انتقل التركيز الاستراتيجي البحثي الصهيوني تدريجياً من مواجهة "المحور الشيعي" إلى التحذير المكثف مما أسموه "التهديد السني المقبل"، متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها الإقليميين كتركيا، وهو ما شهده العام 2026 من اهتمام علني بعودة الإخوان للحكم ضمن دراسات وأبحاث ومنصات إعلامية عبرية؛ متجهالين بمعاهدات السلام القائمة مع تل أبيب.
وتأتي هذه التحركات مدفوعة بمتغيرات سياسية دولية، أبرزها القرارات الصادرة عن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الجماعة، مما دفع الأوساط الأمنية والسياسية في تل أبيب إلى محاولة استثمار هذه اللحظة دولياً.
توقعات المواجهة العسكرية مع مصر وتركيا
في خطوة تعكس المزاج العام داخل المعسكر القومي المحافظ في الكيان، رصدت التقارير العبرية الصادرة في يونيو 2026 تصريحات حادة أطلقها أمياد كوهين، الرئيس التنفيذي لـ "مركز هيروت" البحثي الصهيوني، خلال مشاركته في قمة السياسة الدولية التي نظمتها وكالة الأنباء اليهودية (JNS) في القدس.
وتضمنت بنود الكلمة التي ألقاها كوهين عدة نقاط تتعلق بالحرب المقبلة مع مصر.
وزعم كوهين أن "إسرائيل" قد تخوض حرباً مباشرة مع مصر خلال 15 عاماً، مبرراً ذلك بتوقعه أن جماعة الإخوان المسلمين ستسيطر في نهاية المطاف على مقاليد الحكم في القاهرة، مما يحول مصر إلى تحدٍ استراتيجي وجودي.
واعتبر كوهين أنه بعد إضعاف إيران وحلفائها الإقليميين (الجهاد الشيعي)، يجب على "إسرائيل" والغرب تحويل بوصلة التركيز الأمني فوراً نحو الحركات السياسية السنية التي تمثل التهديد القادم.
وادعى الناشط الصهيوني أن الإخوان يمثلون "التهديد الأول لأمريكا"، زاعماً توغلهم في ولايات كفلوريدا وتكساس، ووصولهم قمة السلطة المحلية في نيويورك بعد فوز (زهران ممداني) برئاسة البلدية.
وأشار كوهين إلى أن تركيا "خصم مستقبلي ناشئ"، مدعياً أن نفوذها الإقليمي بقيادة رجب طيب أردوغان وتحركات وزير خارجيتها هاكان فيدان يمثل تحدياً استراتيجياً يستوجب استعداداً عسكرياً "إسرائيلياً"، مستغلاً ما وصفه بـ "ضعف أمريكا الحالي".
وخلال كلمته في قمة السياسة الدولية التي نظمتها وكالة الأنباء اليهودية (JNS) في القدس، أطلق أمياد كوهين، الرئيس التنفيذي لمركز "هيروت" وأحد أبرز وجوه المعسكر القومي، تحذيرات استراتيجية بالغة الخطورة حول مستقبل العلاقات مع دول الجوار السني.
"اجتثاث" عابر للقارات
وفي ديسمبر الماضي، رصد المحللون والمراقبون (ومنهم المحلل السياسي ياسر الزعاترة) مقالاً خطيراً في صحيفة "معاريف" العبرية كتبه المقدم (احتياط) عميت ياجور—وهو مسؤول استخباراتي كبير ونائب رئيس الساحة الفلسطينية السابق في قسم التخطيط بجيش الاحتلال.
وطالب ياجور في أحدث أطروحاته بضرورة استغلال القرار الأمريكي الأخير ضد الإخوان المسلمين لإطلاق حملة دولية شاملة، وجاءت ركائز مقالته كالآتي:
حيث دعا ياجور إلى صياغة سياسة دولية دائمة لا رجعة فيها تجاه الإخوان ووكلائهم في العالم، على غرار النموذج الذي تبناه العالم الغربي ضد "النازية" بعد الحرب العالمية الثانية، بحيث يصبح حظرهم وتجريمهم ثابتاً بغض النظر عن تغير الإدارات الأمريكية.
ودعا ياجور بضرورة استغلال التوجهات الأمريكية الصارمة ضد جماعة الإخوان المسلمين، واعتبر ياجور أن الإجراءات القانونية أو السياسية المؤقتة غير كافية لردع خطر الجماعة، مطالباً تل أبيب بقيادة حملة دبلوماسية وإعلامية دولية تهدف إلى محاصرة وتجريم الإخوان ووكلائهم في العالم بشكل دائم لا رجعة فيه.
واستند في طرحه إلى تشبيه الحركة بـ"النازية"، داعياً إلى تبني نموذج دولي صارم للاجتثاث والحظر يشابه ذلك الذي تم تطبيقه في أعقاب الحرب العالمية الثانية ويستمر حتى يومنا هذا، بهدف عزل التيار الإسلامي عالمياً وضمان عدم تأثره بتغير الإدارات في البيت الأبيض.
