أثارت الترتيبات التي أعدتها عصابة الانقلاب وعلى رأسهم المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي لاستقبال بعثة منتخب الساجدين في العلمين انتقاد الناشطين والمنصات الحقوقية والإعلامية المظهر الذي بدا عليه التكريم، معتبرين أنه يعكس "عقيدة الخوف" والانفصال التام عن الشعب التي يتبناها السيسي، وتحول المظهر العام للمنتخب من هوية "منتخب الساجدين" الشعبية التاريخية إلى منتج دعائي معزول داخل أسوار "جمهورية Egypt" الفاخرة بعيداً عن ملايين الفقراء في "جمهورية مصر" الذين بدا وكأن السيسي يأخذ منهم الحذر والوقاية، بعدما أثارت المشاهد والترتيبات الأمنية والبروتوكولية التي رافقت استقبال وتكريم بعثة المنتخب المصري لكرة القدم عقب عودتها من منافسات كأس العالم موجة عارمة من الاستياء والسخرية والتحليل السياسي والنفسي على منصات التواصل الاجتماعي.
تكريم أم طابور الذنب؟
علّق الإعلامي أحمد عطوان عبر حسابه الرسمي (@ahmedatwan66) ساخراً من الترتيبات الصارمة والمهينة التي فُرضت على اللاعبين أثناء مصافحة رأس النظام، صائغاً إياها في شكل توجيهات أمنية حادة تعكس الرغبة في إذلال الحاضرين:
تعليمات التكريم .. بص يا كابتن
إياك تعدي العلامة الصفراء دي آخرك مش إشارة مرور يابابا.
يحظر لمس السجادة الحمراء دي سجادة رئاسية مش نجيلة يا حبيبي.
عليك الانحناء أمام السيد الرئيس، وخصوصا إذا كنت طويلا، واوعى تنسى نفسك وتفرد طولك.
إياك أن تتكلم مع فخامة الرئيس، هم 10 ثواني تسلم عليه وعينك في الأرض وتنصرف فورا.
نسيت أهم حاجة، لابد تبتسم وتشكر معالي الرئيس على التكريم وتقول بصوت واضح :"شكرا ياريس".
يلا ادخل.. اللعيب اللي بعده، #كاس_العالم_".
https://x.com/ahmedatwan66/status/2075984063580549295
من جانبه، انتقد الحساب المسمى د. نور الدين(@DRofficial_NR21) هذه المشهدية واصفاً إياها بأنها تعبير عن عقدة نقص، دفعت النظام إلى التعامل مع نجوم الكرة كأنهم مجندون:
"لما تكون السجادة الحمراء ومقاساتها أهم من اللعبة والجمهور نفسه، العر* الأوزعة النا*قص المتعقد من قِصره موقف اللعيبة انتباه كأنهم في طابور ذنب و واقف على سجادة حمراء خايف يوسخ جزمته التفصيل أم كعب كباية علشان يطول في حلقة جديدة من مسلسل احتقار وإذلال الشعب المصري #منتخب_الفراعنة"
وتساءل السياسي والناشط د. مراد علي (@mouradaly) عن الرسائل الكامنة وراء هذه التفاصيل البروتوكولية الجافة، مستغرباً إجبار الرياضيين على الوقوف في وضع عسكري:
"التفاصيل الصغيرة هامة وفيها رسائل، لماذا وقف لاعبو منتخب مصر والمدربون انتباه كي يخطب فيهم (…)السيسي، ليسوا طلاباً في الأكاديمية العسكرية، ولا مجندين في الجيش! ألم يكن الأليق أن يجلسوا وأن يكون الحوار أكثر ودية؟ ثم ما قصة السجادة الحمراء الصغيرة التي تجنب غالب اللاعبين تعديها أثناء مصافحة (…) السيسي؟"
عقدة المسافة والعزل الإجباري
تناولت الناشطة والإعلامية شيرين عرفة (@shirinarafah) المشهد من زاوية التحليل النفسي والسلوكي لتصرفات عبد الفتاح السيسي، لافتة إلى أن المسافة الإجبارية والعلامات الأرضية تعكس حالة مرضية من التوجس والخوف من الاقتراب:
"هل لدى أحدكم تفسير علمي أو منطقي لتلك التصرفات؟ فهي ليست المرة الأولى التي يظهر فيها #السيسي بشكل يثير الجدل والتساؤلات..
