في ظل ظرف دولي معقد وواقع داخلي بائس تمر مصر بأيام عصيبة قد تضطرها لعدم الوفاء بالتزاماتها الدولية والتي ما تأخرت عنها يوما، فقد حافظت الدولة المصرية على نقاء صفحتها على مدى تاريخها فكانت تسدد ديونها في موعدها، ولكن تحت حكم المنقلب ضاقت أمامها فرص الوفاء بسبب ضخامة مبالغ، كشفت بيانات البنك الدولي، أن الالتزامات الخارجية على مصر خلال الأشهر المتبقية من العام الجاري، والمتمثلة في سداد أقساط القروض وفوائدها، تبلغ 38.65 مليار دولار.
دخلت مصر دوامة الاقتراض لتسديد الاقتراض، وهو نفق لا مخرج منه إلا بإصلاح هيكلي حقيقي يشمل القطاعات الإنتاجية والزراعية والصناعية والضريبية"، مؤكدا أن "هذا الإصلاح يتطلب تقليص دور الجيش بالاقتصاد وفتح المجال للقطاع الخاص الحقيقي، وهي معادلة سياسية شديدة الحساسية لا تبدو الإرادة السياسية مهيأة لها حتى الآن.
وأظهرت البيانات وجود 34 مليار دولار كأقساط ديون، و4.64 مليارات دولار كفوائد، و12.7 مليار ودائع خليجية بالبنك المركزي المصري، كاشفة عن وجوب سداد 16 مليار دولار بالربع الثاني، و10.6 مليارات دولار بالربع الثالث، و12 مليار دولار بالربع الأخير السنوات الماضية، خاصة بعد تسجيل الديون الخارجية والداخلية أرقاما تاريخية غير مسبوقة وبلوغ الدين العام المصري يبلغ نحو 377.8 مليار دولار.
وهي الأزمات التي دفعت بحكومة الانقلاب إلى اتخاذ قرارات تقشفية أضرت بملايين المصريين، مع رفع سعر الوقود والغاز بين 14 إلى 30 بالمئة، إلى جانب أسعار ركوب القطارات ومترو الأنفاق، ما فاقم معدلات التضخم بالبلاد إلى 15.2 بالمئة مارس الماضي، في ظل موجة غلاء شملت أغلب السلع والخدمات.
دعوات اسقاط ديون مصر
وفي ظل هذه الأوضاع أطلق الإعلامي المصري سعودي الجنسية عمرو أديب دعوة، تطالب بإسقاط دول العالم وبينها مصر العرب والمؤسسات الدولية المقرضة كصندوق النقد والبنك الدوليين، الديون المصرية، على غرار إسقاط "نادي باريس" عام 1991 نحو 43 مليار دولار مستحقة على مصر عقب مشاركتها في حرب تحرير الكويت.
وأضاف "ننتظر أن يأتي مؤتمر بباريس أو لندن، وتتفق الدول على إعفاء مصر من الديون"، مضيفا: "مصر تحتاج معجزة كما حدث أيام الرئيس حسني مبارك"، محذرا من أوضاع قاسية تواجه المصريين حتى بعد نهاية "حرب إيران."
توقف الدعم الخليجي
يقابل دعوة أديب، إحجام خليجي عن رغبة مصر في الحصول على دعم مالي جديد، على غرار ما حصل عليه رئيس النظام عبد الفتاح السيسي، -بين 50 و100 مليار دولار، وفق تقديرات مختلفة- من السعودية والإمارات والبحرين والكويت عقب انقلابه على الرئيس الراحل محمد مرسي، منتصف 2013 .
ويشير مراقبون إلى "احتمالات غلق باب الدعم الخليجي ولو مرحليا وتجميد الاستثمارات بمصر، في إطار توجه خليجي نحو إعادة التسليح العسكري، والبحث عن طرق بديلة لتصدير النفط والغاز، وإصلاح ما هدمه القصف الإيراني، وتوجيه الاستثمارات لمشروعات الداخل"، ملمحين إلى إعلان الصندوق السيادي السعودي الأسبوع الماضي، توجيه جميع استثماراته بالمرحلة المقبلة للداخل السعودي.
