مقترحات بنواب العسكر تدعو إلى استغلال الكلاب الضالة اقتصادياً عبر تصديرها إلى الخارج، أثار جدلا واسعا وبابا للنقاشات، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات بيئية وصحية واقتصادية معقدة، مما فتح الباب أمام نقاشات علمية وحقوقية حول مدى واقعية هذه الأفكار وجدواها على أرض الواقع، وسط مخاوف من تحول ملف الحيوانات السائبة إلى تجارة غير خاضعة للرقابة الصارمة.
وطرحت "النائبة" سحر عتمان مقترحاً يتضمن دراسة إمكانية تصدير الكلاب الضالة في شوارع مصر إلى بعض دول شرق آسيا وإفريقيا وفق ضوابط قانونية وصحية معينة، معتبرة أن هذا التوجه قد يشكل مشروعاً استثمارياً يساهم في حل الأزمة البيئية ويوفر عوائد مالية للدولة في ظل السعي لتوفير العملة الأجنبية ومواجهة التحديات الاقتصادية الحالية وهو ما تلقفته منصات محلية تابعة ل"المتحدة" بأن الحكومة تدرس هذا المسار.
وعلى الصعيد التنفيذي والتشريعي، أكد الدكتور أيمن محروس، رئيس الإدارة المركزية للصحة العامة بهيئة الخدمات البيطرية، أن الهيئة تلقت طلب الإحاطة البرلماني الموجه بشأن "تصدير الكلاب"، وأوضح الموقف الرسمي للدولة؛ حيث أكد عدم وجود مانع قانوني في التصدير شريطة الالتزام الكامل بالاشتراطات والشروط الدولية لتصدير الحيوانات الحية.
وشدد محروس على أن أي خطوة في هذا المسار تتطلب أولاً عرض الأمر على لجنة علمية متخصصة من الخبراء، مؤكداً أن الموافقة ستكون محصورة ومقيدة بأغراض التربية والاقتناء المنزلي فقط، وليس للذبح أو الاستهلاك الغذائي، تماشياً مع المعايير الدولية والاتفاقيات التي وقعت عليها مصر لحماية الحيوانات.
نقيب البيطريين
وواجه هذا المقترح انتقادات حادة من جانب المتخصصين والمراقبين؛ حيث أكد الدكتور مجدي حسن، نقيب عام الأطباء البيطريين، أن الفكرة تفتقر تماماً إلى الجدوى العملية والاقتصادية، موضحاً أن الكلب البلدي المصري لا يمتلك سوقاً تجارية واسعة في الخارج سواء لأغراض التربية أو الاستهلاك.
وأشار نقيب البيطريين إلى أن الدول التي تشتهر باستهلاك هذه اللحوم تعتمد على مصادرها المحلية الخاضعة للرقابة، ولا تعتمد على استيراد حيوانات شوارع سائبة تفتقر إلى الفحوصات والشهادات الصحية المعتمدة والتطعيمات الدورية، مؤكداً أن منظومة التصدير الدولية تفرض اشتراطات بيطرية صارمة يصعب تطبيقها على الحيوانات الضالة.
وفي ذات السياق الاقتصادي، طرح الكاتب عبد العزيز الغدير رأيا حول مقترح البرلمان والحكومة بدراسة تصدير كلاب الشوارع لتؤكل في الخارج يعكس رغبة في بيع أي شيء لتوفير الدولارات.
وأوضح الغدير أن هذه الحيوانات السائبة تعيش على القمامة، ولا يوجد مستورد عاقل سيشتري حيوانات للاستهلاك الغذائي دون تطعيمات وفحوصات ورقابة صحية صارمة وسجل معروف لمصدرها، مما يجعل المشروع بأكمله غير مجدٍ اقتصادياً من الأساس، مشبهاً الفكرة بالنقاشات السابقة في أستراليا حول تصدير الجمال البرية، وهي أفكار تصطدم بالواقع لأن الحيوانات السائبة لا تتحول إلى منتج غذائي موثوق لمجرد جمعها وشحنها.
