة، من المتوقع أن يبدأ التطبيق في يناير المقبل، مع طرح قيمة تقديرية تبلغ نحو 325 جنيهًا للفرد شهريًا، منها 225 جنيهًا مخصصة للخبز و100 جنيه للسلع، مع بقاء القيمة النهائية قيد الحسم.

 

وتأتي هذه الخطوة في ظل استمرار النقاش حول كيفية حماية محدودي الدخل من آثار التضخم وارتفاع الأسعار، بالتزامن مع سعي الحكومة إلى إعادة هيكلة منظومة الدعم.

 

ملف الأرز

 

وفي ملف آخر يتعلق بالسلع والأسعار، أشارت تقارير إلى استمرار تحكم جهاز «مستقبل مصر» في ملف تصدير الأرز، رغم قرار حظر التصدير.

 

وبحسب ما نقلته «المنصة»، قرر الجهاز تغيير الرسم الذي يحصل عليه من الشركات المصدرة، ليصبح 20% من قيمة الطن بدلًا من 150 دولارًا، مع اتجاه لرفع أسعار الأرز المصدر.

 

ويأتي ذلك ضمن نقاش أوسع حول دور الجهات الحكومية والأجهزة التابعة للدولة في إدارة الأسواق والسلع الأساسية في وقت لا تزال أعباء الدين وفوائده مرتفعة، كما تستمر تحديات القطاع العام وهيئة البترول والفجوة التجارية والاستثمار الخاص والقوة الشرائية للمواطنين.