عسكرة عقول خطباء المساجد .. مراقبون: دورات الأكاديمية للأوقاف عبث يقترب من طاعة الطواغيت

- ‎فيتقارير

بينما تُعلن حكومة المنقلب، السيسي رسميًا تملصها من مسؤولية خلق الوظائف بدعوى التحول نحو الرأسمالية والقطاع الخاص، تكشف السياسات التنفيذية على الأرض عن مفارقة هيكلية أعمق؛ حيث تمتد يد المؤسسة العسكرية لبسط سيطرتها الكاملة على فلترة، تدريب، وتعيين الكوادر المدنية المتبقية في جهاز الدولة.

ففي الوقت الذي يرفع فيه النظام يده عن الالتزام الدستوري بالتوظيف، يفرض في المقابل "قالب الانضباط العسكري" على ما تبقى من الوظائف الشحيحة، محولاً مؤسسات الإدارة العامة إلى قطاعات تدار بلون الكاكي.

هذا التوجه تبلور بوضوح مع إعلان تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف (دفعة الإمام حسن العطار) من داخل الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما يضع الدولة المصرية في سياق استثنائي لا يشبه النظم الإدارية أو الاقتصادية المعاصرة حول العالم، بل يرسخ لرؤية دونية للقدرات المدنية ونظرة مرتابة تجاه كفاءة المؤسسات غير العسكرية.

ويمكن تفكيك هذا التحول الجذري في بنية العلاقات المدنية-العسكرية وآثاره على كفاءة الدولة بنظرة دونية للمدنيين تحت شعار "عقيدة الانضباط، ويرتكز هذا التوجه على قناعة راسخة لدى النخبة العسكرية (تشكلت وتعمقت إبان فترة حكم المجلس العسكري 2011-2012) بأن المؤسسات المدنية في مصر تعاني من تحلل وتراخٍ بنيوي، وأن وزارة الدفاع هي الكيان الوحيد المحتفظ بآليات الانضباط والكفاءة.

وتحولت هذه الدعاية إلى سياسة ممنهجة تقوم على فرضية أن الكوادر المدنية تفتقر إلى الكفاءة الذاتية لإدارة الشأن العام، وبالتالي لا يمكن ائتمانها على القرار التنفيذي دون "تأهيل عسكري".

ولكن المفارقة الكبرى تكمن في أنه بعد سنوات من تفعيل هذه الرؤية وإقصاء الكفاءات المدنية المستقلة لصالح الإدارة العسكرية، انتهى المطاف بالاقتصاد المصري إلى السقوط في أعنف أزمة اقتصادية ومالية شهدتها البلاد منذ قرن ونصف في عام 2022.

وكشف مراقبون أن الدول الحقيقية تبني كفاءتها عبر إتاحة قنوات شفافة للتعيين تعتمد النزاهة والمهنية، وتُفعل دور الأجهزة الرقابية لمحاسبة المخالفين، بدلاً من عسكرة الوظائف.

واعتبر الخطباء المدربون على الانضباط العسكري الصارم، في وقت تتنصل فيه ذات الحكومة من واجباتها الأساسية في توفير حياة كريمة وسوق عمل مستوعب لشبابها أنها لا شيء.

شهادة حية

تقرير منصة "متصدقش" استند إلى شهادات حية من أئمة خاضوا تجربة الدورة العسكرية لأئمة وزارة الأوقاف، وتقديم توثيق حي ودقيق لكيفية تحول "عسكرة الوظائف المدنية" من مجرد شعارات سياسية أو خطط نظرية إلى واقع يومي مفروض بقوة السلاح والانضباط العسكري.

ويعتبر الشاهد عن خطة للإحلال الكامل والنمط العسكري محل الهوية المدنية والدينية، مبرزا المفارقة الصادمة في تحول روتين رجل الدين (الإمام) إلى روتين جندي مقاتل؛ فالإمام لم يعد يرتدي الزي الأزهري التقليدي أثناء إعداده، بل يرتدي "الزي العسكري (الأفرول والتيشيرت)"، ويخضع لطابور تفتيش يومي للتأكد من حلاقة الذقن وقص الشعر، بل ومصادرة هواتفه الذكية ومنحه هاتفاً قديماً "بزراير" وشريحة جديدة مراقبة ومحددة بـ 3 مكالمات أسبوعياً فقط، مما يعني عزله تماماً وصهره داخل البنية العسكرية.

