“البنك المركزي” أيّد الموجة.. “جيه بي مورجان”: التضخم إلى 14.3% في ديسمبر و”الصندوق” يتوقع استمراراها حتى 2027

- ‎فيتقارير

 رفع بنك "جيه بي مورجان" تقديراته للتضخم السنوي في ديسمبر في مصر إلى 14.3%، بدلاً من 13.4%، كما توقع تسجيل التضخم في أكتوبر 13.8%، مقابل 13.9% في سبتمبر وفق المقارنة الواردة في التقرير.

وقدّر البنك أن تأثير انخفاض الجنيه على التضخم خلال الفترة المقبلة قد يضيف نحو 0.8 إلى 0.9 نقطة مئوية، مشيراً إلى أن عدم زيادة أسعار الوقود وبعض السلع المسعرة إدارياً ساهم في الحد من الانتقال الفوري لأثر تراجع العملة إلى الأسعار.

كما أشار إلى أن رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال أكتوبر رفع أسعار الفائدة الحقيقية إلى أكثر من 6%، وهو ما قد يساعد في احتواء الضغوط التضخمية.

وتوقع البنك تثبيت أسعار الفائدة خلال اجتماع ديسمبر، ما لم تحدث ضغوط إضافية على سوق الصرف، كما رجح استئناف خفض الفائدة في النصف الثاني من 2027، إذا تحسنت الظروف الاقتصادية.

وحذر البنك من انتقال آثار تراجع الجنيه أمام الدولار إلى أسعار السلع والخدمات خلال الأشهر المقبلة، وجاء تعديل التوقعات في أعقاب تراجع قيمة الجنيه بنحو 7.3% منذ بداية أكتوبر، بالتزامن مع خروج استثمارات أجنبية من أدوات الدين المحلية، وهو ما يزيد الضغوط على سوق الصرف ويرفع تكلفة الواردات ومستلزمات الإنتاج.

انتقال أثر تراجع الجنيه

وقال مراقبون: "إنه من المهم التمييز بين معدل التضخم السنوي وبين الزيادة المباشرة التي يشعر بها المواطن في فاتورة مشترياته".

فنسبة 14.3% تعني أن متوسط أسعار سلة السلع والخدمات التي يقيسها المؤشر سيكون أعلى بنحو 14.3% مقارنة بالفترة المناظرة من العام السابق، ولا تعني أن جميع السلع سترتفع بالنسبة نفسها خلال شهر ديسمبر.

كما أن معدل التضخم العام لا يعكس بالضرورة الزيادة التي تتحملها كل أسرة؛ إذ تختلف الأعباء باختلاف نسبة الإنفاق على الغذاء والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم.

وقد تكون الزيادة الفعلية في بعض السلع الأساسية أكبر من متوسط التضخم العام، بينما تكون أقل في سلع أخرى.

وبالتالي فإن أثر التضخم على مستوى المعيشة يرتبط أيضاً بمعدلات نمو الأجور والمعاشات والدخول، وبقدرة الأسر على تعويض الزيادة المستمرة في نفقات المعيشة.

صندوق النقد وتوقع  16.7% خلال النصف الثاني من 2026

 

ويبدو التحذير الصادر عن جيه بي مورجان لا يأتي منفرداً، بل يتزامن مع تقديرات أكثر تشدداً أعلنها صندوق النقد الدولي في تقرير المراجعة السابعة لبرنامج التمويل المصري، المنشور في يوليو 2026.

وتوقع الصندوق ارتفاع متوسط التضخم السنوي إلى 16.7% خلال النصف الثاني من 2026، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع سعر الصرف، وتأثيرات سنة الأساس.

كما أشار إلى أن عودة التضخم إلى النطاق المستهدف للبنك المركزي المصري ستتأخر نحو عام إضافي، نتيجة استمرار الضغوط المرتبطة بالتوترات الإقليمية وتعديلات أسعار الطاقة.

وفي توقعاته للسنة المالية 2026/2027، رجح الصندوق تسجيل التضخم 13.2% بنهاية السنة المالية، مقابل 14.3% في السنة المالية السابقة وفق جدول توقعاته.

وتكشف هذه التقديرات أن مشكلة التضخم لم تعد مرتبطة فقط بزيادة مؤقتة في أسعار بعض السلع، وإنما تتصل بمجموعة من العوامل الهيكلية، تشمل سعر الصرف، وتكلفة الطاقة، والاحتياجات التمويلية، واستمرار الاعتماد على الواردات.

ووفي تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر في أكتوبر 2026، قدم صندوق النقد الدولي تقديرات إضافية لمسار التضخم في مصر، حيث توقع الصندوق أن يبلغ متوسط التضخم السنوي 13.3% في 2026، قبل ارتفاعه إلى 14.8% في 2027.

وهنا يجب التمييز بين هذه الأرقام وتقديرات جيه بي مورجان؛ فالأخير يتحدث عن التضخم السنوي المتوقع في ديسمبر 2026، بينما أرقام الصندوق تتعلق بمتوسط التضخم خلال السنة.

وبالتالي لا تمثل نسبة 14.8% توقعاً للتضخم في ديسمبر 2027، وإنما متوسطاً سنوياً متوقعاً وفق منهجية الصندوق.

