لم يكن السقوط السياسي للتجربة الديمقراطية الأولى في مصر وليد لحظة احتجاجية عفوية فحسب، بل جاء نتاج تضافر أدوات "الدولة العميقة" التي عملت على صناعة بيئة طاردة وشديدة الاحتقان لإفشال الرئيس محمد مرسي.
وفي هذا السياق، يذكر الأكاديمي حازم قنديل في كتابه "الجنود والجواسيس والطلائع" أن الصدام في جوهره لم يكن صراعاً بين "دين وحياة"، بل كان صراعاً سياسياً ومؤسسياً محتدماً بين سلطة مدنية منتخبة من جهة، وأجهزة أمنية وعسكرية رفضت الانصياع للمدنيين من جهة أخرى.
وقد تجلى هذا الصراع في إدارة الملفات الحياتية اليومية للمواطنين؛ حيث وثقت تقارير صحفية دولية وجود أزمات "مفتعلة" في قطاعي الوقود والكهرباء، وهي الأزمات التي انتهت بشكل مفاجئ فور الانقلاب على الرئيس مرسي بيوم واحد.
وفي تقريرها الشهير بعنوان "الأزمات التي طاردت مرسي تتبخر فجأة" (Crises That Pursued Morsi Vanish Suddenly)، رصدت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية الاختفاء السحري لطوابير البنزين وعودة التيار الكهربائي للاستقرار فور إعلان بيان 3 يوليو.
ونقلت الصحيفة عن محللين ومسؤولين أن "الدولة العميقة" المتمثلة في (الشرطة، المخابرات، والبيروقراطية) كانت تعمل ببطء عمدي أو تتوقف تماماً عن أداء مهامها لإثارة سخط الشارع ضد الرئيس، ثم استأنفت العمل بكامل طاقتها فور رحيله لإضفاء شرعية على النظام الجديد.
وتتقاطع هذه القراءة تماماً مع شهادات واعترافات رسمية من داخل المطبخ التنظيمي لوزارات تلك الحقبة؛ حيث صرح وزير البترول الأسبق أسامة كمال في لقاءات لاحقة بأن أزمة الوقود كانت ناتجة بالأساس عن امتناع شركات التوزيع (التابعة للدولة أو القطاع الخاص المرتبط بها) عن توريد الكميات للمحطات والمواطنين على الرغم من توفر المخزون الكافي.
وفي السياق ذاته، كان وزير التموين الأسبق باسم عودة قد قدم تقارير رسمية قبيل أحداث 30 يونيو تثبت وجود "كميات وفيرة" من السلع الاستراتيجية كالقمح والوقود، مؤكداً أنها كانت تُحتجز عمداً في المستودعات وتُهرب إلى السوق السوداء لإحداث حالة من الذعر والإنهاك لدى المواطنين، مما يوضح كيف وُظفت الاحتياجات الأساسية كأداة مركزية لتقويض النظام المنتخب وإسقاطه.
المخطط العسكري الممول إقليميا
لا نقدم لكم إلا قراءة مدعومة بالبيانات والأوراق البحثية تؤكد أن عزل الرئيس مرسي لم يكن مدفوعاً بكتلة بشرية قوامها 30 مليون مواطن، بل تم عبر "هندسة بروباجندا معقدة" وظفت تضخيماً بصرياً، وتمويلاً إقليمياً، وواجهات مصنوعة، للتغطية على خطة عسكرية أطاحت بالمسار الديمقراطي.
الكاتب عبدالله التابعي في مقال له منشور رابطه، يقدم قراءة نقدية وتاريخية لتجربة حكم الرئيس الشهيد د.محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في مصر، ملقياً باللوم الأساسي في فشل التجربة على ما أسماهم "شركاء الميدان" من القوى الثورية والشبابية، مبرئاً الإخوان من تهمة الفشل الفردي أو الغفلة.
ويمكن تلخيص النقاط الأساسية التي أراد إيصالها في؛ تعقيد آلية الحكم: الدفاع عن تجربة مرسي، وتحميل المسؤولية للشارع والصف الثوري، ونفي تهمة الاستفراد أو الحكم الفعلي، والدعوة للمراجعة وإيقاف "المغالطات".
فأولا يرى الكاتب أن إدارة أي دولة تشبه "اللوغريتمات المعقدة" التي تحتاج إلى تدريب واطلاع من الداخل (مثلما يحدث للمعارضة في الدول الغربية)، وهو ما لم يكن متاحاً للقوى السياسية الجديدة بعد الثورة.
يرفض الكاتب وصف تجربة محمد مرسي بـ "الفشل المطلق"، ويعتبر هذا الوصف تجنياً، مشيراً إلى أن أي حاكم مدني من خارج مؤسسات الدولة كان سيسقط سريعاً ما لم يمتلك تأييداً شعبياً وثورياً جارفاً يحميه حتى يفكك الدولة العميقة ("عناصر التعويق").
ويرى أن السبب الرئيسي لسقوط التجربة ليس مكائد الجيش أو الشرطة أو القضاء أو الإعلام، بل هو "خذلان" وتآمر جزء من الصف الثوري والشباب الذين صنعوا الفوضى في الشارع وتواطؤوا لاحقاً مع الجيش لإفشال الرئيس، بحسب تعبيره.
ويؤكد الكاتب أن "الإخوان لم يحكموا مصر قط بل حاولوا الحكم"، وأن تواصلهم المنفرد مع الجيش في ذلك الوقت جاء سياق تفاهمات جماعية ولم يكن خيانة للثورة.