وطرح مراقبون تساؤلاً حول هذا الربط بالنازية، معتبرين أن التحريض الصهيوني يتجاوز فكرة الفصيل السياسي (الإخوان) ليستهدف روح الإسلام الرافضة للمشاريع الاستعمارية والطغيان ككل.
الرؤية الأمنية والجاسوس بولارد
ولا تقف تصريحات مركز "هيروت" معزولة عن بيئة التخطيط الأمني الرسمي الصهيوني؛ إذ تتقاطع تماماً مع التحذيرات التي أطلقها الجاسوس المدان جوناثان بولارد، والذي أشار بوضوح إلى أن تركيا ومصر هما "الهدفان التاليان" للكيان في المنطقة.
ويكشف الرصد التوثيقي لعام 2026 أن دوائر صنع القرار والمنصات الفكرية في تل أبيب تصيغ حالياً عقيدة أمنية جديدة تهدف إلى إدامة حالة الصراع في الشرق الأوسط. وتعتمد هذه العقيدة على صناعة "عدو سني" بديل، مستخدمةً فزاعة "الإخوان المسلمين" لضرب الاستقرار الداخلي للدول الكبرى في المنطقة (كمصر وتركيا)، ومحاولة حشد الرأي العام الغربي والأمريكي خلف هذه السردية عبر تشبيه الحركات الإسلامية بالنازية.
وتتقاطع القراءات الاستخباراتية السابقة تماماً مع الأطروحات الأمنية التي قدمها الجاسوس المدان جوناثان بولارد، والذي أدلى بتصريحات حذر فيها من مغبة إغفال التحولات الاستراتيجية في المنطقة.
وأكد بولارد أن تفكيك أو إضعاف النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط سيفضي حتماً إلى صعود قوى أخرى تسعى للهيمنة الإقليمية، مشيراً بالاسم إلى تركيا ومصر كـ"الهدفين التاليين" والتهديدين الرئيسيين لأمن الكيان في البيئة السياسية الجديدة.
وشدد بولارد في تحليله على أن معاهدة السلام الموقعة بين القاهرة وتل أبيب منذ عقود لا تنفي ضرورة التعامل مع الدولة المصرية كتحدٍ محتمل وجبهة مرشحة للمواجهة، بالتزامن مع صعود أنقرة كبديل استراتيجي لتعويض الفراغ الإيراني في المنطقة.
مفكرون غير شكل
وحظيت جماعة الإخوان المسلمين باهتمام واسع من قبل عشرات المفكرين، والباحثين، والمستشرقين الغربيين والعرب، وتنوعت قراءاتهم وتحليلاتهم لنشأة الجماعة، وفكرها، ومسيرتها السياسية بين النقد الأكاديمي، والتحليل الهيكلي، والمقارنة السياسية.
وريتشارد ميتشل (Richard Mitchell) يعتبر الأستاذ بجامعة ميشيغان الأمريكية صاحب الدراسة الأكاديمية الأهم والأكثر شهرة في الغرب عن الجماعة، وهي كتاب "مجتمع الإخوان المسلمين" (The Society of the Muslim Brothers) الصادر عام 1969، ركّز ميتشل في دراسته على البناء التنظيمي، والنشأة التاريخية في عهد حسن البنا، وحلّل الهيكل الإداري والاجتماعي للجماعة بأسلوب أكاديمي محايد.
وركز فرانسوا بورغات "بورجا" (François Burgat) عالم سياسي ومستشرق فرنسي بارز، في أبحاثه على الحركات الإسلامية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط. يرى بورغات في كتبه، مثل "الإسلام السياسي: صوت الجنوب"، أن الجماعة تمثل تعبيراً عن الهوية المحلية وسعياً للاستقلال الثقافي والسياسي في مواجهة التغريب، واعتبرها فاعلاً سياسياً رئيسياً لا يمكن تجاوزه في فهم المنطقة.
وتناول طارق البشري المفكر والمؤرخ والمستشار القانوني المصري الراحل جماعة الإخوان في كتابه الشهير "الحركة السياسية في مصر 1945 – 1952"، حيث أمضى سنوات في تحليل دور الجماعة كأكبر حركة شعبية في تلك الحقبة، ودرس علاقتها بالقوى الوطنية الأخرى (مثل حزب الوفد) والمؤسسة الملكية والاحتلال البريطاني، مقدماً رؤية تحليلية متوازنة لتموضعها الاجتماعي.
وأفرد د.محمد عمارة المفكر الإسلامي الراحل، مساحات واسعة لقراءة فكر قادة الجماعة، تميزت قراءته بالتمييز بين أطوار الجماعة المختلفة؛ حيث ركّز على الأبعاد الإصلاحية والاجتماعية في فكر حسن البنا والجيل الأول.
أما المفكر د.عبد الوهاب المسيري وهو عالم اجتماع بارز صاحب "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"، فتناول الحركات الإسلامية ومن بينها الإخوان من منظور علم الاجتماع السياسي، ورأى أن صعود هذه الحركات هو رد فعل طبيعي على "العلمانية الشاملة" وفشل مشاريع الحداثة الغربية المستوردة في تلبية التطلعات الروحية والمادية للشعوب العربية.