فالصور والفيديوهات التي انتشرت له وهو يصافح لاعبي المنتخب المصري، أثناء تكريمهم عقب رجوعهم من كأس العالم، يظهر فيها وهو يقف على طرف سجادة حمراء ، ويتقدم إليه اللاعبون في تتابع، ليقفوا فوق علامة صفراء موضوعة لهم على الأرض، تبعد بمقدار متر كامل عن السيسي، لا يتجاوزونها أثناء السلام عليه حتى إنك قد تشاهد بعضهم يحني ظهره، أو يقف على أصابع قدمه، كي تبلغ يده يد السيسي فيسلم عليه وهذه المسافة، التي يحرص عليها السيسي دوما، بينه وبين من يقابلّنَه، تجدها تحديدا في لقاءاته مع المصريين.
ففي مؤتمراته الرسمية، مع أعضاء حكومته وأفراد نظامه، ترى مقاعد الحضور في القاعة بأكملها، منتظمة في صفوف، ويجلس الجميع متجاورين إلا السيسي، ترى كرسيه في المقدمة، منفردا وحده بين طاولتين بل والأغرب من هذا كله، هو وضعه أثناء الصلاة بين يدي الله، فصلاة الجماعة التي هي من شروطها: التراص ومساواة الصفوف وسد الفجوات، ترى السيسي يجلس فيها على سجادة مميزة، بلون مختلف، تاركا مسافة كبيرة بينه وبين من يقفون بجانبه على اليمين وعلى الشمال، ويضع على هذا الجانب علبة مناديل، وعلى الآخر زجاجة مياه، وسائل عجيبة وغريبة، كلها من أجل أن تضمن للسيسي أن يتمايز عن البقية، وألا يقترب منه أحد أو يتمكن من الوصول إليه
● فهل تعرفون توصيفاً علمياً أو تفسيرا طبياً لتلك الحالة ؟؟؟؟؟"
https://x.com/shirinarafah/status/2076102734789373994
وفي ذات السياق الساخر من سلوكيات السيسي وإدارته للدولة عبر تسخير طاقات الجيش للمشاريع الاستثمارية الشخصية وحماية سلطته، شبّه د. عز الدين محمود(@ezzmahmoud1) المشهد بالمسرحيات الهزلية:
"ما الفرق بين محمد سعد (الفنان في شخصية ساخرة من أعماله)في هذه الشخصية وبين شخصية المقطف السيسي الذي ظن انه بنى قاعدة كبيرة مسيرة مجهولة قد تدمر له القلعة الهشة من قائد جبان مختل عقليا وبين جيش مقاول ناهب ثروات مصر من اغنياء مصر ولا يدفعون ضرائب ومشغلين العساكر عمال بالسخرة، وفي مصانعهم مجانا وخدام في بيوتهم مجانا."
الهروب إلى الصحراء
ربط العديد من المراقبين بين مكان استقبال المنتخب في مدينة العلمين الجديدة وبين افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية (الأوكتاجون) في العاصمة الإدارية الجديدة، معتبرين أن لجوء السيسي ونظامه للصحاري البعيدة مدفوع بـ "هاجس الرعب" من الشعب المصري وتفادي أي تجمعات عفوية في العاصمة التاريخية القاهرة.
كتب الحقوقي هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) عبر حسابه مستنكراً تأسيس جغرافيا جديدة قائمة على الخوف من المواطنين:
"جمهوريةُ الخوف العربية، أُنشئت عاصمةٌ جديدةٌ في الصحراء، من أجل الخوف، واستُقبل المنتخبُ القومي في صحراء العلمين، من أجل الخوف وزُجَّ بعشرات الآلاف من خيرة شبابها في المعتقلات، من أجل الخوف، وزُيِّفت وزُورت الانتخاباتُ كافةً، من أجل الخوف، والمدهش أن الشعب خائف أيضًا!"
https://x.com/haythamabokhal1/status/2075553136253587516
وفصّل الإعلامي شريف منصور (@Mansour74Sh) دلالات الخطابات الأخيرة للسيسي التي أقر فيها ببناء العاصمة الإدارية لتأمين نظامه من أي ثورة شعبية جديدة، رابطاً ذلك بقرار إبعاد موكب المنتخب عن القاهرة:
"الجنرال عارياً، خلال الأسبوع الفائت كشف الجنرال نفسه بوضوح وجلاء بتصريحات لا لبس فيها ولاشك في حدثين لافتين.