ويهدف المقال في النهاية إلى ما يسميه "الوقوف على الحقيقة لبدء صفحة جديدة"، وإيقاف الهجوم المستمر على الجماعة وتحميلها وحدها مسؤولية ما جرى، محذراً من استمرار "فوبيا الإخوان" التي تساهم في تفتيت القوى الفاعلة في المجتمع.
https://x.com/ABDALLA_ALTABEY/status/2043343591301435712
وبكثير من التوثيقات البحثية الأكاديمية عرضت منصة صحيح الإخوان ـ Saheeh Al-Ikhwan سردية تحليلية تحدثت عن: دحض السردية الرسمية وتفنيد "بروباجندا الـ 30 مليون".
فأرادت تفكيك ما تصفه بـ "لعبة الأرقام" التي تستخدمها السلطة الحالية كأداة شرعية لمسار ما بعد 2013. وتستند في ذلك إلى معطيات علمية وجغرافية لدحض الأرقام الرسمية:
ومن الأرقام الرسمية المزيفة: ما روج له الإعلام والملياردير نجيب ساويرس لخروج 30 إلى 40 مليون متظاهر، وزعمت منشورات مفبركة أن شبكة CNN أكدت خروج 33 مليون.
وهو ما يواجه استحالة ديموغرافية حيث عدد سكان مصر وقتها كان 80 مليون نسمة، ونسبة الأطفال دون العاشرة تمثل 20% (الخُمس). بالتالي، فإن ادعاء خروج 40 مليون يعني نزول 45% من إجمالي الشعب (بمن فيهم العجائز والمرضى)، وهو ما دحضه حسابياً مراسل BBC "وير ديفيز".
وأشارت إلى تقدير هيئة الإذاعة البريطانية BBC الحشود بنحو 4 ملايين في الجمهورية، بينما كشفت مصادر أمنية وتقارير هندسية مستقلة أن أعداد متظاهري القاهرة بلغت 1.2 مليون، وأن الإجمالي الحقيقي لا يتجاوز 2 إلى 3 ملايين متظاهر.
إثبات التوصيف السياسي كـ "انقلاب عسكري كامل الأركان".
وسعت المنصة @saheehalikhwan لترسيخ التوصيف الأكاديمي والقانوني للأحداث، مستشهدة بأسماء وازنة ودراسات متخصصة لنفي صفة "الثورة العفوية":
دراسة الباحث هشام بو ناصيف (الأستاذ المساعد بكلية كارلتون) بعنوان "الانقلابات والديمقراطيات الوليدة"، والتي وصفت ما حدث في 3 يوليو بأنه انقلاب عسكري أزاح أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً.
شهادة المستشار طارق البشري (رئيس لجنة التعديلات الدستورية بعد يناير 2011)، والذي أكد في مقالين بصحيفة "الشروق" (يوليو 2013) أن ما حدث هو "انقلاب عسكري صريح ومكتمل الأركان"، وأن الصراع الحقيقي هو بين "الديمقراطية والانقلاب" وليس بين الإخوان ومعارضيهم.
التشكيك في عفوية حركة "تمرد" وكشف تمويلها
وأثبتت المنصة أن الحراك الشعبي تم جرفه خلف واجهة مصطنعة وممولة من أجهزة الدولة وقوى إقليمية:
الادعاء مقابل الواقع: زعمت حركة تمرد جمع 22 إلى 30 مليون توقيع لسحب الثقة من مرسي.
صناعة الأمن والجيش استشهدت المنصة بتحليل الباحث نيل كيتشلي في صحيفة "واشنطن بوست" (2013)، وتقرير وكالة "أسوشيتد برس"، لإثبات أن الجيش ووزارة الداخلية لعبا دوراً لوجستياً ومالياً في "صناعة" الحركة.
التمويل الإماراتي: اعتمدت المنصة على اعترافات مسجلة (مارس 2016) لمحمد فاضل (أحد مؤسسي تمرد) بشأن تلقي قيادات الحركة شيكات مالية، منها شيك بقيمة 30,000 دولار من مسؤول بالسفارة الإماراتية بالقاهرة.
كشف هندسة المشهد البصري وصناعة الماكينة الإعلامية
وأوضحت المنصة أن الصورة الذهنية للحشود كانت "سلاحاً سياسياً" مصنوعاً وموجهاً وليس مجرد ناقل للواقع:
وكيف أن المخرج خالد يوسف خدع من يريدون تصديقه بتصوّير 30 ساعة طوال 3 أيام عبر طائرات عسكرية (حيث نسقت الشؤون المعنوية خروج 6 طائرات تصوير يوم 3 يوليو)، ولم يُعرض منها سوى 15 دقيقة. واعترف خالد يوسف لاحقاً (مايو 2014) باستخدام تقنيات سينمائية ومبالغات بصرية لتضخيم الحشود خوفاً من فشل اليوم.
وعن التعبئة الإعلامية الممنهجة، تشير المنصة إلى دور قنوات مثل "الفراعين" وتوفيق عكاشة في حشد البسطاء، مستدلة بدراسة الباحث أسامة الرشيدي في مجلة "سياسات عربية" (يناير 2014) حول استراتيجيات التزييف والتضخيم، ودراسة أكاديمية صدرت عام 2021 بعنوان "من الخداع إلى الاختراع" وثقت حملات الأخبار الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
https://x.com/saheehalikhwan/status/2066551029848780852