تشهد الأوساط السياسية والإعلامية الصهيونية حالة من القلق المتزايد تجاه مصر، مدفوعةً بالتحركات التنموية في سيناء، ومخاوف استراتيجية من عمق الخلاف الشعبي. ويمكن تلخيص القراءة الصهيونية للمشهد عبر المحاور التالية:
أبدت الصحافة العبرية، ولا سيما صحيفة "معاريف"، اهتماماً كبيراً بخطة مصر لإجراء أول مسح جوي شامل منذ 40 عاماً للتنقيب عن الليثيوم والمعادن النادرة في سيناء والصحراء المصرية بالتعاون مع شركة إسبانية، وتنظر الأوساط الصهيونية إلى هذه المشاريع التنموية بوجل، لما تحمله من أبعاد لتعزيز القوة الاقتصادية والجيوسياسية المصرية.
هذا وتحذر تقارير عبرية، أبرزها ما نشره موقع "الصوت اليهودي"، من أن مصر تمثل "أكبر تحدٍ منذ 47 عاماً من السلام".
وتتحدث الأدبيات الصهيونية عن عقدة "السلام البارد"، حيث تعتبر أن الرفض الشعبي للتطبيع في مصر هو الأعلى استثنائياً مقارنة بالمحيط العربي، وحذر مراقبون من أن تجاهل المؤشرات الحالية والخطاب الإعلامي المصري (الذي يصف إسرائيل بالاحتلال والعنصرية) يشبه أخطاء التقدير الاستخباراتي التي سبقت أحداث 7 أكتوبر، واصفين الوضع الحالي بـ"برميل بارود" قابل للانفجار.
وشنّ كُتّاب ينتمون لتيار اليمين المتشدد، مثل موشيه فيستوخ، هجوماً حاداً على الأزهر الشريف وشيخ الأزهر، متهمين المؤسسة الدينية بأنها المحرك الأساسي لخلق ما سمّوه "الكراهية المؤسسية" وتغذية مشاعر العداء التاريخي لدى الشعب المصري تجاه إسرائيل.
النفط والمعادن النادرة كمصدر للقلق
ولطالما حظيت شبه جزيرة سيناء بمكانة حساسة في العقيدة الأمنية الصهيونية. ومن هنا، لم يكن مستغرباً أن تثير الخطط الاقتصادية المصرية الأخيرة انتباه الإعلام العبري الذي يربط دائماً بين التنمية الاقتصادية في سيناء وبين تعزيز السيادة والوجود المصري الحاشد هناك.
المسح الجوي الشامل
وسلطت صحيفة "معاريف" الصهيونية الضوء بشكل مكثف على إعلان وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية عن بدء تنفيذ أول مسح جوي تعديني شامل منذ أكثر من 40 عاماً، وأشارت الصحيفة إلى خطورة هذه الخطوة من وجهة النظر الاستراتيجية، حيث تسعى مصر عبر تعاقدها مع شركة "إكس كاليبر" الإسبانية إلى استخدام تقنيات جيوفيزيائية متطورة لرسم خرائط باطن الأرض وتحديد الثروات الكامنة.
وما يثير قلق الأوساط الاستثمارية والأمنية في تل أبيب هو تركيز المشروع المصري على استكشاف الليثيوم، والنيكل، والكوبالت، والجرافيت في مناطق تشمل سيناء والصحراء الشرقية والغربية، ترى التقارير العبرية أن امتلاك مصر لهذه الموارد الاستراتيجية -التي تُعد عصب الصناعات التكنولوجية الحديثة وبطاريات السيارات الكهربائية- سيحولها إلى مركز إقليمي للتعدين، ويرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي من 1% إلى 6%، مما يمنح الاقتصاد المصري استقلالية وقوة مرونة تثير حذر جيرانه.
محاولات التزييف التاريخي
في سياق متصل بالقلق من الثروات السينائية، تبرز محاولات من بعض الأوساط الاستخباراتية الصهيونية السابقة لإعادة صياغة التاريخ؛ حيث زعم مردخاي كيدار (الرئيس السابق لأحد فروع الوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الصهيونية) في تصريحات إعلامية أن الاحتلال هي من اكتشفت النفط في "رأس سدر" وأعطته للمصريين مجاناً بعد حرب 1967.
ورغم أن الحقائق التاريخية والوثائق الدولية تؤكد أن الحقل مكتشف منذ عام 1946 بواسطة شركات عاملة في مصر وأن استعادته تمت عبر اتفاقيات سياسية وعسكرية شرعية (اتفاق فض الاشتباك 1975 ومعاهدة السلام 1979)، إلا أن إثارة هذه الادعاءات في هذا التوقيت تعكس رغبة صهيونية في التقليل من شأن الجدارة الاقتصادية والسيادية المصرية على ثروات سيناء.
ثانياً: خطاب العداء و"أكبر تحدٍ منذ 47 عاماً من السلام"
تحت هذا العنوان العريض، تناولت منصات إعلامية عبرية متعددة تقارير تحذر من تحول "السلام البارد" مع مصر إلى خطر استراتيجي كامن، معتبرة أن الجبهة المصرية تمثل التحدي الأعمق طويل المدى لإسرائيل.
أخطاء "السابع من أكتوبر"
أجمعت عدة تقارير صهيونية على أن الاستخفاف بتصاعد نبرة الرفض داخل المجتمع المصري يُعد خطأً فادحاً. وذهبت هذه التقارير إلى الربط بين تجاهل المؤشرات الحالية في الشارع المصري وبين "أخطاء التقدير الاستخباراتي التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر".
