عقب لقاء المحلل الصهيوني "جدعون ليفي" على قناة "القاهرة والناس"، تحولت المداخلة الهاتفية عبر برنامج المذيع "إيهاب قاسم" إلى أزمة سياسية وإعلامية حادة خلال ساعات معدودة. وجاءت التداعيات عقب تصريحاته المثيرة للجدل حول شبه جزيرة سيناء، ومزاعمه بأن الجمهور الصهيوني يتعامل معها كـ "مجرد شواطئ لا تتبع أحداً" دون إدراك لسيادتها المصرية، وسط صمت المذيع ودون أي اعتراض منه.
وفي الدقيقة الأخيرة، قال جدعون ليفي نصاً: "الإسرائيليون لا ينظرون إلى سيناء على أنها جزء من مصر، بل يعتبرونها مجرد شواطئ في مكان ما، وكأنها أرض لا تتبع أحدًا".
ومع أن إيهاب قاسم، في النهاية، مجرد منفذ للتعليمات (عبد المأمور)، واللقاء بأكمله يبدو أنه صُمِّم وأُدير داخل منظومة أمنية على أعلى مستوى، فطبقاً لطبيعة الأمور داخل جمهورية العساكر، فمن المؤكد أنه كان بعلم ودراية رئيس المخابرات المصرية حسن رشاد.
التحليل العقلاني
ويطرح المشهد السؤال الجوهري الذي يشغل المتابعين: هل يُعقل أن يظهر صحفي صهيوني على قناة مصرية ويشكك في ملكية سيناء دون إذن من الجهات السيادية أو اتفاق مسبق؟
وقال مراقبون إنه في الإعلام المدار أمنياً، يضعنا التحليل السياسي أمام سيناريوهين أساسيين لتفسير ما حدث خلف الكواليس الأول "الهندسة التي خرجت عن السيطرة" ويفترض هذا الطرح أن اللقاء صُمم وأُدير بعلم وموافقة المنظومة الأمنية، في إطار خطة إقليمية لتوجيه رسائل تؤثر في الانتخابات "الإسرائيلية" بهدف إسقاط نتنياهو، عبر استضافة صوت يساري مناهض لليمين.
وقال بعض المراقبين إن الحوار على مدار 32 دقيقة نجح في أداء مهمته وشيطنة حكومة نتنياهو، لكن الخلل الفادح وقع في الدقيقة الأخيرة بتصريح ليفي المفاجئ عن سيناء. وتضاعف الارتباك نتيجة تجمد المذيع وغياب الرد الصارم، مما حول "الهدف السياسي" إلى كارثة شعبية استدعت التضحية بالمذيع (كبش فداء) وسحب الحلقة لتقليل الأضرار الناجمة.
أما السيناريو الثاني فـ"اختبار البالون أو السهو الإعدادي" ويتلخص هذا السيناريو في احتمال تعامل فريق الإعداد مع ليفي باعتباره صحفياً إنسانياً ناقداً للاحتلال، أو تمرير المداخلة كـ "بالون اختبار" لقياس مدى تقبل الشارع المصري لسماع أصوات من الداخل الصهيوني. وهو الاختبار الذي فشل فوراً وسقط أمام الحساسية الشعبية والنقابية الصارمة تجاه ملف سيناء ورفض التطبيع الإعلامي.
القرارات المؤسسية والتفاعلات
وجاء الرد المؤسسي سريعاً لمواجهة حالة الارتباك وسحب الفقرة من المشهد لغلق الباب أمام التداعيات؛ حيث أصدر نقيب الإعلاميين "الرسمي" د. طارق سعدة قراراً بمنع المذيع إيهاب قاسم من الظهور على أي وسيلة إعلامية وإحالته للتحقيق لمخالفته ميثاق الشرف الإعلامي.
وأصدرت قناة القاهرة والناس (@alkaherawalnas) بياناً أعلنت فيه السحب الفوري للفقرة المسجلة من كافة منصاتها الرقمية لحين مراجعة آليات الإعداد، مؤكدة التزامها التام بالثوابت الوطنية.