الدعم لباكستان واللوم لمصر
وفي إشارة إلى فقدان مصر إحدى منابع الدعم الخليجي، يأتي إعلان السعودية الخميس الماضي، إمداد باكستان بـ 3 مليارات دولار كوديعة مع تجديد وديعتها القائمة لدى المركزي الباكستاني (5 مليارات دولار)، تقديرا للدور الباكستاني في الأزمة، ما يقابله توجيه اللوم لمصر، حالة فتور علاقات الإمارات ومصر، والتي تحاول القاهرة استعادة وهجها بتسليم 13.8 ألف فدان من أراضي مشروع رأس الحكمة بالساحل الشمالي لشركة "مدن" الإمارتية لإرضاء أبوظبي.
وتعددت النوافذ المغلقة أمام حكومة الانقلاب للحصول على دعم مالي جديد، يتحدث البعض عن عدم التفات الإدارة الأمريكية إلى طلب وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو 26 مارس الماضي، دعما ماليا عاجلا بسبب تبعات "حرب إيران.
تعثر ملف الطروحات
وبينما يرى خبراء أنه لم يعد أمام القاهرة لتوفير أقساط وفوائد الدين الخارجي حتى تظل صفحة مصر بيضاء ودون تعثر بالسداد إلا ملف الطروحات العامة؛ إلا أنه ملف يشهد تعثرا بشكل لافت وخاصة مع تفجر "حرب إيران"، وما تبعها من هجوم إماراتيين وكويتيين وسعوديين على مصر يكشف عن إحجام خليجي محتمل عن ملف شهد سباقا سعوديا إماراتيا بأعوام (2022 و2023 و2024)
حكومة الانقلاب كانت تستهدف جمع 6 مليارات دولار بعام مالي واحد، لكن ركود ملف الطروحات وتراجع رغبة المستثمرين دفعاها لتقليل مستهدفاتها إلى نحو 4.5 مليار دولار فقط بالسنوات الثلاث المقبلة.
ولا يعول الخبراء على تحسن معدلات النمو في تقليل أزمة الديون؛ خاصة مع تخفيض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري بالعام المالي الحالي إلى 4.2 بالمئة مقارنة مع 4.7 بالمئة في يناير الماضي..
دعوة عاطفية
في إجابته على سؤال هل تجد دعوات إسقاط ديون مصر صدى دوليًا؟، تحدث الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور علي شيخون، راصدا الاحتمالات القائمة وكاشفا عن أوراق النظام المصري في هذا الملف، وخططه المحتملة في مواجهة توقف الدعم الخليجي.
قال: إن "تلك الدعوات لن تجد لها صدى دوليا"، مضيفا: "وعلى الأرجح لن تجد في المدى المنظور لعدة أسباب بنيوية أهمها أن إسقاط الديون عام 1991 كان استثناءً تاريخياً نادراً جاء مكافأة سياسية صريحة على مشاركة مصر بحرب الخليج. وآنذاك قدمت خدمة استراتيجية تمثلت بدعم عسكري وسياسي مباشر مقابل الإعفاء، أما اليوم فلم تقدم خدمة مماثلة توازن قيمة ديون تبلغ نحو 164 مليار دولار".
ويرى أن "دعوة عمرو أديب عاطفية أكثر منها ورقة ضغط حقيقية، ولا أظن أنها تمثل توجهاً سعودياً رسمياً، فالرياض اليوم لديها أولوياتها التنموية الضخمة في (رؤية 2030)، ولا تميل لسياسة شيكات الدعم المباشر كما في الماضي متابع المجتمع الدولي لم يعد يستخدم أداة الإسقاط، بل تحول إلى إعادة الجدولة والتمديد ومبادلة الديون بالاستثمارات، موضحا أن "الدائنين الرئيسيين (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، دول الخليج)، لكل منهم مصالحه الخاصة، ولا أحد يميل لمحو الدين مجانًا.
وعن "أوراق النظام المصري الجديدة بعد استنزاف الأوراق التقليدية"، قال شيخون: "الأوراق القديمة مثل محاربة الإرهاب والاستقرار الإقليمي وورقة سيناء قد تآكلت بدرجات متفاوتة؛ وما تبقى من أوراق حقيقية يمكن حصرها في 5 أوراق, لافتا إلى أن أولها "ورقة اللاجئين"، الأكثر فاعلية حالياً، إذ تستضيف مصر الملايين من السودان وسوريا وليبيا واليمن وتستطيع التلويح بعدم القدرة على الاحتواء، وهو ما يهدد أوروبا مباشرة بموجات هجرة جديدة.
