مع مرض أمير الكويت .. جرس إنذار شعبي في وجه مراسيم القمع وسحب الجنسية

- ‎فيعربي ودولي

اعتبر العديد من المراقبين والناشطين أن هذه الأزمة الصحية، التي يمر بها أمير الكويت، سواء كانت عارضة أو مؤشراً على انتكاسة طبية أعمق، يجب أن تشكل جرس إنذار حقيقي لمراجعة المسار السياسي والأمني الذي تسير فيه البلاد منذ توليه مقاليد الحكم في ديسمبر من عام 2023.

وأثار التضارب الواضح في الأنباء حول الحالة الصحية للأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح موجة واسعة من النقاش السياسي والتحليلي على منصات التواصل الاجتماعي.

ورصدت تحركات غير عادية في الفضاء الإعلامي الحكومي الكويتي، حيث انبرت المنصات والحسابات الرسمية والرديفة لنفي أي حديث عن تدهور صحة الأمير، وهو النفي الذي اعتبره بعض الأكاديميين والمحللين السياسيين دليلاً غير مباشر على وجود أزمة فعلية داخل أروقة صناعة القرار، انطلاقاً من القاعدة الإعلامية الشائعة في النظم الشمولية والسلطوية بأن النفي المكثف غالباً ما يحمل في طياته إثباتاً للواقعة المراد حجبها، وهو ما تجلى لاحقاً في قيام الأجهزة الرسمية بنشر مقاطع مرئية لاستقبالات أميرية بدت في توقيتها ومضمونها محاولة واضحة لطمأنة الرأي العام والالتفاف على الأخبار المتداولة بشأن العارض الصحي للأمير الذي شارف على منتصف العقد الثامن من عمره.

واعتبر الدكتور بن ناصر التعاطي الإعلامي الحكومي مع خبر الانتكاسة الطبية للأمير كاشفًا بحد ذاته:

    https://x.com/waleedsharaby/status/2068722793789759759

 

توجس من ماكينات التضليل

وتجاوزت ردود الأفعال الشعبية والنخبوية حدود الاطمئنان التقليدي على صحة رأس الدولة، لتتحول إلى مساحة واسعة لتصفية الحسابات السياسية وتقييم المرحلة الراهنة، حيث أبدى عدد من الناشطين والمعارضين مواقف حادة عكست حجم الفجوة المتزايدة بين السلطة والمجتمع في الكويت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، فبينما ذهب بعض المغردين إلى تفسير الكثافة غير المسبوقة في بث عبارات الدعاء والتأمين على سلامة الأمير باعتبارها تدابير تضليلية وتمهيداً لإعلان تطورات أكثر خطورة، تساءل ناشطون آخرون بمرارة عن رصيد الحاكم لدى شعبه حينما تتحول الأخبار المتعلقة باحتمالية غيابه عن المشهد السياسي إلى مادة للتداول والترقب الممزوج بالارتياح والسرور في الدواوين والمجالس الكويتية، وهو تحول خطير في المزاج العام لبلد كان يُعرف تاريخياً بوجود مساحة فريدة من التوافق والالتفاف حول مؤسسة الحكم وسلاسة انتقال السلطة فيه.

وقال هاني موريس بولس إن دلالة كثافة الحظر والتطبيل الإعلامي تشي بأمر ما:

    https://x.com/waleedsharaby/status/2068722793789759759

 

وعلق الناشط السعودي ناصر بن عوض القرني على تداول الشارع لأخبار الوفاة والذكر الطيب الذي يفترض للحاكم:

    https://x.com/waleedsharaby/status/2068722793789759759

كواليس الانقلاب الناعم وحل البرلمان

وترتبط هذه الردود الجماهيرية الغاضبة والساخرة بطبيعة الإجراءات الاستثنائية والسياسات الصارمة التي وسمت فترة حكم الشيخ مشعل الأحمد، التي يصفها قطاع واسع من المعارضة والناشطين المستقلين بأنها واحدة من أسوأ الفترات في تاريخ الكويت المعاصر وأكثرها تهديداً للهوية الدستورية والتوازن السياسي، فالكويت التي كانت تُمثل استثناءً ديمقراطياً مضيئاً في منطقة الخليج العربي بفضل نظامها البرلماني العريق القائم على دستور عام 1962، شهدت في مايو من عام 2024 تحولاً جذرياً تمثل في صدور مرسوم أميري بحل مجلس الأمة وتعليق العمل بسبع مواد دستورية جوهرية لمدة تصل إلى أربع سنوات، وهو الإجراء الذي اعتبره النقاد بمثابة انقلاب ناعم على الإرث البرلماني الكويتي، حيث فُتح الباب للحكم المطلق عبر المراسيم الأميرية المباشرة وتغييب الرقابة الشعبية والتشريعية تماماً، مما أدى إلى احتكار السلطة التنفيذية وإضعاف صوت الشعب وتأزيم التوترات مع النخب القبيلة والسياسية بدلاً من حل المشكلات الهيكلية والاقتصادية المستشرية في البلاد.

