شهدت القاهرة توقيع اتفاقية (بدا أنها بالأمر المباشر دون مناقصات أو كراسة شروط) تجمع بين شركة "ميدار" للاستثمار والتنمية العمرانية المصرية ومجموعة "ماجد الفطيم" الإماراتية، لتطوير مشروع عمراني متكامل داخل مدينة "مدى" بمنطقة القاهرة الجديدة. تبلغ القيمة التطويرية الإجمالية للمشروع نحو 3.1 مليار دولار، ويمتد على مساحة شاسعة تصل إلى 553 فدانًا.
وتتوزع خطة العمل الإنشائية على مرحلتين؛ الأولى تشمل تطوير 200 فدان خلال أول 4 إلى 5 سنوات، بينما تمتد المرحلة الثانية لتشمل 300 فدان إضافية، إلى جانب تخصيص 60 فدانًا لإنشاء وجهة متكاملة للتسوق والترفيه تديرها المجموعة الإماراتية. ومن المتوقع أن تستغرق أعمال التطوير بالكامل نحو 8 سنوات، محققةً عوائد مستقبلية ضخمة للمطور العام "ميدار" تتراوح بين 200 إلى 250 مليار جنيه مصري (ما يعادل 4 إلى 5 مليارات دولار) على مدار 15 إلى 20 عامًا.
ويثير تركيز الشراكة على إنشاء مناطق ترفيهية وتجارية ضخمة تساؤلات حول ما إذا كان المشروع مجرد واجهة لتعزيز الاقتصاد الاستهلاكي على حساب القطاعات الإنتاجية. وتواجه حكومة السيسي انتقادات مستمرة لتركيزها المفرط على قطاع العقارات والتشييد كقاطرة أساسية للنمو، وسط مطالبات بضخ الاستثمارات في الصناعة والزراعة لتقليل الفاتورة الاستيرادية.
ودافع مصطفى مدبولي رئيس حكومة السيسي عن المشروع صراحةً لتبرير هذا التوجه، موضحًا أن الاستثمار العقاري هنا ليس استهلاكيًا بحتًا؛ بل هو محرك لـ 90 إلى 95 صناعة مغذية مختلفة (مثل مواد البناء، التشطيبات، الكابلات الكهربائية، والمقاولات) وجميعها مهن مؤقتة.
ويتكامل الشق السكني والترفيهي للمشروع مع خطط تشغيل مصانع محلية لخدمة احتياجاته، حيث أشار مدبولي إلى دخول مصانع الأغذية والملابس والمنتجات المنزلية في دورة التشغيل الفعلي لتلبية متطلبات الوجهة التجارية والترفيهية!
فاكهة شركات الجيش
تعتبر العاصمة الإدارية الجديدة "الدرة الثمينة" والفاكهة الاستثمارية المفضلة لشركات القوات المسلحة والمطورين الحكوميين الأساسيين، إلا أن هذا المشروع اتخذ من القاهرة الجديدة (مدينة مدى) مقرًا له وتجاهل العاصمة التي أنفق عليها حتى الآن نحو42 مليار دولار لمرحلة أولى لم تكتمل.
وتعج العاصمة الإدارية الجديدة بمشروعات ناطحات السحاب والمجمعات السكنية الحكومية الكبرى، مما خلق درجة عالية من التنافسية. الابتعاد قليلاً نحو القاهرة الجديدة يمنح مشروع "مدى" ميزة جغرافية مستقلة وقدرة على استقطاب شريحة أوسع من المشترين الراغبين في القرب من قلب القاهرة الحالية.
ويقع المشروع تحت مظلة شركة "ميدار" (المستثمر والمطور العام لمنطقة شرق القاهرة)، وهي تمتلك محفظة أراضٍ شاسعة ومستقلة إداريًا عن شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية. هذا الفصل يكشف العاصمة ويتيح للمستثمر الإماراتي المرونة التعاقدية والإدارية وهي في المشروعات الرابحة وليس فاكهة العسكر والمباني الادارية ومعتبرا أن شروط التعاقد السليمة من طرح المشروع للعلن وأخذ شراكات عليه (مناقصات) بيروقراطية صارمة!
