مع غياب الرقابة الحكومية.. تطبيقات القروض الإلكترونية مصيدة لاستنزاف المواطنين

- ‎فيتقارير

 

 

في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد معدلات الفقر ، اضطر عدد من المواطنين إلى اللجوء إلى تطبيقات القروض الإلكترونية المنتشرة على متجر Google Play، بحثًا عن سيولة مالية سريعة دون تعقيدات البنوك التقليدية.

وظهرت خلال السنوات الأخيرة، عشرات التطبيقات التي تَعِد بالحصول على قرض خلال دقائق عبر الهاتف المحمول بالبطاقة الشخصية، مستهدفة فئات الشباب وأصحاب الأعمال الحرة والعاملين بالقطاع غير الرسمي.

ورغم سهولة الإجراءات وسرعة التحويل، تثير هذه التطبيقات جدلًا واسعًا بشأن قانونيتها وخضوعها لرقابة الجهات المعنية، خاصة مع تحذيرات متكررة من انتشار منصات غير مرخصة تستغل بيانات المستخدمين أو تفرض فوائد وغرامات مبالغ فيها.

 

منصات التواصل

 

ومن التطبيقات المتداولة «FinanceOasis»، الذى يروّج لنفسه باعتباره منصة للإقراض الإلكتروني تتيح قروضًا شخصية تتراوح قيمتها – وفقًا لما يعلنه – بين 500 جنيه و10 آلاف جنيه، مع مدد سداد تمتد من 91 يومًا وحتى 360 يومًا، ويشترط للمتقدم أن يكون مصري الجنسية، ويتراوح عمره بين 18 و60 عامًا، سواء كان موظفًا أو من أصحاب الدخول الثابتة، مع تقديم البيانات الشخصية لإتمام عملية التسجيل.

ومع استخدام التطبيق لأكثر من 100 ألف شخص، ظهرت كثير من الشكاوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول عدد من المستخدمين تجارب تشير إلى صعوبات في التواصل أو شكاوى تتعلق بطريقة المتابعة والتحصيل، إلى جانب اتهامات بوجود ممارسات غير واضحة في بعض الحالات.

 

تجارب عدد من المستخدمين الذين تعاملوا مع هذه التطبيقات كشفت أنها ليست منصات تمويل قانونية، بل تتخذ من وعود القروض واجهة لعمليات احتيال وابتزاز إلكتروني، حيث يتطلب التطبيق عند التسجيل مشاركة بيانات شخصية شاملة مثل رقم المحفظة الإلكترونية وصورة البطاقة الشخصية وصورة السيلفي وأرقام 4 من المقربين، ثم يقوم بتسجيل دخول المستخدم .

 

انتهاك الخصوصية

 

ومع تفاقم الأزمة تقدم الخبير الاقتصادي محمد الصالحى، عضو مجلس نواب السيسي بطلب إحاطة بشأن دور حكومة الانقلاب والإجراءات المتخذة لمواجهة الانتشار المتزايد لتطبيقات الإقراض الإلكتروني غير المرخصة، وما تمثله من خطر مباشر على الاستقرار المالي والاجتماعي للمواطنين.

وأكد «الصالحى» فى تصريحات صحفية، أن هناك كيانات غير خاضعة للرقابة استغلت هذا التوجه وبدأت في ممارسة أنشطة إقراض إلكتروني خارج الإطار القانوني، عبر فرض فوائد مبالغ فيها، وشروط تعسفية، واستخدام أساليب ضغط وابتزاز تهدد الأمن الاجتماعي.

وأوضح أن خطورة هذه التطبيقات لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى انتهاك الخصوصية الشخصية، من خلال الوصول إلى بيانات المواطنين واستخدامها بطرق غير مشروعة، واستخدام أساليب خطرة تتمثل في طلب صورة بطاقة الرقم القومي ورقم واتساب، وإجبار المستفيدين على توقيع إيصالات أمانة أو شيكات على بياض، ثم استخدام أساليب التهديد بالتشهير أو نشر البيانات أو التواصل مع جهات العمل، ما يحول القرض من وسيلة تمويل إلى أداة ابتزاز.

 

مصيدة تمويلية

 

قال الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح، إن تطبيقات التمويل من القروض الإلكترونية غير المرخصة ليست حلولًا مالية، بل هي مصيدة تمويلية تستغل فجوة التضخم الاجتماعي وحاجة البسطاء، محولةً حلم السيولة السريعة إلى كابوس ديون لا ينتهي.

وأضاف «أبو الفتوح» في تصريحات صحفية : ببساطة المشهد الاقتصادي اليوم يعاني من انفصام واضح، فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن انتعاش في الأرقام يشعر المواطن بانقباض في الجيوب.

وأشار إلى أن احتياطي النقد الأجنبي بالبنك المركزي وصل إلى 52.59 مليار دولار، وفائض في الأصول الأجنبية بلغ 25.4 مليار دولار، لكنها لم تجد طريقها بعد إلى مائدة الأسرة المصرية.

وأكد «أبو الفتوح»، أن إقبال المواطن على تطبيقات التمويل الاستهلاكي غير المرخصة ليس جهلًا بقدر ما هو اضطرار، حيث تآكلت القدرة الشرائية مع نمو استهلاك عائلي هزيل لا يتجاوز 1.2%، لافتا إلى أن التجربة تؤكد أن هذه المنصات تعمل في المناطق الرمادية بعيدًا عن أعين الرقابة، مستغلةً حاجة المواطنين لسيولة عاجلة لتفرض فوائد تتجاوز بمراحل سعر الفائدة الرسمي البالغ 19% .

 

فوائد فاحشة

 

وحذر من أنه خلف هذه الأرقام تكمن مأساة حقيقية، فالمواطن الذي يهرب من ضغط الأسعار يجد نفسه في سباق مع الزمن لسداد ديون بفوائد فاحشة، مما يؤدي في النهاية إلى انكماش أكبر في رفاهية الأسرة وتفاقم التعثر المالي.

وقال «أبو الفتوح» : بعد متابعة السوق لسنوات، يبدو أن خارطة الحماية تبدأ من الوعي بالعلامات التحذيرية، وأبرزها طلب الوصول الكامل لبيانات الهاتف، وغياب السجل التجاري، وعدم الخضوع لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، مشددا على ضرورة توسيع نطاق الشمول المالي ليشمل أدوات تمويلية ميسرة وسريعة تنافس هذه المصائد في سرعتها وتتفوق عليها في أمانها وشرعيتها .

وأوضح أن البدائل أمام المواطنين موجودة بالفعل في القطاع المصرفي الرسمي وشركات التمويل الاستهلاكي المرخصة، التي تخضع لرقابة صارمة تضمن حقوق الطرفين، لكن الفجوة تكمن في سرعة الوصول التي توفرها التطبيقات غير القانونية.

وطالب «أبو الفتوح» بحماية صغار المقترضين، موضحا أن معالجة فوضى الإقراض الإلكتروني تتطلب دمجًا حقيقيًا للقطاع غير الرسمي وتوفير بدائل تمويلية إنسانية لضمان عدم تحول التكنولوجيا إلى وسيلة لاستنزاف القوة الشرائية المنهكة بالفعل .