تتصدر قضية طلب وزارة داخلية الانقلاب ، من المنقلب السفيه، السيسى، ضم أراضٍ بقيمة 142 مليار جنيه المشهد العام، بعد تسريبات كشفت أن الأراضي المطلوبة موزعة على نطاقات جغرافية متعددة تشمل الدلتا والقاهرة الكبرى والمدن الجديدة وربما مناطق ساحلية.
وتشير مصادر حكومية مطلعة إلى أن جزءًا من هذه الأراضي يقع في محافظات الدلتا مثل المنوفية والبحيرة والشرقية والقليوبية، بينما يمتد جزء آخر إلى أطراف القاهرة الكبرى في محيط طرق القاهرة–الإسماعيلية والقاهرة–السويس والعاشر من رمضان وبدر. أما الأراضي داخل المدن الجديدة مثل الشيخ زايد و6 أكتوبر والقاهرة الجديدة والشروق، فهي الأعلى قيمة وتشكل النسبة الأكبر من التقييم المالي.
وهناك حديث غير محسوم عن أراضٍ ساحلية في الساحل الشمالي والعلمين الجديدة، ما يعكس حجم الأصول التي تسعى الوزارة إلى ضمها.
بلا مناقصات… مسار مشابه لتوسعات الجيش
المؤشرات تؤكد أن هذه الأراضي لن تُطرح في مناقصات عامة، بل ستُمنح عبر قرارات تخصيص مباشرة، على غرار ما يحدث مع القوات المسلحة. هذا النمط من التخصيص يعني غياب المنافسة وغياب الشفافية وعدم إعلان الأسعار أو تقييمات الأراضي، كما لا يُعرف ما إذا كانت ستُستخدم في مشروعات تجارية أم أمنية. وبذلك تصبح وزارة الداخلية لاعبًا اقتصاديًا جديدًا يملك أصولًا ضخمة دون المرور بالآليات التقليدية التي يخضع لها القطاع الخاص.
ويمتلك جهاز مشروعات وزارة الداخلية شبكة واسعة من الأنشطة تشمل مصانع وورشًا ومزارع وشركات مقاولات ومجمعات خدمية، ويشارك الجهاز في مناقصات حكومية ويبيع منتجاته في السوق، ويعمل ككيان اقتصادي كامل يمتلك امتيازات لا تتوفر للقطاع الخاص. هذا الجهاز يشكل قاعدة جاهزة لاستيعاب أي توسع جديد في الأصول العقارية.
“أمان” و“أربان”
تدير الوزارة سلسلة شركات “أمان” التي توسعت من منافذ لبيع السلع بأسعار مخفضة إلى شبكة ضخمة تعمل في تجارة الجملة والتجزئة والخدمات المالية والدفع الإلكتروني. كما ظهرت شركة “أربان” التابعة للوزارة، والتي تعمل في التطوير العقاري وإدارة المشروعات التجارية، ما يجعل الوزارة لاعبًا متناميًا في السوق العقاري المصري، هذا التوسع يعكس تحولًا واضحًا في طبيعة الدور الاقتصادي للمؤسسات الأمنية.
ويقدّم الخبير الاقتصادي المصري د. محمود وهبة، أستاذ الاقتصاد ورجل الأعمال المقيم في الولايات المتحدة، قراءة رقمية صادمة لحجم الاقتصاد السيادي في مصر. ويؤكد وهبة أن المؤسسة العسكرية وحدها تسيطر على ما بين 25% و40% من الاقتصاد المصري، رغم غياب الأرقام الرسمية. وتعمل هذه الإمبراطورية عبر ثلاث كتل رئيسية تضم وزارة الإنتاج الحربي التي تدير 16 مصنعًا، والهيئة العربية للتصنيع التي تدير 12 مصنعًا، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي يدير أكثر من 30 شركة.
ويشير وهبة إلى أن الامتيازات القانونية الممنوحة للمؤسسات السيادية، مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية والحصانة من الرقابة المدنية، تخلق بيئة مثالية لعمليات غسيل الأموال وتهريب رأس المال، ويقدّر وهبة أن جزءًا كبيرًا من التدفقات المالية الخارجة من مصر خلال السنوات الأخيرة تم عبر شركات وهمية وحسابات خارجية في الإمارات وقبرص وجزر العذراء البريطانية، وهي آليات تجمع بين غسيل الأموال وتهريبها. كما يرى أن مشروعات البنية التحتية الضخمة مثل العاصمة الإدارية الجديدة توفر فرصًا لتضخيم التكاليف وتحويل الأموال عبر التعاقدات من الباطن، ما يسمح بدمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد الرسمي ثم تهريبها للخارج.
ويضيف وهبة أن التلاعب بالعملة خلال فترات نقص الدولار بين 2016 و2022 مكّن جهات سيادية من تحقيق أرباح ضخمة عبر المراجحة، وهو شكل من أشكال تهريب العملة داخليًا. ويؤكد أن هذه الممارسات تضعف الاقتصاد الوطني وتزيد من هشاشة السوق وتفاقم أزمة الثقة بين الدولة والمواطن.
تغوّل اقتصادي
في هذا السياق، أصدر حزب تكنوقراط مصر @TechnocratsEgypt بيانًا اعتبر فيه أن تخصيص أراضٍ بقيمة 142 مليار جنيه لصالح وزارة واحدة يمثل “تجاوزًا خطيرًا لمبدأ إدارة الموارد العامة وفق أولويات وطنية واضحة”، وأكد الحزب أن الأراضي العامة ملك للشعب، وأن نقلها إلى جهات سيادية دون مناقصة أو رقابة يفتح الباب أمام “تغوّل اقتصادي” يضر بالسوق ويقوّض الثقة في إدارة الدولة للأصول. وأضاف الحزب أن مصر تعاني من أزمات معيشية خانقة، وأن الأولوية يجب أن تكون لتوجيه الأصول العامة نحو دعم التعليم والصحة والإسكان والخدمات الاجتماعية، وليس لتعزيز نفوذ مؤسسات بعينها.
غياب الشفافية… ومخاوف من تأثيرات على السوق العقاري
يشير الحزب وخبراء اقتصاديون إلى أن تخصيص أراضٍ بهذا الحجم يجب أن يخضع لإفصاح كامل وتقييم معلن ومناقشة برلمانية، وهو ما لم يحدث، ويحذر الخبراء من أن دخول جهات سيادية إلى السوق العقاري كمطورين كبار قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأراضي وإقصاء المستثمرين الصغار وخلق منافسة غير عادلة، ما يعيد تشكيل خريطة الاستثمار في مصر.
وفي ظل هذه التطورات، يشعر المواطن العادي بأن نصيبه من ثروات الدولة يتراجع، وأن الضغوط المعيشية تتزايد دون أن يرى أثرًا مباشرًا لهذه المشروعات على حياته اليومية، وبينما تتوسع المؤسسات الأمنية في النشاط الاقتصادي، يعاني ملايين المصريين من ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل ونقص الخدمات الأساسية.