وتتمتع القاهرة الجديدة ببنية تحتية مكتملة وجاهزية سكانية فورية مقارنة بالعاصمة الإدارية التي ما زالت في مراحل الانتقال التدريجي. مجموعة "ماجد الفطيم" تعتمد على الكثافة السكانية الحالية لضمان التدفقات النقدية السريعة لوجهاتها التجارية والترفيهية (مثل كارفور ومراكز التسوق)، وهو ما توفره منطقة القاهرة الجديدة بكفاءة أعلى في الوقت الراهن.
ويستهدف المشروع تخصيص 60 فدانًا من المشروع للوجهات الترفيهية والتسوق (ربما استباق لدعوة تركي الشيخ وزير الترفيه السعودي، لبناء مدينة سعودية ترفيهية هي الأكبر في حدود المكان نفسه أو داخل القاهرة الكبرى) إعادة تكرار نماذج النجاح السابقة للمجموعة في مصر (مثل مول مصر وسيتي سنتر). وتثق المجموعة في أن الاستثمار في قطاعات التجزئة والجملة المرتبطة بالتطوير العقاري المتكامل يضمن لها تدفقات نقدية مستدامة وعوائد إجمالية للمشروع تتجاوز 3 مليارات دولار، مما يُعزز نفوذها الاقتصادي كأحد أكبر اللاعبين في قطاع التجزئة والعمران الذكي شرقي العاصمة.
والشراكة بين "ميدار" (المطور العام لشرق القاهرة) ومجموعة "ماجد الفطيم" الإماراتية بتحالفات سابقة في القطاع نفسه، وبغطاء مالي ضخم يواكب استراتيجية الطرفين في تعظيم الأصول العقارية والتجارية ذات العوائد المستدامة.
وتعتمد البنية الاستثمارية لهذا التحالف على تكامل فريد؛ حيث تمتلك "ميدار" (المستقبل للتنمية العمرانية سابقاً) البنية التحتية ومحفظة الأراضي الأكبر والأكثر تميزاً في امتداد القاهرة الجديدة، بينما تمتلك مجموعة "ماجد الفطيم" الريادة الإقليمية في تطوير وإدارة الوجهات التجارية الكبرى (Megamalls) ومجتمعات التجزئة. وقامت "ماجد الفطيم" باقتناص وتطوير مساحات تجارية كبرى ومراكز "سيتي سنتر" ومنافذ "كارفور" للبيع بالجملة والتجزئة داخل المخططات العامة التي تملكها وتديرها شركة "ميدار" (مثل مدينة المستقبل).
والمشروعات السابقة ركزت على دمج السكن بالترفيه؛ حيث تشتري المجموعة الإماراتية الأراضي كمطور ثنائي أو شريك استراتيجي لتنفيذ أحياء سكنية راقية تحيط بها مراكز لوجستية وتجارية، وهو النموذج نفسه الذي تم استنساخه وتوسيع نطاقه اليوم في مشروع "مدى".
وتعتمد المجموعة الإماراتية على نموذج تمويلي يعيد ضخ الأرباح التشغيلية المحققة من مشروعاتها الناجحة في مصر (مثل "مول مصر" و"سيتي سنتر ألماظة") في مشروعات جديدة، مما يحميها من تقلبات أسعار الصرف ويمنحها قوة دولارية في التنفيذ وسرعة في إنهاء المراحل الإنشائية.
وباعتبارها المطور العام وبدعم من مساهميها من كبرى البنوك والمؤسسات المالية المصرية، تمتلك "ميدار" القدرة على تقديم تسهيلات في السداد وتوفير أراضٍ "مرفقة" بالكامل (مزودة بالبنية التحتية الذكية)، مما يقلل التكلفة الرأسمالية الأولى على الشريك الإماراتي ويسرع من وتيرة دوران رأس المال.