بدأت في 1927 .. وثائق: جهود حسن البنا والإخوان وراء تفكيك بُؤر البِغاء

- ‎فيلن ننسى

قادت جماعة الإخوان المسلمين منذ العقود الأولى لتأسيسها حرباً فكرية وعملية شرسة وممنهجة لاستئصال شأفة البغاء الرسمي، مستفيدة من صحفها ومجلاتها المتنوعة. وجاءت نقطة الانطلاق القوية عقب صدور تقرير عصبة الأمم في صيف عام 1927 م، والذي تضمن عبارات صادمة بحق الدولة المصرية واصفاً إياها بأنها "عبارة عن سوق بغاء عظيمة للنساء والفتيات من جميع الأجناس، ولا سيما في مواسم السياحة الشتوية".

ودفع هذا التقرير المخزي الإمام الشهيد حسن البنا إلى التحرك الفوري، فوجه خطاباً رسمياً ومذكرة تفصيلية إلى رئيس لجنة البحث محمد شاهين باشا تحت عنوان "البغاء الرسمي.. مذكرة جمعية الإخوان المسلمين بالإسماعيلية"، طرح خلالها وسائل عملية منوطة بالحكومة للقضاء التام على هذه الظاهرة، معتبراً التقنين امتهاناً لكرامة الإنسان واستعباداً مخجلاً للفقراء.

وخصصت مجلة الجماعة عدداً كاملاً بعنوان "عدد خاص لمحاربة البغاء"، ونشرت مقالاً لافتاً بعنوان "مصر المسلمة أصبحت سوقاً للدعارة يباع فيها الفتيات"، مستعرضة حوادث استدراج ثلاث فتيات لإثبات عجز القانون الوضعي عن حماية الآداب وضرورة العودة للتشريع الإسلامي، ويمكن تتبع وثائق هذه الحملة التاريخية:

https://www.ikhwan.wiki/index.php?title=%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86_%D8%A8%D9%8A%D9%8_%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9_%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B6%D8%A7%D9%81_%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%87%D8%A7

 

الخطوات العملية

ولم تقف جهود الإمام البنا عند التنظير المكتوب، بل امتدت لخطوات عملية واجتماعية تعكس الشفقة والحرص على التوبة؛ فعند اختيار أرض أول مسجد للإخوان بالإسماعيلية، تصادف وجودها بجوار بيت للدعارة، مما أثار استياء الأعضاء، فكان رد البنا حكيماً بأن المسجد سيقضي على هذه البؤرة، وبالفعل تراجع عدد المترددين على البيت نتيجة الالتزام الديني، مما دفع النسوة للذهاب إلى البنا يشكين ضيق الرزق، فاقترح عليهن امتهان مهن شريفة ووفر لهن مبنى مستقلاً (ملجأ للتائبات) دون عائل تحت إشراف الشيخ علي الجداوي للإنفاق عليهن وتعليمهن الخياطة والطهي، مما أثمر عن زواجهن وتحولهن لربات بيوت صالحات.

وامتد العمل إلى المحافظات والشعب؛ ففي السويس نجحت شعبة الإخوان في الضغط على المجلس المحلي بجلسته المنعقدة يوم السبت 13 أبريل 1940 م، لإصدار قرار بإجماع الأعضاء يقضي بإلغاء البغاء، ووجهت الجماعة رسالة شكر لمفتش الصحة الدكتور محمد أنيس بك ومأمور مركز ميت غمر لجهودهم في إلغاء البغاء السري والعلني، كما ساند الإخوان "جماعة مشروع محاربة البغاء" و"رابطة الشباب المصري" ونشروا فعاليات أسبوع محاربة البغاء عام 1934 م بالتنسيق مع الشيخ طنطاوي جوهري، مطالبين الحكومة بغلق الذرائع مثل السفوح والاختلاط المقيت في المصايف وتوفير العيش الكريم للتائبات لمنعهن من العودة للرذيلة. (المرجع نفسه)

ولقد كان لهذا الموقف الثابت والقوي من الإخوان المسلمين بصدد إلغاء البغاء في ذلك الوقت أن صدر قرار من الحكومة في أغسطس 1935م بأن يلغى البغاء الرسمي في خلال ثلاث سنوات، ولكنه من الآن لن يرخص لمومس جديدة، ولا يفتح منزل جديد للبغاء، وستبعد منازل البغاء الموجودة الآن إلى مناطق في خارج المدن، إلى أن يتم إلغاؤها بتسهيل إعادة العاهرات الأجنبيات إلى أوطانهن، والعمل على تزويج من يصلح للزواج من الوطنيات، وإنشاء ملجأ ودور أعمال للمسنات ومن لا يجدن أزواجًا.