وأوضح عضو مجلس النقابة محمود كامل في تصريحات صحفية أن المذيع ليس عضواً بالنقابة، مجدداً الرفض النقابي القاطع لكافة أشكال التطبيع الإعلامي.
تباين القراءات وردود الفعل
أعقبت الواقعة موجة عارمة من التفاعلات السياسية والشعبية التي انقسمت بين التحليل السياسي، والرفض القاطع، وقراءة الخلفيات الإعلامية، فذهب بعض المتابعين إلى أن اللقاء صُمم وأُدير بعلم المنظومة الأمنية والمخابراتية ضمن مخطط إقليمي يستهدف الانتخابات "الإسرائيلية"، مشيرين إلى ارتباك المذيع مع المداخلة. وفي السياق ذاته، قام الصحفي إيدي كوهين بنشر النسخة المحذوفة من اللقاء احتفاءً بالإرباك الإعلامي:
https://x.com/BlinxNow/status/2078959313620701665
واعتبر سراج وهج (@WahagSerag) أصحاب هذا الاتجاه الواقعة خرقاً خطيراً، وحذروا من التهاون في ملف سيناء والترتيبات الإقليمية.
وشكك في شرعية الاستضافة سلامة (@FattahFattahh)؛ حيث تساءل عن الجهة التي تمنح الحق في إعطاء منبر إعلامي مصري لشخصية إسرائيلية للتشكيك في ملكية الأرض والحدود.
وعن أهمية الطرح، رأى الباحث والكاتب د. مأمون فندي (@mamoun1234) أن الخلط بين ليفي واليمين "الإسرائيلي" خطأ فادح، مشيراً إلى أنه صحفي يساري بارز في صحيفة هآرتس ومعروف بدفاعه عن حقوق الفلسطينيين ونقده للاستيطان في المحافل الدولية:
https://x.com/mamoun1234/status/2078862505128960095
وشدد إبراهيم (@EvrahimTW2) على أن الرأي العام المصري يرفض منح أي منصة لأي إسرائيلي بغض النظر عن توجهاته اليسارية أو اليمينية، وأن هذه التفريقات شكليات فارغة لا قيمة لها.
ورَفَضَ بعض المتابعين اختراق العزلة الإعلامية؛ حيث كتبت شيرين هلال (@sherinhelal555) انتقاداً لمحاولات تلميع الصحفي الصهيوني، معتبرة أن المداخلة كسرٌ لمبدأ المقاطعة الإعلامية الشاملة التي فرضتها القنوات المصرية لسنوات:
https://x.com/sherinhelal555/status/2078855265580167512
وأشار الصحفي سلامة عبد الحميد (@salamah) إلى البعد الهيكلي للواقعة، لافتاً إلى أن القناة مملوكة لقطب الإعلانات طارق نور، الرئيس السابق للشركة المتحدة، مستعرضاً قرارات الإيقاف وسحب الفقرة:
https://x.com/salamah/status/2078877618485506272
ووثق مراقبون تحول المداخلة إلى أزمة مكتملة الأركان خلال 24 ساعة، مستعرضين التفاصيل الهيكلية لملكية القناة والتحولات التنظيمية في إدارة "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية".
وجدعون ليفي هو صحفي وكاتب رأي صهيوني بارز في صحيفة هآرتس منذ عام 1982، وعضو مجلس تحريرها. يُعرف بعموده الأسبوعي "Twilight Zone" الذي يوثق فيه انتهاكات الاحتلال في الضفة وغزة. ورغم نيله جوائز دولية مثل أولوف بالمه وسوكولوف، وتصنيفه كصوت يساري معارض داخل إسرائيل، إلا أن استضافته عبر الشاشات المصرية ظلت خطاً أحمر أدى لتفجير هذه الأزمة.
وتكتسب الواقعة بعداً إضافياً من هوية مالك القناة: رجل الإعلانات طارق نور، مؤسس «القاهرة والناس» عام 2011، وإحدى القنوات الخاصة القليلة الباقية خارج مظلة «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» (الشركة المملوكة لجهاز المخابرات العامة، التي تدير الغالبية العظمى من وسائل الإعلام المصرية، من قنوات وصحف وشركات إنتاج، وفق ما وثقته منظمات دولية بينها «لجنة حماية الصحفيين».
