حملات ترشيد الاستهلاك عبر المشاهير… مراقبون: فجوة ثقة بين الفنانين ومعاناة الناس اليومية

- ‎فيتقارير

بدلًا من الاعتراف بوجود مشكلة بنيوية، يُعاد إنتاج الأزمة في شكل “حملة توعية” تشبه الحملات الإعلانية، وبحسب مراقبين يعتبر ذلك تحويل للأزمة إلى منتج إعلامي، لا إلى موضوع للنقاش العام.

وبعض التعليقات الإعلامية أو شبه الإعلامية تستدعي الماضي لتبرير الحاضر أو لإعادة صياغة الشعور العام كاستخدام الماضي كأداة لإقناع الجمهور بأن “الأزمة طبيعية” أو “أفضل من غيرها”، أو لإظهار أن “الدولة كانت أقوى سابقًا”، ما يخلق شعورًا بالانحدار أو الفقد.

المواطن مسؤول عن الأزمة

وشارك فنانون ولاعبو كرة قدم في مبادرة "طفي النور اللي مش محتاجه" لتوعية المواطنين بضرورة ترشيد استهلاك الكهرباء، بالتزامن مع قرار الحكومة تعديل مواعيد غلق المحال التجارية والمنشآت الاقتصادية إلى الساعة 11 بدلا من الساعة التاسعة لمواجهة أزمة الطاقة التي تعاني منها البلاد.

وعندما يخرج أحمد العوضي أو سيد رجب أو ريهام عبدالغفور ليقولوا للمصريين: "لو سمحتم أي حد سايب نور أوضة ومش قاعد فيها يقوم يطفيه"، فإن الخطاب بحسب المراقبين يخدم حكومة السيسي في ترويج فكرة أن المواطن هو أصل المشكلة، والمواطن هو الحل.

وفي مقابل العوضي وفريق من الفنانين، يتكشف لدى الناس ردّ فعل بفجوة ثقة تتسع، وعن وعي بأن الخطاب لا يقدّم الحقيقة بل يقدّم مخرج حكومي يحول الأزمة التي يصنعها إلى إعلان يحكم فيه على الفنان "غلس" أم غير ذلك.

وفي مضان فاجئ الفنان وعضو مجلس شيوخ العسكر ياسر جلال بقوله: "في حد بره عمال ينشر الفتن على السوشيال ميديا وعمّال يكره الناس في عيشتها وقوتهم الناعمة ونجومهم" رغم أن شقيقه حوّل برنامجه الرمضاني إلى تحرش على الهواء وأمام الكاميرات وفي رمضان.

وهو ما لمسه حساب حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats مما صرّح به مصدر بوزارة الكهرباء عن دراسة مقترح جديد يهدف إلى ضبط استهلاك الطاقة، من خلال تحديد حد أقصى شهري لاستهلاك الكهرباء يتم توزيعه على عدد أيام الشهر.

واستهدف "إلزام المواطنين بالاستخدام ضمن معدلات يومية محددة، بما يضمن عدم تجاوز الحصة الشهرية المقررة، وذلك في إطار استراتيجية الدولة لترشيد استهلاك الطاقة وتحقيق كفاءة الاستخدام".

وتساءل "في حال نفاذ النسبة المحددة شهريا قبل انتهاء الشهر هل سيتم قطع الكهرباء عن المواطنين ؟". وهي مقترحات تحمل المواطن المسؤولية وعواقب الخطأ الرسمي.

وبحسب @7adasBelfe3l بات المطلوب من الشعب ".. 24 ساعة، لمدة 7 أيام في الأسبوع، 30 يوما في الشهر ، 365 يوما بالسنة، أن يعمل حتى الموت ، ينتحر في صمت ، يجوع في هدوء ، يسرق لو استطاع ، يقتل إن أمكن ، يفسد  في كل لحظة.. ".

وأشار إلى أن ذلك "فقط لتحسين حياة الدبورة ساكن الاتحادية وحاشيته ، هو تطرف إعلامي وفساد نظام يجب بتره." معتبرا رحيل السيسي في مساواة مع رحيل الراقصة "الغازية لازم ترحل.".