مفاوضات عام 1942 م البرلمانية والانتصارات الجزئية

 

أثارت الروايات الشفهية المتداولة خلطاً تاريخياً كبيراً حول تلازم إغلاق بيوت الدعارة مع تنازل حسن البنا عن انتخابات مجلس النواب؛ حيث أشار الدكتور عبد الله بن عازب عبر حسابه الإلكتروني @ama4425 في تدوينة مقتضبة إلى أن ترشح البنا دفع بالسفير البريطاني للهروب إلى قصر الملك طالباً الضغط لانسحابه، واشتراط البنا إغلاق بيوت الدعارة مقابل ذلك.

وفي تحقيق استقصائي حول دقة هذا الادعاء، يتضح أن الواقعة تعود إلى فبراير 1942 م عندما ترشح المرشد العام في دائرة الإسماعيلية، فخشي الاحتلال البريطاني من فوزه وتأجيج مشاعر المقاومة في منطقة القناة وضغط السفير "مايلز لامبسون" على رئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا لإقناعه بالتنازل تجنباً لحل الجماعة والصدام العسكري مع الإنجليز في ظروف الحرب العالمية الثانية.

 

وعقد اللقاء الشهير في فندق "مينا هاوس"، وأوضح فيه البنا للنحاس باشا أن الترشح حق سياسي لإسماع صوت الشريعة الإسلامية في البرلمان، ووافق على الانسحاب مقابل مطالب دعوية وتشريعية وثقها البنا في مذكراته ولم يكن من بينها الإغلاق الفوري والشامل لبيوت الدعارة نظراً للاعتراض الصارم من قائد الجيوش البريطانية، وجاءت المطالب كالتالي:

إحياء الأعياد الإسلامية وجعل المولد النبوي عيداً رسمياً للدولة.
وإلغاء البغاء وغلق بيوت الدعارة وجعلها عملاً مجرماً.
وتحريم الخمر والميسر.
وإصدار قانون بوجوب التعامل باللغة العربية في المؤسسات والشركات بدلاً من الإنجليزية.
وإعطاء ضمانات لحرية حركة جمعية الإخوان وفروعها وعدم مراقبتها.
والسماح بجريدة يومية لهم.

وقبلت الحكومة الشروط حينها كوعود مستقبلية، لكن الانفتاح الفعلي اقتصر على تجريم الخمور في المناسبات الدينية فقط، وإلغاء البغاء الرسمي في القرى مع التوقف عن إصدار تراخيص جديدة في المدن كحل وسط بين الإخوان والإنجليز، وهو ما اعتبره الإخوان أول انتصار جزئي في المعركة الطويلة.

https://www.addustour.com/articles/623301-%D8%AD%D8%B3%D1%80%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%85-%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D9%80%D9%86-%D8%AA%D9%80%D8%B1%D8%B3%D9%80%D8%AD-%D9%84%D9%84%D8%A6%D9%86%D9%80%D8%AA%D9%80%D8%AE%D9%80%D8%A7%D8%A8%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A7%D8%AA

 

بعد الاغتيال والأمر العسكري

في مقال للإعلامي محمد جمال هلال، (نشر على موقع الجزيرة -مدونات) أكد أن المفارقة التاريخية والسياسية الصادمة؛ تتجلى في التوقيت الفعلي لصدور التشريعات المانعة للبغاء؛ إذ تم حظر جماعة الإخوان المسلمين وحلها تماماً بقرار حكومي في ديسمبر 1948 م، ودخل المرشد العام حسن البنا في مرحلة مطاردة شرسة واعتقال المحيطين به، وفرضت عليه خلالها الإقامة الجبرية حتى تم اغتياله مأساوياً في 12 فبراير 1949 م.