والمفارقة أن نور نفسه جمع بين الموقعين حتى وقت قريب جداً؛ فقد عُيّن رئيساً لمجلس إدارة «المتحدة» في 2024 وهو محتفظ بملكية قناته الخاصة، قبل أن يعتذر عن الاستمرار في المنصب في أبريل 2026 لأسباب صحية.
تناقضات الذراع مصطفى بكري
يكشف التناقض الصارخ بين التغريدة الأخيرة للنائب والإعلامي مصطفى بكري وبين ما وثقه التحقيق التفصيلي لمنصة «صحيح الإخوان» عن أزمة عميقة في بنيوية الخطاب الإعلامي المحسوب على السلطة؛ حيث تتغير المعايير السياسية والأخلاقية والمهنية وفقاً لهوية الأطراف المستهدفة بالهجوم أو الدستور التشريعي والمرجعية الأمنية للحظة الحالية.
وتُظهر تغريدة أخيرة لمصطفى بكري اندفاعاً حاداً واتهاماً صريحاً لـ قناة «القاهرة والناس» وإدارتها المتمثلة في طارق نور بـ «الخيانة وتواطؤ التطبيع» لاستضافة صحفي "إسرائيلي" عبر الشاشة شكك في السيادة المصرية على سيناء.
في المقابل، يُثبت التحقيق الشامل لـ «صحيح الإخوان» أن بكري نفسه يُمارس نفس أسلوب "الترويج للادعاءات دون توثيق"، ولكن بصورة أشد خطورة؛ إذ ظل لسنوات يُروج لزعم وجود «مخطط إخواني-إسرائيلي» لاقتطاع سيناء وتأسيس «إمارة إرهابية» أو توطين الفلسطينيين ضمن ما يُعرف بـ «الشرق الأوسط الجديد».
إدعاءات بكري
وفنّد التحقيق السردية المتداولة بعرض نصوص قانونية قاطعة صدرت وطُبقت خلال عهد الرئيس الشهيد د.محمد مرسي، وعلى رأسها اللائحة التنفيذية للمرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012 (القرار رقم 959 لسنة 2012 الصادر عن رئيس الوزراء هشام قنديل)؛ حيث نصت المادة 7 منها بوضوح على حظر تملك الأراضي والعقارات في سيناء لغير المصريين من أب وأم مصريين، وإلزام من يحمل جنسية أخرى بالتصرف في ممتلكاته خلال 6 أشهر وإلا تؤول ملكيتها للدولة.
وأوجبت المادة 20 من اللائحة ألا تقل نسبة مشاركة المصريين في أي شركة استثمارية بسيناء عن 55%، مع اشتراط كونها شركة مساهمة مصرية.
كما أظهر التحقيق أن القرار رقم 203 لسنة 2012 الذي أصدره وزير الدفاع (آنذاك) بحظر التملك في الشريط الحدودي والمناطق العسكرية بسيناء تم بالتنسيق الكامل مع مؤسسة الرئاسة، وشكل حجر الزاوية التشريعي لحماية سيادة البلاد، مما يُكذب ادعاءات السعي لتسهيل الاستيلاء على الأراضي.
تداول شائعات
ويسعى بكري في تغريدته إلى إظهار حرصه الشديد على "دماء الشهداء وتراب الوطن"، مستنكراً عدم رد المذيع على الضيف "الإسرائيلي". لكن التحقيق الميداني والتوثيقي لـ «صحيح الإخوان» يوضح أن بكري اعتاد إطلاق اتهامات تمس الكيان الوطني دون تقديم سند واحد.
ولم يرفق بكري في حلقاته عبر برنامجه «حقائق وأسرار» أو لقاءاته المتلفزة (مثل برنامج «المصري أفندي» أو «الشاهد») أي وثيقة رسمية، أو نص اتفاقية، أو قراراً معلناً يثبت وجود مسعى لإقامة "إمارة إرهابية"، بحسب ادعائه.