وقالت رانيا الخطيب @ElkhateebRania : "الفنانون والمشاهير اللي طالعين مع وزارة الكهرباء والمتحدة عشان يوعظوا الناس لترشيد الكهرباء في حملة ملهاش أي لازمة، ومفيش ليهم رصيد عند الناس عشان يوعظونا ومعظمهم مش طايقينه وكبيرهم مسلسل، ولما يخلص بننسى قصته كانت إيه، وياريت توفروا مصاريف الحملة وكفاية البذخ اللي عملتوه في رمضان".

@Masdar_Masr

القدوة المعكوسة

وينتقل الحقوقي هيثم أبوخليل @haythamabokhal1 إلى جانب آخر من الحملة التي تمولها وزارة المالية بحكومة السيسي، فوزير المالية أحمد كوجك بعدما عمل فيديو التوعية بأن تُطفئ الكهرباء وتفتح الشبابيك لترشيد الاستهلاك  نزل من مكتبه وركب  سيارة الوزارة المرسيدس السوداء S 500 بسعر 12,300,000 جنيه وبرفقة ..

سيارة أمامية: تويوتا فورتشنر بسعر  3,700,000 جنيه  .. وخلفية: تويوتا لاند كروزر بـ8,000,000جنيه..

https://x.com/haythamabokhal1/status/2043430948599926955

وعلق مراقبون أن التناقض بين الرسالة والسلوك يصبح جزءًا من المشهد الإعلامي نفسه، هنا لا يعود الخطاب مجرد دعوة للترشيد، بل يتحوّل إلى مادة للسخرية، لأن القدوة التي يُفترض أن تُقنع الناس لا تعيش الظروف نفسها التي يُطلب من الجمهور التأقلم معها، هذا التناقض يُفقد الخطاب مصداقيته، ويحوّل أي حملة توعية إلى عبء على صورتها بدل أن تكون وسيلة إقناع.

وهو ما اتفق معه أبو دانتي – ماجد الحربي @AboDantee من إعلان "كجوك" يطلب من الناس ترشيد استهلاك الكهرباء، ويقول بدل اللمبات اكتفوا بنور الشمس" معلقا "كيف اضمحل وتلاشى دور مصر بالشرق الأوسط، فرغم حدّة الأحداث ما تجد من مصر إلا تطفية اللمبات والكهرباء.. أيام حسني مبارك وقبله كان لمصر ثقل كبير، بس تلاشى".

https://x.com/AboDantee/status/2043403515331006577

وكتب الصحفي الكويتي سعد العجمي تعليقا عبر @saadal3jmi "الشعب المصري شعب بسيط بُلي بإعلام نصاب امتهن الفهلوة و الكذب والتدليس على  الغلابة، مستغلاً عواطفهم وجهل بعضهم ومستعيناً بلجان غبية مدفوعة الثمن  للتغطية على فشل الساسة وتردي أوضاع البلد ، والأزمات التي تمر بها بلادهم  والتي تنتظرها في المستقبل القريب والبعيد، وفق مبدأ " داري على مشكلتك " وليس " حل مشكلتك " فعند كل أزمة  غاز أو كهرباء أو نفط أو ديون مستحقه يطلق ذلك الإعلام واللجان أبواقها للكذب على المواطنين باكتشافات وأخبار لا وجود لها".

https://x.com/saadal3jmi/status/2043434359454101511

وذلك بمثابة انتقاد للخطاب الذي يجمّل الواقع ويُلبسه ثوب الأخلاق، عندها يصبح الاعتراض نقصًا في الوطنية، ويصبح الصمت فضيلة.

ولذلك يرى الأكاديمي والكاتب عمار علي حسن  @ammaralihassan أنه "من أسوأ الوظائف التي تقوم بها «دولة» ما عبر التاريخ الإنساني كله، أن تجعل فقيرًا أو معدمًا يقاتل بضراوة فقيرًا أو معدمًا مثله في سبيل مصلحة من يمصون دماء الاثنين، ويسرقون أموالهما، أو يطمعون في ثروات بلدهما، إنه مشهد قبيح جدًا هجاه بحق المفكرون والأدباء والفنانون في كل زمان ومكان.".