أولاً-خلال حديثه وهو يرتدي بزته العسكرية باهظة الثمن والمرصعة بالنياشين الفارغة(لأنه حسب علمي لم يخض أي حرب في حياته مع أي عدو خارجي)،أثناء افتتاح مقر القيادة الإستراتيجية(الأوكتاجون) بعاصمته الإدارية ذات الأبراج والأسوار العالية، والبعيدة تماماً عن الشعب، قال الجنرال: إنه "بنى هذه العاصمة من قوت الشعب الغلبان عبر إغراق البلاد في الديون من أجل حماية النظام من أي غضبة محتملة للشعب ،وحتي لا يتكرر سيناريو ما حدث في عام 2011.يعني هو قام بإغراق البلاد في الديون من أجل حماية النظام، ولا علاقة لذلك لا بالتنمية ولا بالنهوض الاقتصادي لا سمح الله، وأقر الجنرال بعضمة لسانه أن الهدف هو إتاحة أكبر قدر من الحرية للمؤسسات أن تتخذ ما تراه مناسباً من إجراءات لقمع الشعب إن فكر في الغضب أو الثورة، بعيداً عن أي نوع من أنواع الضغوط كالتي حدثت في 2011.
ثانياً-أصرّ الجنرال على أن يتم استقبال منتخب مصر لكرة القدم الذي شرّف البلاد والعباد في كأس العالم في صحراء العلمين، تحت أشعة شمس يوليو الحارقة بعيداً عن القاهرة وشعبها، في إعلان واضح بانفصاله التام عن الشعب سواء في عاصمته الجديدة أو علمينه الجديدة أيضاً.
حدثان لافتان كشف بهما الجنرال نفسه بكل وضوح وبعضمة لسانه، صحيح أن الجنرال بات عارياً مكشوفاً أمام الناس، ولكنه لا يأبه بالشعب، ولا يأبه بكونه عارياً أمامه، ظناً منه أن الآلة الأمنية الباطشة التي بناها ويتحصن بها ستحميه وستُطيل بقاءه، ربما يكون هذا صحيحاً لفترة من الزمن، ولكن الشعوب لا تموت مهما طال سُباتُها."
https://x.com/Mansour74Sh/status/2076023219191177378
كذلك، حلل الكاتب عزالدين دويدار(@ezzeldendevidar) سيكولوجية الرعب التي تقود قرارات نظام السيسي العسكري، موضحاً كيف فوت النظام مشهداً مليونياً في شوارع القاهرة بسبب انعدام ثقته في الشارع:
"خوف نظام العسكر من المصريين دفعهم للتحصن خارج القاهرة وإنفاق مليارات على بناء حصن خارج القاهرة يحميهم من الشعب عندما يجد الجد، الخوف حتى من استقبال عفوي من المصريين لمنتهم في القاهرة. نظام عسكري مجرم عقيدته هي الخوف ، الخوف من التورط في حرب مع إسرائيل، أو حتى مع أثيوبيا، أو حتى مع ميليشيا الدعم السريع لحماية أمن مصر الإقليمي والقومي، الخوف من مباريات الكرة والألتراس في المدرجات، الخوف .. الخوف .. الخوف …. الخوف هو المحرك الرئيسي لقرارات نظام السيسي .. الهاجس الذي يرعبهم من أي فرصة لتجمع عفوي للمصريين في المدن حتى لو في حفل أو مباراة أو لاستقبال منتخب، كان يمكن أن يكون مشهد موكب المنتخب في شوارع القاهرة مشهد مليوني غير مسبوق يعزز صورة استقرار النظام وتمكنه من الشارع .. لكن الخوف منعهم من المغامرة … لا يثقون في أن يجتمع 5 مصريين حقيقيين في الشارع دون انتقاء وترتيب ورقابة أمنية، يجب أن يكون كل شيء مرتب ومتحكم به ، ومدفوع ، ومهندس بدقة، بدرجة لا تسمح بأي نسمة عفوية وصدق، إنه الخوف الذي يرافق المجرم ويسلبه النوم حتى وإن تظاهر بالقوة والثقة، هذا المجرم عادة ما يُطعن من أكثر نقاط ثقته، ويُغدر به من مأمنه."
هجوم حاد على حسام حسن ورفض "التطبيع" مع النظام
الاستقبال الرسمي شهد إلقاء الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب، خطاباً أشاد فيه بـإنجازات وقرارات السيسي، مما عرضه لهجوم لاذع من قطاعات واسعة من الجماهير والناشطين الذين اعتبروا موقفه تحولاً نحو "التعريض" والتطبيع مع سلطة يتهمونها بالإجرام والبطش، ومحاولة لإكساب النظام شرعية رياضية زائفة.