ويحذر الشاهد من التغول على اختصاصات التعيين وفرض معايير "الوزن واللياقة"، كاشفا معايير اختيار الأئمة تجاوزت الكفاءة العلمية والحفظ والتبحر في علوم الدين، لتصبح معايير بدنية صارمة تشرف عليها مستشفيات الجيش وكلية الضباط الاحتياط؛ فالإمام يُستبعد إذا زاد وزنه عن 10 كيلوغرامات فوق الوزن المثالي، ويُطالب باجتياز اختبارات الجري لمسافة كيلومتر ونصف، وتمارين الضغط والبطن، وجري الزيجزاج، وبذلك أصبحت اللياقة البدنية شرطاً أساسياً لاعتلاء المنبر.

وعن التدريب على حمل السلاح و"النيشان" لرجال الدين، أشارت المنصة إلى أنه أخطر ما كشفه التقرير هو إدخال الأئمة في معسكر تدريبي مغلق للشهر الأول يحاكي تدريبات الجنود المستجدين، وصل إلى حد التدريب الفعلي على حمل السلاح وإطلاق النار (النيشان) بطلقات غير حية واحتساب درجات وتقييم لكل إمام بناءً على مهارته في التصويب، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول علاقة استخدام السلاح بالدعوة الدينية والإرشاد الروحي.

التوجيه الفكري والسياسي تحت مسمى "الأمن القومي"

وأوضحت متصدقش هيكلية المناهج المفروضة؛ فبجانب المواد الشرعية، هناك شق عسكري كامل مخصص لـ "التلقين السياسي"، يتناول قضايا الأمن القومي، والحروب السيبرانية، ومحاربة الشائعات، وتاريخ العسكرية وقوانينها، وهو ما يهدف بالأساس إلى صناعة وعي موحد متطابق مع الرؤية السياسية والأمنية للسلطة الحاكمة.

ويظهر سلطة الضابط المطلقة في تقييم وتعيين الإمام، من حيث التبعية الإدارية الكاملة للمدنيين أمام العسكريين؛ حيث إن الدرجة النهائية للإمام والشهادة التي تُرسل لوزارة الأوقاف لتعيينه ترتبط مباشرة بمدى انصياعه؛ فـ "الخلاف مع ضابط قد يؤدي لخصم درجاته" والرسوب، مما يعني أن قرار تعيين الإمام في مساجد مصر بات رهناً بالرضا العسكري والأمني عنه وليس بكفاءته الفقهية.

ويكشف في نهايته عن النجاح في صياغة العقلية المطلوبة عبر شهادة أحد الأئمة (الشيخ ناصر) الذي بات يرى في هذا الروتين فرصة ليكون "إماماً موسوعياً وفق رؤية الرئيس"، حيث تم تدريبه على تبني آراء الجهات الرسمية المعتمدة في الفتوى وعدم الخروج عن النص، مما يعكس الهدف الأسمى للنظام: تحويل المنابر إلى منصات إعلامية تابعة للسلطة لتبرير سياساتها وتمرير روايتها للأحداث تحت غطاء ديني جرى فحص أصحابه وفلترتهم بعناية داخل ثكنات الجيش.

 

https://x.com/matsda2sh/status/2068687578639843590

وعلق على مشهد وقوف طلاب الأوقاف وجلوس السيسي والعسكر، د. يحيى غنيم @YahyaGhoniem فقال: ".. والله الذي لا إله إلا هو، كل من رضى لنفسه بهذه الإهانة فلا يستحق شرف الانتساب إلى العلم، ولا يستحق الحديث باسم الدين، ولا يستحق أن يكون من "الموقعين عن رب العالمين".

وأضاف، "فلو أوقفهم أمامه وجهًا لوجه لكان جاهلا بقدرهم عاقًّا لفضلهم، فما بالك وقد أوقفهم خلف ظهره وكلمهم بمؤخرته-على غير سلوك العالَمين؟ ليس لذلك تأويل غير ازدراء الدين بعد تسفيه أئمة الضلالة المتخلفين.".

وكتب مستشار وزير الأوقاف الأسبق د. محمد الصغير @drassagheer ".. الإصرار على وضع أئمة الأوقاف في صورة التلاميذ في الأكاديمية العسكرية، وامتهان الشهادة الأزهرية أمام الدبلومة الأمنية، لو عرض الأمر على قاض شريف لصنفها في قضايا إزدراء الإسلام".

وأضاف، "هكذا أصبحوا بعدما:  كانوا أجل من الملوك جلالة، وأعز سلطانا وأفخم مظهرا، حسب تعبير أحمد شوقي في وصف علماء #الأزهر_الشريف

بين مشهدين

وكتبت الكاتبة الصحفية سيلين ساري   @celin931  "في جمهورية العبيد، شريط ترامادول للشارع، وبعثة للمنبر، تختلف الجائزة، ويبقى المطلوب واحد

الطاعة العمياء".