وترى الأوساط الأمنية العبرية أن الرفض الشعبي التونسي أو المشرقي قد يكون سياسياً، لكن الرفض الشعبي في مصر ممتد وعميق، ومصحوب بتنامٍ ملحوظ في القوة العسكرية المصرية، مما يجعل أي تغير في المشهد السياسي الإقليمي بمثابة "مفاجأة استراتيجية" غير محسوبة لتل أبيب.
التوترات الجيوسياسية
ويرى المراقبون الصهاينة أن الحرب المستعرة في قطاع غزة والاضطرابات في البحر الأحمر أعادت التوتر بوضوح إلى السطح، ولم يعد الأمر مقتصراً على الأروقة المغلقة، بل انعكس في المنصات الإعلامية والثقافية المصرية التي باتت تستخدم مصطلحات صريحة لوصف الأفعال الصهيونية مثل "الإبادة الجماعية"، و"التطهير العرقي"، و"العصابات الصهيونية"، وهو ما يراه الصهاينة تحريضاً مباشراً مدعوماً بزخم شعبي عارم.
عقدة "الرفض الشعبي"
ويحتل الشارع المصري ومواقفه مكانة مركزية في التقارير العبرية التي تحاول فهم سبب فشل "التطبيع المجتمعي" رغم مرور عقود على توقيع معاهدة كامب ديفيد.
ونشر موقع "الصوت اليهودي" الصهيوني تقريراً مثيراً للجدل، زعم فيه أن المصريين يظهرون مستويات من "معاداة السامية" والكراهية للاحتلال لتفوق أحياناً ما يظهره الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية، ووصف الموقع هذه الحالة بأنها "كراهية مؤسسية" تتغذى عليها الأجيال الجديدة.
وانتقد الباحث الصهيوني إيدي كوهين تعمد وسائل الإعلام المصرية -بمختلف توجهاتها- تجنب استخدام اسم "إسرائيل" في كثير من التغطيات واللجوء إلى مصطلحات بديلة تشير إلى "الاحتلال" أو "الكيان".
وتزعم القراءات الصهيونية أن السلطات المصرية تتيح هامشاً واسعاً للإعلام والصحافة لتبني خطاب هجومي ضد الاحتلال كأداة سياسية لتفريغ الاحتقان الداخلي وتوجيه الغضب الشعبي نحو عدو خارجي تقليدي.
وخلصت تقارير "الصوت اليهودي" إلى أن استمرار هذا الشحن المعنوي والثقافي يحول اتفاقية السلام إلى غطاء واهٍ، ويجعل العلاقة أشبه بـ"برميل بارود" ينتظر شرارة الانفجار مستقبلاً إذا ما تلاقت العوامل السياسية والاقتصادية.
ولم يتوقف الرصد الصهيوني عند حدود الإعلام والسياسة، بل امتد ليتناول البنية الثقافية والدينية للمجتمع المصري، والتي تُعتبر الحصن المنيع ضد أي محاولات للتقارب.
وشن الكاتب الصهيوني اليميني المتشدد، موشيه فيستوخ، هجوماً عنيفاً ضد الجامع الأزهر الشريف وضد شخص شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، واتهم فيستوخ هذه المؤسسة الإسلامية العريقة بأنها المصدر الأساسي لتثبيت وتأصيل "كراهية الإسرائيليين" في وجدان الشعب المصري والعربي.
وينبع هذا الهجوم من المواقف العلنية الصارمة للأزهر الشريف الداعمة للقضية الفلسطينية، وإصداراته وبياناته التي تصف الممارسات الصهيونية بالعنصرية والاحتلال الاستيطاني غير الشرعي. وترى النخبة اليمينية في إسرائيل أن النفوذ الروحي للأزهر يمتد ليفسد كل الجهود الدبلوماسية التي بُذلت على مدار عقود لدمج الاحتلال في المنطقة.
الاستفزاز الميداني
في مقابل الخوف الاستراتيجي من المشاريع التنموية والتسليح، تمارس بعض الشخصيات الصهيونية نوعاً من الاستفزاز الإعلامي الموجه للداخل المصري لجس النبض أو لإثارة الجدل حول طبيعة الأمن في سيناء.
وبرزت في هذا السياق تصريحات الباحث الصهيوني إيدي كوهين التي أعلن فيها عبر منصات التواصل الاجتماعي أنه يعتزم زيارة شبه جزيرة سيناء بغرض التنزه والاستجمام، محملاً السلطات المصرية بشكل استباقي المسؤولية الكاملة عن سلامته وعن أي مكروه قد يتعرض له.
أبعاد أمنية
وتحاول تل ابيب إحراج القاهرة وإظهار سيناء وكأنها منطقة تحتاج إلى ضمانات أمنية خاصة للسياح الصهيونيين. مع تسليط الضوء على حجم الرفض الشعبي التلقائي الذي يواجهه أي مواطن إسرائيلي بمجرد تفكيره في التغلغل داخل المجتمع المصري، مما يثبت مجدداً أن سيناء، رغم الاتفاقيات، تظل أرضاً تلفظ التطبيع بمختلف أشكاله.
وتُجمع القراءات العبرية المتواترة -سواء الصادرة عن صحف كـ"معاريف" أو منصات يمنية متطرفة كـ"الصوت اليهودي"- على أن مصر تظل "العقدة المستعصية" في ملف العلاقات الخارجية الصهيونية.
وتحويل الصحراء المصرية وسيناء إلى ورشة عمل للمسح الجيولوجي والتنقيب عن ثروات المستقبل كـالليثيوم، بالتوازي مع تمسك المؤسسات الدينية كالأزهر والإعلامية بخطابها القومي، يجعل إسرائيل تنظر بحذر شديد إلى الغد، موقنة بأن معاهدة السلام لم تفلح في زحزحة العقيدة الشعبية المصرية المناهضة للاحتلال، وأن سيناء ستبقى دائماً عمقاً استراتيجياً مصرياً غير قابل للاختراق.