وعبّر الناشط طارق حبيب(@Tarekkhabib) عن صدمته وخيبة أمله من موقف حسام حسن، مقارناً بين موقفه القومي من القضية الفلسطينية وموقفه الداخلي من النظام المصري:
"اما شفت حسام حسن ماسك علم فلسطين بعد ماتش استراليا، نشرت صورته وقلت راجل واعترفت بده مع أني مختلف معه في موقفه من بلحة. النهاردة اما شفت خطابه قدام بلحة، قلت عليه عرص ومعرص، الغريب بقا ان في ناس دخلت تقولي "انت مش عشان بتكره السيسي، يبقى تستناه هو كمان يكرهه، فين بقا الخلاف السياسي والديموقراطية والخ الخ" في الحقيقة التعليق ده من اغبى ما يكون، ما أنت مش عشان بتكره إسرائيل يبقى تستناه هو كمان يكرهها، ولكن إسرائيل دي كيان مجرم مش بنعاديها كخلاف سياسي بسيط، لا بنعاديها بسبب إجرامها، وكذلك السيسي أنا مش بعاديه عشان راجل نحس وفقر وخارب البلد ولسه هيخربها أو عشان أنا مختلف معه سياسياً في إدارة البلد، أنا بعاديه عشان مجرم، عشان قتل آلاف المصريين وسرق أحلامهم وأعمارهم، عشان حبسني أنا وأخويا وأبويا ظلما، وعشان لسه في سجونه أكتر من ربع مليون مصري زيي وزيك، السيسي ما ينفعش اعمل له لايك على بوست .. ما ينفعش أحط إيدي في إيده، ما ينفعش أقف جنبه وأديله شرعية .. السيسي قاتل ومجرم وإيده متعاصة بدماء المصريين ودماء أهل غزة، التطبيع مع السيسي معناه انك أناني مش فارق معاك الصح من الغلط .. مستهين بدماء وأعمار اللي اتظلموا.. شايف أن ماتش كورة أهم من كل الناس دي، أنت ذات نفسك زعلت أما انظلمنا في ماتش كورة ساعة ونص، ما بالك سنين وأعمار بتعيش في الظلم ده! وهنا يجي التعليق التاني .. أنت عايزه يعني يعمل إيه؟ هو في مصر ومايقدرش يعمل غير كدا.. أنا لا عايزك ولا عايزه تبقى مناضل، أنا عارف أن النضال ومجابهة الظالم دي حاجة مش في مقدرة كل الناس .. بس ما تلقيش خطبة عصماء عن إزاي بلحة حكيم، وواخد البلد من تقدم لتقدم واللي يسمعك يحس أنك بتتكلم عن عمر بن الخطاب مش بلحة المعرص بتاعنا .. في فرق ما بين أنك مجبر وفي فرق بين أنك معرص! وفي الأخير، أنا لسه بقدر موقف حسام حسن الشجاع برفعه علم فلسطين وبشكره على ده، وبطلب منه زي ما رفض الظلم من الصهاينة لأهل غزة، يبص شوية على أهل مصر وهم بيتظلموا ليل نهار على إيد ابن اليهودية القزم الحقير بتاعنا، الظلم والوقوف مع الحق ما بيتجزأش."
انقسام الهوية: جمهورية مصر مقابل جمهورية (EGYPT)
لعل أبرز ما توقف عنده المغردون هو المشهد الرمزي للموكب الفاخر الحاشد بالسيارات الفارهة في منتجعات الساحل الشمالي، والسيارة المكشوفة التي تحمل اسم الدولة باللغة الإنجليزية حصراً، مما اعتبروه إعلاناً رسمياً عن قيام دولتين منفصلتين لا رابط بينهما؛ واحدة للأثرياء والنظام، والأخرى لعامة الشعب المطالب بالتقشف والتحمل.
ورصد الأكاديمي محمد الشريف (@MhdElsherif) هذا التباين الطبقي والثقافي الحاد قائلاً:
"السيارة المكشوفة التي أقلت الفريق الوطني المصري لكرة القدم العائد من مسابقات كأس العالم إلي العلمين الجديدة والتي سارت في جولة للفريق علي الطريق الرئيسي للساحل الشمالي تحيط بها مئات السيارات الفاخرة، هذه السيارة المكشوفة مكتوب عليها على جميع جوانبها بخط كبير كلمة Egypt، ولم تكتب كلمة مصر بالعربية.