تحقيق «صحيح الإخوان» عند الاستشهاد المستمر برواية الرئيس الفلسطيني محمود عباس استشهد بشأن عرض "قطعة من سيناء لتوسيع غزة"، مبيناً أن هذه الشهادة شفهية ومتناقضة وتفتقر لأي اتفاق مكتوب، وقد نُفيت رسمياً وسياقياً من قِبل الحاضرين ومساعدي مرسي الذين أكدوا أن موقف مصر كان ثابتاً بـ "أن فلسطين للفلسطينيين وسيناء للمصريين".
وفي الوقت الذي يندفع فيه بكري لترويج اتهامات الخيانة والتواطؤ والتطبيع ضد قناة فضائية ومذيع لمجرد السماح لصحفي "إسرائيلي" عبر شاشة، مصرية نجد أنه يُمارس الأسلوب نفسه على نطاق أوسع عبر اتهام خصومه السياسيين بالتنازل الصريح عن أراضٍ مصريّة والسعي لتأسيس «إمارة إرهابية» في سيناء.
ويبني بكري موقفه الهجومي ضد القناة على مقطع فيديو لصحفي "إسرائيلي" أثارت تصريحاته الغضب، بينما يتجاهل المعايير التوثيقية بالكلية عندما يتهم الإخوان بالتفريط في سيناء؛ حيث يستند في ادعاءاته الثقيلة إلى الشائعات والمرويات الشفهية دون إرفاق نص وثيقة واحدة، أو قرار جمهوري، أو اتفاقية دولية تُثبت ادعاءاته.
ويطالب بكري بالمحاسبة الفورية والغليظة لوسائل الإعلام تحت مظلة حماية التراب الوطني، لكنه في الوقت ذاته يتغافل كلياً عن التشريعات والقرارات السيادية الصريحة التي صدرت لحماية سيناء وحظر تمليكها للأجانب خلال تلك الفترة، وعلى رأسها المرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2012 وقرار وزير الدفاع رقم 203 لسنة 2012.
وينحصر هدف بكري في التغريدة الأخيرة في المزايدة الوطنية واستغلال الواقعة للهجوم على مؤسسة إعلامية منافسة ورجال أعمال، بينما يتضح من تحليلات «صحيح الإخوان» أن هدفه الأكبر من إثارة ملف سيناء هو توظيف الأمن القومي كـ «فزاعة دعاية» لشيطنة الخصوم وتبرير الرواية الرسمية.
وألمح التحقيق التشخيصي للمنصة إلى أن تكرار هذه الادعاءات بنفس الصيغ والكلمات بين عدة إعلاميين ومسؤولين يندرج ضمن الحملات التوجيهية الممنهجة المدارة إعلامياً (تعليمات "السامسونج") لاستخدام ملف سيناء كـ «فزاعة سياسية» لربط خصوم النظام بالتهديدات الوجودية.
طبيعة الخطر في سيناء
وتناول جزء حيوي من تحقيق «صحيح الإخوان» معالجة التناقض الصارخ في طريقة تشخيص بكري للتهديد الأمني بسيناء؛ إذ يختزل بكري ملف الإرهاب في سيناء في اسم "جماعة الإخوان"، في حين أثبتت التقارير والدراسات الأكاديمية (مثل دراسات الباحث عمر عاشور وبحوث الأزمات الدولية) أن الجماعات التي صعدت في سيناء منذ 2011 (مثل «أنصار بيت المقدس» والتنظيمات الموالية لقاعدة الجهاد ولاحقاً «داعش») هي تنظيمات سلفية جهادية تُكفر الإخوان المسلمين وتعتبر مشاركتهم في الانتخابات "ردة وانحرافاً عن الشريعة".
وكشف التقرير نقلاً عن دراسات ومصادر بحثية (مثل مركز الجزيرة للدراسات) أن إدارة مرسي هي من أطلقت «عملية نسر» بالتنسيق الكامل مع الجيش لتطهير سيناء، وكانت أول من طالب دولياً ورسمياً بتعديل الملحق الأمني لاتفاقية «كامب ديفيد» لإدخال أسلحة ثقيلة وطائرات، وهو إجراء سيادي مناقض تماماً لفكرة "التفريط".
https://x.com/saheehalikhwan/status/2077461815668211830