رغم إعلان حكومة الانقلاب عن بدء التطبيق الفعلي للحد الأدنى الجديد للأجور المقدر بـ8000 جنيه خلال شهر يوليو المقبل، إلا أن رفع أسعار الوقود والكهرباء والأزمات الداخلية والخارجية التي لا تتوقف تشير إلى أن هذه الزيادة لا قيمة لها وأن الحكومة تستنزف المواطنين قبل الزيادة وسوف تواصل الاستنزاف بعدها، ما يعني مزيدا من التضخم وتراجع القدرة الشرائية وركود الأسواق .
الخبراء اعتبروا أن الزيادات الأخيرة في أسعار البنزين والسولار لم تكن مجرد أرقام تتغير على لوحات المحطات، بل كانت بمثابة "خصم مسبق" من ورقة الـ8000 جنيه قبل أن تصل إلى جيوب المواطنين.
بينما استقبل الشارع المصري الحد الأدنى الجديد بـ "عملية حسابية معقدة"، فالمبلغ الذي قد يكفي بالكاد شابًا غير متزوج، يقف عاجزًا أمام متطلبات أسرة، أو روشتة مريض، أو حلم شاب بالزواج، لا سيما أن الكثير من الشركات الخاصة لا تطبق الحد الأدنى للأجور.
لن تكفي لآخر الشهر
حول هذه المأساة قال محمد أحمد (58 عامًا)، موظف بإحدى الشركات بالقاهرة : "إنني أعوّل أسرة من خمسة أفراد، وأعاني من انزلاق غضروفي يتطلب علاجًا شهريًا".
وأضاف أحمد : أنفق 900 جنيه على العلاج، و3000 جنيه للفواتير الأساسية، ونحو 6000 جنيه للطعام كحد أدنى، هذا دون حساب أي طوارئ أو مواصلات .
وأكد أنه حتى بعد تطبيق الحد الأدنى، الـ8000 جنيه لن تكفي لآخر الشهر، بل ستتبخر في أول 15 يومًا، رغم لجوئي المستمر للجمعيات لسد العجز .
إجمالي الحسبة
وقالت نسرين محروس (47 عامًا)، محاسبة وأرملة: إنني "أخوض معركة لتوفير الاحتياجات الأساسية بمفردي لإعالة ثلاثة أبناء ".
وأوضحت نسرين محروس أن نفقاتها الشهرية تتوزع على : 1500 جنيه فواتير، 4500 جنيه تعليم، 3000 جنيه مواصلات، و6000 جنيه طعام.
وأشارت إلى أن إجمالي “الحسبة” يتجاوز 15 ألف جنيه شهريًا، مؤكدة أنها لا تتقاضى الـ8000 جنيه من الأساس، وحتى لو حصلت عليها، فإنها لا تمثل سوى نصف احتياجات بقاء أسرتها على قيد الحياة.
حائط سد
وقال يوسف حسام (24 عامًا)، مهندس حديث التخرج: إنه "يقف أمام حائط سد، موضحا أنه رغم كونه أعزبا، تستهلك المواصلات وحدها 1500 جنيه من راتبه، بينما يقتطع 5000 جنيه لـ"جمعية شهرية" أملًا في تأمين مستقبله، ليجد نفسه مضطرًا للاعتماد على والده لاستكمال مصروفاته الشخصية ".
وأكد حسام أن الحد الأدنى قد يسيِّر الحياة اليومية، لكنه لا يبني مستقبلًا.
موجات الغلاء
ولخصت سهام (44 عامًا)، مساعدة شيف بدار مسنين ومطلقة تعول طفلين، أزمتها في "القوة الشرائية" وليس في الرقم نفسه الذي أعلنته حكومة الانقلاب حدًا أدنى للرواتب .
وقالت سهام : "الـ8000 جنيه رقم جيد ومناسب جدًا لو استقرت الأسعار، لكن موجات الغلاء المستمرة، والفواتير وتكاليف الأكل ومصاريف الأبناء تلتهم أي دخل ثابت ".
راتب يكفي الاحتياجات
وأكد عاطف أحمد (39 عامًا)، صاحب شركة مقاولات، أن مبلغ الـ 8000 جنيه لم يعد يؤسس بيتًا .
وقال أحمد : "إذا لم يشعر العامل أن راتبه يوازي جهده ويكفي احتياجاته، فإنه بكل تأكيد سيبحث عن بديل، معتبرا أن بقاءه في وظيفة لا تكفيه ظلمٌ لنفسه قبل أن يكون ظلمًا من صاحب العمل".
فواتير ومصروفات
وقال الخبير الاقتصادي، مصطفى بدرة : إن "تحديد الـ8000 جنيه هو حسبة مالية لوزارة مالية الانقلاب لضبط باب الأجور في الموازنة، وليس معيارًا لقدرة المواطن الشرائية".
وشدّد بدرة في تصريحات صحفية على أن الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين والسولار والكهرباء تبتلع أي زيادة في الراتب تلقائيًا، مشيرًا إلى أن خفض الأسعار ليس بقرار إداري، بل مرتبط بمدخلات الإنتاج، وعلى رأسها الوقود.
وأكد أن الرقابة وحدها لا تكفي، ومن الضروري وجود سياسات تخفِّض تكلفة الإنتاج، وإلا سيدفع المواطن زيادة راتبه في صورة فواتير ومصروفات إضافية دون أن يلمس تحسنًا حقيقيًا .
خلية إنتاج
وقالت الدكتورة سوسن فايد أستاذة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن "أي زيادة تخلق شعورًا مبدئيًا بالتفاؤل، لكن هذا الشعور سرعان ما يتحطم على صخرة الأسعار اليومية وجشع بعض التجار".
وأشادت سوسن فايد في تصريحات صحفية بـ"المرونة الفائقة" للمواطن المصري وقدرته التاريخية على التكيُّف مع الأزمات وصنع بدائل للتعايش، لافتة إلى أن احتياجات الأعزب تختلف جذريًا عن رب الأسرة، ما يجعل رقم 8000 جنيه متغيرًا في قيمته الفعلية من شخص لآخر.
وطالبت بضرورة زيادة الدعم المباشر أو السلع المخفضة التي توفرها دولة العسكر من أجل تخفيف العبء عن المواطنين موضحة أن الحل الجذري والوحيد لحماية الحد الأدنى للأجور من التآكل، هو تحويل المجتمع لخلية إنتاج، لأنه كلما زاد الإنتاج، استقرت الأسعار، وعادت للراتب قيمته الحقيقية .