وعلى النقيض من ذلك، يرى المغرد معتز عسل أن التصدير يمثل حلاً مثالياً للأزمة الحالية، وأوضح عسال أنه في فيتنام على سبيل المثال، يُعتبر تناول الكلاب وجبة من الوجبات الشعبية الأولى، مما يجعل فكرة التصدير والبيع للخارج خياراً مطروحاً بشكل جيد بدلاً من تفاقم الأزمة محلياً في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة التي يمر بها المجتمع.
أطر علمية وحقوقية
تؤكد المنظمات المعنية بحقوق الحيوان والجمعيات البيئية أن التعامل مع الثروة الحيوانية السائبة يجب أن يستند إلى قواعد علمية وإنسانية متعارف عليها دولياً، وفي هذا السياق، أوضحت منى خليل، رئيسة اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان في مصر، أن المقترح يتجاهل التوجهات الدولية والتشريعية في دول آسيا؛ حيث استبعدت وزارة الزراعة الصينية منذ عام 2020 الكلاب من قائمة الحيوانات الصالحة للاستهلاك الآدمي وصنفتها كحيوانات أليفة، بالإضافة إلى قيام مدن كبرى مثل "شينزين" بحظر تناولها بقوة القانون، مما يعني غياب الأسواق المستوردة لطبيعة هذه التجارة.
وتعقيباً على غياب الرؤية العلمية والدولية للمقترح، أكدت منصة "باطل" أن هذا الطرح يعكس تراجعاً في الثقافة العامة والوعي بالمتغيرات الدولية لدى بعض النواب، في وقت ينتظر فيه الشارع حلولاً حقيقية للغلاء والديون وتراجع الخدمات، وأوضحت المنصة أن الصين نفسها قامت منذ عام 2020 بتصنيف الكلاب كحيوانات أليفة وليست ثروة حيوانية، واستبعدتها تماماً من القوائم المخصصة للغذاء، مما يعني أن "المشروع القومي للتصدير" المقترح لم يراجع معلوماته الأساسية قبل الطرح.
وفي إطار القراءة الإحصائية والثقافية للمجتمع الصيني، يوضح المتخصص في الزراعة والإنتاج الحيواني د.محمد الشريف أن الصين تستهلك بالفعل نحو 10 ملايين كلب و4 ملايين قطة سنوياً كأكبر استهلاك عالمي، لكن هذا الرقم يظل هامشياً مقارنة بإجمالي استهلاكها السنوي من اللحوم الذي يتراوح بين 80 إلى 100 مليون طن.
وأشار الشريف إلى أن تناول لحوم الكلاب لا يمثل ثقافة عامة للشعب الصيني بأكمله، بل يقتصر على مناطق وفئات معينة في الجنوب والجنوب شرق، في حين أن الغالبية العظمى من الصينيين، خاصة الأجيال الشابة وسكان المدن الكبرى، يرفضون هذه العادة ويربونها كحيوانات أليفة، وهو ما دفع وزارة الزراعة الصينية لرفعها من قوائم الاستهلاك وحظرها قانوناً في مدن مثل شينزين.
ومن الناحية البيئية والصحية، يؤكد المتخصص محمد عبد الجابر أن الكلاب الضالة تمثل قضية صحة عامة وإدارة بيئية متكاملة، وليست مجرد "مخزون مخصص للتصدير" أو السلع التجارية.
وأشار عبد الجابر إلى أن الفكرة غير عملية اقتصادياً وتتجاهل علمياً وإنسانياً مبادئ الرفق بالحيوان، مؤكداً أن الدول المتقدمة لم تحل هذه المشكلات بالبيع أو الترحيل، بل عبر آليات التعقيم والتطعيم والتبني وإدارة الأعداد وفق أسس علمية واضحة، مشدداً على أن الحلول الجادة تبدأ من العلم لا من العناوين الخاوية.
واستعرض عمرو مجدي أبعاد المشكلة من منظور واقعي يوازن بين التصورات الذهنية والواقع الميداني، مشيراً إلى أن الحلول النظرية قد لا تكون قابلة للتطبيق دائماً.
ويرى مجدي أن اقتراح إنشاء ملاجئ (شلترز) للكلاب يبدو ظاهرياً حلاً أخلاقياً، لكنه غير عملي في الواقع المصري نظراً لأن الأعداد الضخمة للكلاب لا تسمح بهذه الرفاهية اللوجستية والمادية.
