تعثر بيع محطة رياح استراتيجية يضع حكومة السيسي أمام مأزق اقتصادي وسياسي

- ‎فيتقارير

 

تجميد صفقة "جبل الزيت".. تعثر جديد يكشف ارتباك إدارة الأصول

 

التمويل الدولي يقيد قرارات البيع.. وخيارات مكلفة تنتظر القاهرة

 

في تطور يعكس عمق الأزمة التي تواجهها الحكومة المصرية، تعثرت صفقة بيع محطة "جبل الزيت" لطاقة الرياح، أحد أبرز الأصول الاستراتيجية في قطاع الكهرباء، بعد وصولها إلى مراحل متقدمة من التفاوض مع مستثمر إماراتي. الصفقة، التي كانت تُسوّق باعتبارها نموذجاً لجذب العملة الصعبة، تحولت إلى دليل جديد على محدودية قدرة الحكومة على تنفيذ برنامج الطروحات، حتى في أكثر الأصول جاذبية.

 

بحسب مصادر مطلعة، فإن الاعتراضات التي قادتها مؤسسات تمويل أوروبية، على رأسها شركة سيمنز وبنك التنمية الألماني، لم تكن مجرد ملاحظات فنية، بل كشفت خللاً جوهرياً في طريقة إدارة الحكومة للملف. إذ اصطدمت مساعي البيع بشروط تمويل ميسرة صُمم المشروع على أساسها كمرفق تنموي، لا كأصل تجاري قابل للتخارج وتحقيق أرباح سريعة منه.

 

بيع تحت الضغط أم سوء تقدير؟

 

الصفقة التي قُدرت بنحو 420 مليون دولار تثير تساؤلات واسعة، خاصة إذا ما قورنت بتكلفة إنشاء المشروع التي تتجاوز 1.6 مليار دولار. هذه الفجوة الكبيرة تعزز الانطباع بأن الحكومة تتحرك تحت ضغط أزمة العملة الأجنبية، ما يدفعها إلى القبول بتقييمات منخفضة لأصول استراتيجية.

 

الأزمة لا تتوقف عند سعر البيع، بل تمتد إلى طبيعة الالتزامات المصاحبة. فالمشروع ممول بقروض طويلة الأجل منخفضة الفائدة، ستظل الدولة ملتزمة بسدادها حتى بعد التخارج، ما يعني عملياً نقل أصل منتج إلى مستثمر جديد، مع بقاء الأعباء على كاهل الخزانة العامة. هذا النموذج يطرح تساؤلات حول جدوى البيع من الأساس، إذا كانت الدولة ستفقد الإيرادات وتحتفظ بالديون.

 

قيود التمويل تكشف حدود "الخصخصة"

 

اعتراض الممولين الدوليين يعكس حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها في الخطاب الرسمي: ليس كل أصل حكومي قابلاً للبيع. فالاتفاقيات الموقعة مع جهات التمويل تمنحها حق الاعتراض على تغيير طبيعة المشروع أو نقل ملكيته، خاصة إذا كان ذلك سيحوّله من خدمة عامة إلى استثمار ربحي.

 

هذا القيد يضع الحكومة أمام خيارين كلاهما مكلف: إما التراجع عن الصفقة والإبقاء على الأصل، أو إعادة هيكلة التمويل بشروط تجارية أكثر قسوة، تشمل رفع الفائدة وتقليص آجال السداد، ما قد يحول المشروع من مصدر طاقة منخفض التكلفة إلى عبء مالي إضافي.

 

ارتباك في التوقيت وتضارب في الأولويات

 

يأتي هذا التعثر في توقيت بالغ الحساسية، مع تصاعد أزمة الطاقة وارتفاع تكلفة استيراد الوقود. وهو ما يثير تساؤلات حول منطق التخلي عن أصل يوفر كهرباء منخفضة التكلفة ومستقرة، في وقت تعاني فيه البلاد من ضغوط متزايدة على مواردها الدولارية.

 

كما يكشف الملف عن غياب رؤية متماسكة لإدارة قطاع الطاقة، في ظل فائض إنتاجي من جهة، وفاقد كبير في الشبكة من جهة أخرى، إلى جانب اعتماد مفرط على الغاز الطبيعي. وفي هذا السياق، تبدو محطة "جبل الزيت" أحد الحلول الاستراتيجية، لا أصلاً يمكن التفريط فيه بسهولة.

 

اختبار صعب لبرنامج الطروحات

 

تعثر الصفقة يمثل ضربة مباشرة لبرنامج الطروحات الحكومية، الذي تعول عليه القاهرة لجذب مليارات الدولارات. لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تناقضات جوهرية في هذا التوجه، خاصة عندما يتعلق الأمر بأصول ممولة بشروط دولية معقدة.

 

في المحصلة، لا يبدو أن أزمة "جبل الزيت" مجرد صفقة متعثرة، بل مؤشر على مأزق أوسع: حكومة تسعى للبيع تحت ضغط، لكنها تصطدم بقيود قانونية ومالية، وتواجه واقعاً اقتصادياً يحدّ من قدرتها على المناورة. وبين ضغوط الدائنين وحسابات السوق، تبدو الخيارات المتاحة أكثر كلفة من أي وقت مضى.