تبدو نتائج انتخابات نادي القضاة الأخيرة في مصر أكبر من مجرد منافسة مهنية داخل مؤسسة قضائية. ففوز المستشار محمد رفعت جبر، ممثل تيار الاستقلال، وسقوط المستشار ربيع قاسم، المرشح المحسوب على الدولة، رغم الدعم المؤسسي والإعلامي، يعكسان تحولًا داخليًا يتجاوز حدود النادي إلى عمق العلاقة بين القضاء والسلطة التنفيذية.
وفي هذه اللحظة، التي وصفها مراقبون بأنها "زلزال داخل المؤسسة القضائية"، تأتي النتائج في سياق سياسي واجتماعي مضطرب، وتعيد إلى الأذهان انتفاضة القضاة عام 2005 بقيادة المستشار وجدي عبد الصمد، حين رفع القضاة راية استقلالهم في مواجهة السلطة.
وفي ظل تراكم الأزمات الداخلية والخارجية، يرى مؤيدو التغيير أن ما حدث في نادي القضاة قد يكون بداية مسار جديد يعيد للقضاء مكانته التاريخية، ويعيد للدولة توازنًا افتقدته لسنوات.
فوز تيار الاستقلال
وأظهرت النتائج الرسمية فوز قائمة الاستقلال بأغلبية المقاعد، في مواجهة قائمة مدعومة من أجهزة الدولة، وهو فوز لم يكن متوقعًا في ظل الضغوط التي مورست خلال السنوات الماضية، لكنه يعكس حالة غضب داخل السلك القضائي من سياسات السلطة التنفيذية، خصوصًا بعد قرارات أثارت جدلًا واسعًا، مثل نقل ملف تعيينات القضاة إلى الأكاديمية العسكرية، وفرض دورات عسكرية إلزامية على القضاة الجدد، وتعديل الدستور لمنح الرئيس سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وتشكيل "دوائر الإرهاب" التي أصدرت أحكامًا جماعية غير مسبوقة. وقد جعلت هذه الخلفية انتخابات نادي القضاة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة القضاة على التعبير عن موقف مستقل، بعيدًا عن ضغوط السلطة.
أزمة قيادة الدولة وانعكاسها على القضاء
وقدّم الحقوقي المعروف بهي الدين حسن (@BaheyHassan) قراءة موسعة للحدث، معتبرًا أن نتائج انتخابات نادي القضاة تأتي ضمن سلسلة انتخابات مهنية شهدت صعود تيارات مستقلة، مثل انتخابات الصحفيين والمهندسين والمحامين. لكنه يرى أن هذه النتائج لا يمكن قراءتها بمعزل عن أزمة القيادة في الدولة المصرية، التي وصفها بأنها "فراغ قيادي في قمة هرم الدولة"، بالتزامن مع "تفاقم إفلاس الأداء الاقتصادي والإنتاجي"، وارتفاع معدلات الفقر والمعاناة المجتمعية.
ويقول حسن إن مصر لم تعرف انتخابات عامة حرة منذ 74 عامًا، باستثناء بضعة أشهر بعد ثورة يناير، وإن المشكلة ليست في غياب المرشحين الأكفاء، بل في غياب "خريطة طريق للعبور بمصر من القرن التاسع عشر إلى القرن الثاني والعشرين". ويضيف أن مهمة أي قيادة جديدة ستكون "انتحارية بمعنى ما"، لأن مصر ضلت طريقها لنحو قرنين، من الخروج من الكهف المملوكي العثماني إلى السقوط تحت الاحتلال البريطاني، ثم حكم البكباشية في منتصف القرن العشرين.
ويرى أن النهج الذي اعتمد على "أهل الثقة لا أهل الخبرة" قاد مصر إلى هزائم تاريخية في الحرب والسياسة والاقتصاد، وأن المصريين يحتاجون إلى حوار خلاق حول أولوياتهم السياسية والاقتصادية والتعليمية، وكيفية تعويض تخلفهم عن العالم. ويعتبر أن نتائج انتخابات نادي القضاة قد تكون مؤشرًا على رغبة داخلية في التغيير، لكنها ليست كافية وحدها دون إصلاحات شاملة.