وأضاف أن قتل الكلاب أو إعدامها يظل عملاً قاسياً ومؤلماً، لكنه ليس بالضرورة لا أخلاقياً، معتبراً أن اللاأخلاقية الحقيقية تكمن في عدم اتخاذ قرارات حاسمة وترك الضرر يقع على البشر والحيوانات معاً لمجرد التمسك بتصورات خيالية لا توافق الواقع.
بيزنس مشتقات الدم وبلازما الحيوانات
على جانب آخر، تثار نقاشات تقنية وحقوقية معقدة حول استغلال الحيوانات الضالة في مجالات طبية حيوية، وتحديداً في تجارة بلازما ومشتقات دم الكلاب، حيث تداخلت هذه النقاشات مع المقترحات البرلمانية لتكشف عن أبعاد غير معلنة في إدارة هذا الملف، وتُعد بلازما الكلاب من المواد البيولوجية الثمينة في الطب البيطري؛ نظراً لغناها بالبروتينات الحيوية وعوامل التجلط (مثل الألبومين والغلوبولين)، حيث تُستخدم لعلاج حالات الطوارئ، والنزيف الحاد، والتسمم بمضادات التخثر.
وفي هذا السياق، تكشف الناشطة أمينة ثروت أباظة عن مخاوف حقوقية بالغة، موجهة نداءً عاجلاً للمسؤولين بضرورة إجراء حصر للكلاب دون اللجوء للتصدير.
وأشارت أباظة إلى أن بعض جمعيات الرفق بالحيوان في مصر تقوم بالفعل بتصدير الكلاب المصرية للخارج لإجراء تجارب معملية وقاسية عليها، بالإضافة إلى قيام شبكات بسحب و"شفط" دم الكلاب والبلازما لبيعها لبنوك الدم الأمريكية. وأكدت أن تعريض الكلاب للعذاب وسحب مصلها يستوجب التدخل الفوري لبناء ملاجئ حكومية أو اللجوء للقتل الرحيم كخيار أكثر رحمة من تحويل الحيوانات إلى تجارة غير إنسانية.
من جانبه، قدم حساب "Aserasorat15" تحليلاً علمياً واقتصادياً مفصلاً لكواليس هذا القطاع، موضحاً أن كيس الدم الصغير للكلاب يُباع بنحو 96 دولاراً، بينما تصل أسعار الفصائل النادرة إلى 500 دولار. وأشار الحساب إلى وجود 22 فصيلة دم للكلاب، تحول بعضها الكلب إلى "كنز متحرك" وتشعل سوقاً بملايين الدولارات، حيث يمكن سحب 450 مللي دم من الكلب الواحد كل 6 إلى 8 أسابيع. وأوضح أن البلازما (سواء الطازجة المجمدة FFP الغنية بعوامل التجلط، أو المجمدة FP، أو السائلة LP) تُستخدم لعلاج الأمراض الفيروسية القاتلة مثل "البارفو" لدى الجراء، وتُحقن كبلازما غنية بالصفائح (PRP) لعلاج التهاب المفاصل وتسريع الشفاء، فضلاً عن دخولها كمكون غذائي عالي الجودة في أطعمة الحيوانات الأليفة.
وتابع حساب "Aserasorat15" في تحليله مشيراً إلى أن استمرار أزمة الكلاب الضالة في الشوارع دون حلول جذرية يضمن لبعض الجهات تدفق هذه الفصائل النادرة لتنفيذ عقود التصدير الخارجية. ووصف الحساب وجود "مافيا" تدير ملف الكلاب البلدي في مصر منذ فترة طويلة لخدمة أجندات تجارية وخارجية محددة، معتبراً أن غياب الحلول العلمية والمؤسسية للأزمة يسمح ببقاء هذه الشبكات كبيزنس مستمر يحقق مكاسب مالية ضخمة على حساب السلم المجتمعي والصحة العامة، ومدرجاً هذا الملف ضمن سياق حروب السيطرة على الوعي والعقول وتدمير الموارد بآليات غير تقليدية.