انكشاف شماعة الحرب بعد توقفها واستمرار موجة ارتفاع الأسعار في مصر
كشفت الهدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، أن الأزمة الاقتصادية في مصر أعمق من مجرد تداعيات حرب إقليمية، بعدما استمرت موجة الغلاء في التهام دخول المواطنين دون أي تباطؤ يُذكر، لتسقط عملياً "شماعة الحرب" التي طالما استخدمتها الحكومة لتبرير انفلات الأسعار.
فبدلاً من أن تلتقط الأسواق أنفاسها مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وجد المصريون أنفسهم أمام واقع أكثر قسوة، حيث تواصلت زيادات الأسعار بوتيرة متسارعة، وكأن شيئاً لم يتغير على المستوى الإقليمي.
الغلاء مستمر رغم توقف التصعيد
ومع دخول شهر أبريل 2026، اتسعت دائرة الضغوط المعيشية مع استعداد الحكومة لتمرير زيادات جديدة، شملت التلويح برفع أسعار خدمات الاتصالات والإنترنت، في وقت كانت فيه التوقعات الشعبية تراهن على انفراجة مع هدوء التوترات.
غير أن ما حدث فعلياً كان العكس تماماً، إذ بدت الأسواق وكأنها تعمل بمعزل عن أي متغيرات خارجية إيجابية، ما عزز قناعة متزايدة بأن جذور الأزمة داخلية، مرتبطة بسياسات اقتصادية فاشلة، لا بعوامل طارئة فقط.
قرارات حكومية تعمّق الأزمة
وجاءت قرارات رفع أسعار الوقود بنسبة تراوحت بين 15% و22% لتشكل نقطة تحول جديدة في موجة الغلاء، حيث انعكست مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، لتشعل سلسلة متواصلة من الزيادات في مختلف السلع والخدمات.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، إذ تبعتها زيادات حادة في أسعار الكهرباء، وصلت في بعض الأنشطة التجارية إلى 91%، إلى جانب رفع أسعار تذاكر السكك الحديدية ومترو الأنفاق بنسبة بلغت 25%، ما فاقم الأعباء على المواطنين.
وبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، سجل التضخم الشهري في مارس ارتفاعاً بنسبة 3.3%، مدفوعاً بشكل رئيسي بزيادة أسعار المحروقات، وهو ما يعكس تأثير القرارات الحكومية المباشر على وتيرة الأسعار.
اقتصاد مأزوم لا حرب
ويرى مراقبون أن استمرار موجة الغلاء رغم تراجع حدة التوترات الإقليمية يؤكد أن الأزمة الاقتصادية في مصر ذات طابع "هيكلي"، نتيجة اختلالات عميقة في إدارة الاقتصاد، وليس فقط بسبب صدمات خارجية مؤقتة.
كما أن لجوء الحكومة إلى رفع الأسعار بشكل متكرر لسد فجوات التمويل، يعكس ضيق الخيارات أمامها، في ظل تراجع الإيرادات وارتفاع تكلفة الاستيراد، خاصة في قطاع الطاقة.
### المواطن يدفع الثمن
على الأرض، تحولت هذه السياسات إلى ضغوط يومية خانقة، حيث لم يعد الغلاء يقتصر على فئة بعينها، بل امتد ليشمل مختلف شرائح المجتمع، بما في ذلك الطبقة المتوسطة التي باتت تواجه تآكلاً سريعاً في قدرتها الشرائية.
فبينما يشكو العاملون في القطاعات الرقمية من تهديد ارتفاع تكلفة الإنترنت لمصادر دخلهم، يواجه أصحاب المهن البسيطة زيادات متلاحقة في تكاليف التشغيل دون قدرة حقيقية على تعويضها.
وفي المنازل، أصبحت فواتير الكهرباء تمثل عبئاً ثقيلاً، يدفع بعض الأسر إلى تقليص استهلاكها إلى الحد الأدنى، دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على قيمة الفواتير.
تضخم هيكلي يهدد الاستقرار
ويحذر خبراء من دخول الاقتصاد المصري مرحلة "التضخم الهيكلي"، حيث تؤدي كل زيادة في مدخلات الإنتاج إلى موجات تضخمية متتالية، ما يضعف القدرة الشرائية ويهدد بحدوث ركود تضخمي.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الهدنة الإقليمية بلا تأثير يُذكر على حياة المواطنين، بينما تتزايد المؤشرات على أن جذور الأزمة تكمن في الداخل، مع استمرار سياسات اقتصاد