القضاة بين القمع والفرصة التاريخية
قدّم المحلل السياسي يحيى موسى (@YahiaMousa78294) قراءة أكثر حدة، معتبرًا أن النظام ارتكب "صنوفًا من الموبقات" بحق القضاة، من سجن شيوخ المهنة ونفيهم، إلى التضييق على من بقي منهم، وصولًا إلى "سحل المستشارين في الشوارع"، بحسب وصفه.
ويرى موسى أن تشكيل سبع دوائر للإرهاب تجاوز المنظومة القضائية، وأصدر أحكامًا شكلت "وصمة عار في جبين القضاء المصري"، مثل الحكم بإعدام 500 شخص في جلسة واحدة.
ويضيف موسى، المتحدث الإعلامي السابق بوزارة الصحة، أن تعديل الدستور ليمنح الرئيس سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية كان "سابقة تاريخية قضت على ما تبقى من استقلال القضاء"، وأن إلزام القضاة الجدد بالتجنيد في الأكاديمية العسكرية ودفع رسوم باهظة كان خطوة غير مسبوقة.
ويرى أن نقل ملف التعيينات والترقيات إلى لجنة مشتركة مع الأكاديمية العسكرية يعكس "حالة رهاب يعيشها النظام من فقدان السيطرة على المشهد".
لكنه يؤكد أن مؤسستي القضاء والأزهر الشريف هما الأقرب للخروج من حالة الأسر، لأن دراسة القانون والدين تصنع شخصيات يصعب أن تنقاد بالكامل للقمع.
ويعتبر أن نتائج انتخابات نادي القضاة فرصة تاريخية لكل قاضٍ حر لتصحيح أخطاء الماضي، وأن دعوات النادي إلى الانعقاد الطارئ تعيد إلى الأذهان انتفاضة عام 2005.
مناورة لا انتصار كامل
وعن حدث مرتبط وقع قبل أشهر، يعلّق الإعلامي محمد ناصر (@Mnasseraly) على تراجع السيسي عن قرار تسليم تعيينات القضاة للأكاديمية العسكرية، معتبرًا أن التراجع "ليس انتصارًا كاملًا، بل مناورة محسوبة"، وأن الباب تُرك مواربًا للعودة عبر البرلمان. ويرى أن السيسي "يتراجع حين يواجه جدارًا صلبًا، يناور حين يخشى الصدام، ويحسم فقط مع الضعفاء"، وأن المعركة لم تنتهِ بعد.
ونشر حساب حزب تكنوقراط مصر (@egytechnocrats) تحليلًا مفصلًا حول تراجع السيسي عن قراراته، معتبرًا أن الضغط القضائي أجبره على التراجع، وأن سبعة قرارات جديدة "أغلقت باب التدخل وأعادت ترسيم السلطة"، من بينها استئناف مقابلات دفعة 2024، وتسريع إنهاء دفعة 2023، والنظر في تظلمات دفعة 2022، وإزالة معوقات الدورات التدريبية، والسعي إلى إنشاء الأكاديمية الوطنية للقضاء، والتأكيد على حق مجلس القضاء الأعلى في التعيين والترقية.
ويرى مؤيدو التغيير أن ما حدث في نادي القضاة قد يكون بداية مسار جديد يعيد للقضاء استقلاله، ويعيد للدولة توازنًا افتقدته لسنوات. ويعتقدون أن المؤسسات القوية، مثل القضاء والأزهر، قادرة على استعادة دورها التاريخي في لحظة واحدة إذا توافرت الإرادة الداخلية. لكنهم يدركون أن الطريق طويل، وأن استقلال القضاء لن يتحقق إلا بإصلاحات دستورية وقانونية شاملة، وبإرادة سياسية حقيقية. وفي ظل الأزمات المتراكمة، يرى هؤلاء أن مصر أمام مفترق طرق: إما أن تستعيد مؤسساتها استقلالها، أو تستمر في مسار مركزي يهدد استقرار الدولة على المدى الطويل.