وتمنى عبد العزيز الفودري والشارع أن يكون هناك موقف من الظلم والاعتقالات:

    https://x.com/q8icbm/status/2068312226058916054

وعلق الكاتب الصحفي داوود البصيري على تراجع التجربة الديمقراطية وحكم المراسيم في الكويت:

    https://x.com/AlbasriDawoood/status/2068624007788745052

 

مقصلة الهوية الوطنية

ولم تقتصر المآخذ على تعطيل الحياة النيابية، بل امتدت لتشمل ملفاً شديد الحساسية والخطورة يتمثل في الحملة الموسعة وغير المسبوقة لسحب وإسقاط الجنسية الوطنية، وهي الحملة التي طالت عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات، بمن فيهم شخصيات بارزة ونساء حصلن عليها بالزواج، وتحويل مأساة إسقاط المواطنة إلى أداة للعقاب السياسي والهندسة الاجتماعية القسرية دون أي معايير شفافة أو محاكمات عادلة.

وبرزت تساؤلات مشروعة حول أسباب اتخاذ مثل هذه التدابير الراديكالية في الوقت الراهن ضد قامات فكرية ودينية كويتية مثل المفكر طارق السويدان البالغ من العمر اثنين وسبعين عاماً، الذي عاصر ستة من حكام الكويت دون أن تُمس مواطنته أو يوجه إليه اتهام بالخيانة، مما يوضح الطابع الانتقامي لهذه القرارات التي باتت تُنشر دورياً في قوائم أسبوعية تثير الرعب والاضطراب بين العائلات الكويتية، وتدفع بالبعض نحو حافة اليأس والعدمية القانونية والحرمان من أبسط الحقوق المعيشية والصحية والوظيفية.

    https://x.com/KW_Refugee_EU/status/2068732601771110655

 

"الإيكونوميست" وتقرير الكويت الأحكام العرفية

وفي السياق ذاته، كشفت التقارير الدولية الصادرة عن مؤسسات إعلامية وبحثية كبرى مثل مجلة الإيكونوميست عن أرقام مفزعة تشير إلى تجريد أكثر من سبعين ألف شخص مع عائلاتهم من الجنسية الكويتية منذ منتصف عام 2024، وهو ما يعادل قرابة ستة عشر بالمئة من الكتلة السكانية للمواطنين الكويتيين، وتأتي هذه الإجراءات الأمنية القاسية متزامنة مع فرض تدابير طوارئ غير معلنة تشبه الأحكام العرفية، وحظر البرامج الحوارية، وإغلاق الديوانيات التي تُمثل المنتديات التقليدية للحوار المجتمعي الكويتي، فضلاً عن فرض قيود مشددة على منصات التواصل ومجموعات المراسلة الرقمية، وإلغاء الانتخابات البلدية، وتطهير الأجهزة الأمنية بناءً على اعتبارات طائفية، مما خلق حالة عارمة من الشك والريبة المتبادلة داخل المجتمع، وجعل جنرالات ومسئولين متقاعدين يعربون عن مخاوفهم من تآكل الولاء الوطني والانتماء للدولة في وقت تواجه فيه المنطقة تهديدات استراتيجية وخارجية جسيمة تتطلب وحدة الصف الداخلي لا تمزيقه.

إن هذا المشهد القاتم يفسر بوضوح لماذا يرى قطاع واسع من الشعب الكويتي والناشطين الحقوقيين في الأنباء المتواترة عن العارض الصحي للأمير فرصة مواتية وجرس إنذار حتمي لإنقاذ البلاد من منزلق الحكم الفردي المطلق والقبضة الأمنية الصارمة التي استبدلت دولة المؤسسات والقانون بدولة المراسيم والترهيب، فالتحديات الكبرى التي تواجهها الكويت، سواء على الصعيد الاقتصادي المتصل بضرورة تنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط ومكافحة الفساد المستشري، أو على الصعيد الأمني المتأثر بالصراعات الإقليمية، لا يمكن حلها عبر كبت الحريات وإلغاء أدوار المؤسسات الرقابية والتشريعية، بل تتطلب عودة عاجلة للحياة البرلمانية، وفتح حوار وطني شامل وشفاف يعيد الاعتبار للمواطن الكويتي ويحمي هويته واستقراره المجتمعي بعيداً عن سياسات الإقصاء والتجريد من الحقوق الإنسانية الأساسية.