وعقب الاغتيال بأسبوع واحد، وتحديداً في 20 فبراير 1949 م، أراد الحاكم العسكري العام ورئيس الوزراء آنذاك إبراهيم عبد الهادي باشا (رئيس حزب الأحرار الدستوريين) تقليل حدة الصخب الشعبي العارم وامتصاص غضب الشارع الملتهب وتشتيت الانتباه وعمل تعمية سياسية شاملة على جريمة الاغتيال، فأصدر الأمر العسكري رقم 76 لسنة 1949 م.

 

وقضى هذا الأمر العسكري المؤقت بالإغلاق الفوري لجميع بيوت البغاء العام، وإلغاء الرخص الرسمية الممنوحة مسبقاً، ونص على معاقبة كل من عاون أنثى على ممارسة البغاء بالحبس لمدة ستة أشهر.

وجاء هذا القرار التكتيكي مستفيداً أيضاً من الضغط الاجتماعي والبرلماني الموازي الذي قاده نائب دائرة باب الشعرية الشهير سيد جلال عبر حيلته البرلمانية المعروفة مع وزير الشؤون الاجتماعية جلال باشا فهيم، والتحرك الديني الشرس الذي قاده شيخ الأزهر الشريف الشيخ محمد مأمون الشناوي (1948-1950 م) الذي اعتبر البيوت المرخصة وصمة عار في جبين الأمة واستغل أجواء ما بعد حرب فلسطين 1948 م للضغط على القصر الملكي.

 

وتحولت هذه الأوامر العسكرية المؤقتة إلى تشريع أصيل ودائم عندما صاغ البرلمان المصري القانون رقم 68 لسنة 1951 م ونص صراحة على "مكافحة البغاء" وتثبيته في البنية التشريعية ليكون النواة الأساسية لكافة القوانين اللاحقة، مثل القانون رقم 10 لسنة 1961 م الذي شمل المنظومة التشريعية بالكامل وامتدت آثاره الفكرية لمواجهة الهجمات الشرسة في الستينات والتي تصدى لها القطب الفكري الشيخ محمد الغزالي في كتابه "معركة المصحف"، ويمكن استعراض التقييم والتوثيق الإعلامي الشامل لهذه الحقبة التشريعية عبر منصة الجزيرة مباشر:

https://www.aljazeeramubasher.net/blogs/2018/12/9/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D8%A9

"العرص" رمز للدياثة

وفي تحرير السياق التاريخي لمصطلح "العرص": من وظيفة شرطية مقننة إلى رمزية الدياثة والسكوت عن الحق، استعرض الكاتب عبد الرحمن الخطيب عبر @khtibabdul الجذور التاريخية والسياسية لمصطلح "العرص" الشائع في الثقافة الشعبية المصرية، موضحاً أنه في الأصل اسم وظيفة رسمية لشرطي مصري كان تابعاً لوزارة الداخلية، على غرار الألقاب الشعبية الأخرى كـ "عشماوي" لشرطي الإعدامات، و"السماوي" لشرطي مكافحة الكلاب الضالة، تماشت هذه الوظيفة مع سياسات المحتل الإنجليزي التي قننت الدعارة في مصر كنشاط اقتصادي مباح بموجب رخص رسمية، حيث كانت مهمة هذا الشرطي (العرص) اقتحام بيوت البغاء بانتظام لا لمنع الرذيلة، بل للتأكد من سريان تراخيص البغايا وصلاحيتهن الطبية بعد توقيع الكشف الدوري عليهن.

 

ونظراً لوضاعة هذه المهنة التي تقتصر على فحص رخص العاهرات لضمان أمن "الزبون"، ارتبط اللفظ في وعي المصريين بالدياثة الفجة والتكسب من الحرام والتماهي معه (التعريص).

وأشار المقال إلى أنه بفضل الجهود المتواصلة لجماعة الإخوان المسلمين، والضغوط التي مارسها الإمام حسن البنا عقب ترشحه لبرلمان عام 1942 م ومفاوضاته مع حكومة النحاس باشا، تم إلغاء الدعارة المقننة رسمياً في مصر عام 1949 م، مما أدى إلى زوال الوظيفة رسمياً، مع بقاء دلالتها اللفظية مقترنة بكل من يسكت عن الحق أو يتكسب من ممارسة الباطل.

https://x.com/khtibabdul/status/1985427397420732702