 

بالأمس:

 «أدى باكتة و20 جنيها وشريط ترامادول لـ100 ألف إنسان ظروفه صعبة، أنزله يعمل حالة».

 

واليوم:

 «لو اللغة عند أئمة الأوقاف مستقرة بشكل كويس، ممكن يطلع منهم ناس في بعثات خارجية عشان يأخذوا ماجستير أو دكتوراه».

في الأولى كان يتحدث عن العبث في عقول الناس بالمخدر والمال.

وفي الثانية يتحدث عن تحريكهم والعبث في عقولهم باسم الدين، عبر رشوة الأئمة بالبعثات والمكافآت.

تغيّرت الأدوات، لكن ما لم يتغير هو النظرة الدونية للمصريين:

عقلٌ لا يُخاطَب بالحجة، بل يُدار بالمخدرات و الرشوة.

الفقير بمخدر وفتات لا يقيم صلبه، ورجل الدين بالرشوة والمكافأة طالما يمتثل لما يريده السيسي وليس لما يريده الله.

في الحالتين لا يكون المطلوب أن يقتنع، بل أن يرضخ."، بحسب ما كتبت سيلين ساري.

الجيل "المتنقى"

ويبدو أن استراتيجية السيسي تعتمد على مبدأ "التنقية والفلترة"؛ حيث تقوم الوزارات المدنية (مثل النقل أو الأوقاف أو التعليم) باختيار المتقدمين أولاً، ثم تُحال القوائم إلى الأكاديمية العسكرية لـ "تنقيتها" مجدداً.

وتعكس هذه الفلترة أزمة ثقة حادة من رأس السلطة تجاه آليات التعيين والرقابة المدنية، مما جعل من الجيش وصياً كلياً على الجهاز الإداري للدولة، ومستحوذاً على دور الأجهزة الرقابية المستقلة التي يُفترض بها مكافحة الفساد والمحسوبية داخل قنوات الجهاز المدني.

ولا توجد تجربة إدارية حديثة تشهد قيام المؤسسة العسكرية بتدريب الأئمة أو الخطباء أو المعلمين أو القضاة كما لو منطقياً بحسب (الموقف المصري) تصور الجيش الأمريكي وهو ينظم دورات تأهيلية للقساوسة، أو الجيش الفرنسي يتولى إعداد مدرسي المدارس، أو الجيش التركي يدير برامج تعيين القضاة؛ بل إن هذه الممارسة لم تطرأ حتى على فكر الجيش الباكستاني رغم توغله التاريخي الواسع في القرار السياسي لبلاده.

وتؤدي تغليب معايير ضيقة إسناد للأكاديمية العسكرية (كاللياقة البدنية، والتعريف بحروب الجيل الخامس، وإظهار التأييد السياسي المطلق) على الحسابات الفنية والمهنية الدقيقة لكل مهنة جزء من تغيب الأولويات في مصر، حيث يحتاج كادر الأوقاف والدعوة -على سبيل المثال- إلى مهارات خطابية، وحجاجية، وعلم نفس، وعلم اجتماع، لربط التراث بقضايا العصر وتناقضاته، وهي أدوات معرفية لا تقدمها التدريبات الرياضية العسكرية أو تدريبات "استعد" الطابورية، مما يفرغ الوظائف التخصصية من مضمونها الفني لصالح قوالب شكلية.

وسبق أن قال السيسي: "أنا مسؤول عن القيم والمبادئ والدين"، إلا أن مصر بحسب تعيش تراجعاً إسلامياً أخلاقياً واجتماعياً غير مسبوق .

وأضاف ".. البديهي أن ينتشر الفجــــور والانحلال الأخلاقي في المجتمع، وتزيد مشكلات الطـــلاق وعقوق الوالدين وتعاطي المخــــدرات والجــــريمة بأشكالها المختلفة، حتى أصبح كثيرون يشعرون بأن منظومة القيـــم التي عُرف بها  "بلد الأزهر" تتعرض لهزة كبيرة، فالقيم لا تُبنى بالشعارات ولا باحتكار الحديث باسم الدين، وإنما بالعدل والحرية والقدوة الحسنة، لأن فاقد الشيء "الذي يتفاخر بجذب السيدات المصريات" لا يعطيه.

https://x.com/AbdAlhamed_kotb/status/2068223129919377710