وثانيا: "ورقة قناة السويس" مبينا أنها موجودة وإن تراجعت إيراداتها بسبب توترات البحر الأحمر، لكنها تبقى شرياناً ملاحياً عالمياً لا يمكن تجاهله"، ملمحا ثالثا إلى "ورقة التموضع بين الكتل الكبرى"، مؤكدا أنه "يمكن أن يتم بالتلويح بالتقارب مع الصين وروسيا أو مع أوروبا حسب من يدفع أكثر، لكنها ورقة ضغط وليست خيار استراتيجي حقيقي.
وأضاف الخبير الاقتصادي "وتبقى الورقة الرابعة والأثقل وزناً في المشهد أن مصر أكبر من أن يُسمح بانهيارها؛ فلا الإقليم ولا المجتمع الدولي يتحمل تداعيات انهيارها الاقتصادي"، مستدركا: "لكن المفارقة المُرّة أن هذه القوة التفاوضية تُبنى على هشاشة الداخل ويُسدّد فاتورتها المصريون من معيشتهم اليومية، وخامسا أشار إلى "ورقة التطبيع مع إسرائيل"، لكنه بين أن "فاعليتها منخفضة حالياً، لأن إسرائيل بعد (حرب غزة) وتآكل الدعم الشعبي للاحتلال عالمياً لم تعد الورقة الرابحة بواشنطن كما كانت.
وقال شيخون: إن "الخليج لم يجفف بالكامل لكنه تحول من المنح المجانية للاستثمارات المقابلة بالأصول"، ملمحا إلى أن "صفقة رأس الحكمة مع الإمارات بقيمة 35 مليار دولار خير مثال"، مضيفا: "ومع ذلك فالإحساس بالإحجام الخليجي عن الدعم المباشر أصبح واقعاً معترفاً به".
ويرى أنه أمام هذه المعطيات قد يتحرك الدولة على 4 مسارات متوازية"، مشيرا إلى أن "المسار الأول، يتمثل بالتقشف الداخلي الأكثر إيلاماً للمواطن، وسيشمل مزيداً من التعويم الجزئي للجنيه، ورفع الدعم عن السلع والطاقة، وتنفيذ إصلاحات شكلية إرضاءً لصندوق النقد مقابل شرائح التمويل، مع تحميل المواطن الفاتورة الأكبر عبر ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية"، مبينا أن "التوجيه الرئاسي الأخير كان واضحاً: "ترشيد الإنفاق وخفض الدين"، أي أن الداخل بدأ يتحمل العبء الأكبر".
يتمثل المسار الثاني، وفق رؤية شيخون في "بيع الأصول؛ وهو خط أحمر تم تجاوزه تحت الضغط"، متوقعا أن "تستمر خصخصة الشركات والأصول الحكومية، وربما يشمل حصصاً بشركات الجيش، مع طرح أصول مملوكة للدولة بالبورصة أو بيعها لصناديق استثمار خليجية وأوروبية"، ملمحا لاحتمال "تحويل الديون لاستثمارات عبر آليات مبادلة الديون، حيث يوافق الدائن على إسقاط جزء من الدين مقابل تنفيذ مشروعات أو امتلاك أصول مصرية".
"التنويع في الدائنين والتموضع الدولي هو المسار الثالث"، الذي وصفه الخبير الاقتصادي بـ"الجريء"، لافتا إلى أنه "في خطوة غير مسبوقة تم انتخاب مصر رئيساً لمنصة (نادي المدينين) التي أطلقتها الأمم المتحدة؛ وهذا يعني أنها لم تعد تطلب المساعدة كدولة منفردة، بل تقود كتلة دول الجنوب العالمي للتفاوض الجماعي على إعادة هيكلة الديون الدولية".
ويرى أن "هذا التحول يحول مصر من طالب مساعدة إلى صانع قواعد، إلى جانب ذلك تسعى مصر للتقارب مع الصين وروسيا كورقة ضغط على الغرب، مع تعزيز الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي أسفرت عن حزمة تمويل بقيمة 5 مليارات يورو في (2024-2026)".
وتحدث الخبير الاقتصادي عن "التهدئة الداخلية لتحسين الصورة أمام الغرب"، كمسار رابع: "يشمل الإفراج عن بعض المعتقلين البارزين لإظهار مرونة أمام الغرب وتحسين مناخ حقوق الإنسان لفتح شهية الدعم السياسي والاقتصادي الأوروبي، مع إدارة المشهد الإعلامي داخلياً لتخفيف الاحتقان الشعبي".
".