كما توقع الصندوق اتساع عجز الحساب الجاري إلى 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026/2027، بما يعكس استمرار الضغوط الخارجية على الاقتصاد المصري.

صندوق النقد الدولي – قاعدة بيانات آفاق الاقتصاد العالمي، أكتوبر 2026 

البنك الدولي: التضخم يعرقل خفض الفقر

وفي تقريره "الآفاق الاقتصادية والفقر"  الخاص بمصر، الصادر ضمن اجتماعات الخريف للبنك الدولي في أكتوبر 2026، أشار البنك إلى عودة الضغوط التضخمية وتأثيرها على جهود خفض الفقر.

وأكد التقرير أن الاقتصاد المصري سجل نمواً حقيقياً بنسبة 5.1% في السنة المالية 2025/2026، لكنه حذر من أن عودة التضخم تحد من قدرة الأسر على تحسين أوضاعها المعيشية.

وسلط البنك الضوء على أهمية حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتطوير الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة الأعمال، وتقليص الدور المباشر للدولة في النشاط الاقتصادي، بما يتيح مساحة أكبر للقطاع الخاص.

وكانت تقديرات البنك السابقة بشأن الفقر في مصر؛ أن أشار إلى ارتفاع معدل الفقر الوطني إلى 33.5% خلال 2021/2022، كما قدر زيادة الفقر وفق خط الفقر الدولي للدول ذات الدخل المتوسط الأدنى بنحو خمس نقاط مئوية بين عامي 2022 و2024.

"فيتش" التضخم سيظل مرتفعاً

وفي تقييم آخر صدر في 8 أكتوبر 2026، أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف مصر السيادي عند مستوى B مع نظرة مستقبلية مستقرة. لكن الوكالة أشارت في الوقت نفسه إلى استمرار مجموعة من المخاطر، تشمل ضعف المالية العامة، وارتفاع فوائد الدين، والاحتياجات التمويلية الخارجية، وتقلب تدفقات التمويل التجاري، وارتفاع التضخم.

وتوقعت فيتش أن يبلغ متوسط التضخم 12.3% خلال السنة المالية 2026/2027، مقابل 11.6% في السنة السابقة، مع عودة التضخم إلى مستويات أقل من 10% خلال السنة المالية 2027/2028.

كما رجحت تباطؤ الاستهلاك الخاص للأسر نتيجة ارتفاع الأسعار، بالتزامن مع تباطؤ الاستثمار.

ومن أبرز النقاط التي أثارتها الوكالة استمرار العبء الكبير لفوائد الدين الحكومي؛ إذ توقعت تراجع مدفوعات الفائدة من 63% من الإيرادات الحكومية إلى 52% خلال السنة المالية 2027/2028، وهي نسبة تظل أعلى كثيراً من متوسط الدول المماثلة في فئة التصنيف الائتماني نفسها.

وهذا يوضح أن المشكلة الاقتصادية لا تتوقف عند التضخم وحده، بل تتصل أيضاً بمساحة الإنفاق الحكومي المتاحة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، في ظل استحواذ فوائد الديون على حصة ضخمة من الإيرادات.

اعتراف "البنك المركزي" باستمرار مخاطر التضخم حتى  نهاية  2027

وفي تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من 2026، توقع البنك المركزي المصري أن يبلغ متوسط التضخم السنوي 16.6% خلال السنة المالية 2026/2027، قبل تراجعه إلى 8.1% خلال السنة المالية 2027/2028.

 

وأوضح أن التضخم قد يظل أعلى من المستهدف خلال الربع الأخير من 2026، مع توقع العودة التدريجية إلى مستويات أحادية الرقم خلال النصف الثاني من 2027.

 

كما وضع البنك المركزي سيناريوهين بديلين بحسب تطورات الصراع الإقليمي؛ ففي حالة التهدئة توقع متوسط تضخم يبلغ 15.2% في السنة المالية 2026/2027، بينما يرتفع إلى 17.8% في حالة التصعيد.

 

وتكشف هذه التقديرات أن المؤسسة النقدية نفسها لا تتوقع اختفاء الضغوط التضخمية في الأجل القريب، وأن مسار تراجع الأسعار مرهون باستقرار سوق الصرف والطاقة وتراجع التوترات الإقليمية.

البنك المركزي المصري – تقرير التوقعات الاقتصادية والسياسة النقدية للربع الثاني من 2026 

تباطؤ التضخم السنوي لا يعني انتهاء موجة الغلاء

ومن المؤسسات المصرفية التي أصدرت تقييماً مستقلاً للاقتصاد المصري، بنك "الإمارات دبي الوطني"، الذي نشر في 12 أكتوبر 2026 تقريراً بعنوان "تباطؤ التضخم في مصر لا يزال غير كافٍ لخفض أسعار الفائدة".

وأشار التقرير إلى أن التضخم الحضري السنوي تراجع إلى 13.9% في سبتمبر، مقابل 14.5% في أغسطس، بينما انخفض التضخم الأساسي إلى 14.1% من 14.9%.

 

لكن البنك لفت إلى أن هذا التحسن السنوي يرجع جزئياً إلى تأثير سنة الأساس، في حين ارتفع التضخم الشهري إلى 1.3% في سبتمبر، مقارنة بـ0.1% في أغسطس.

وقدر البنك التضخم الشهري المعدل موسمياً بنحو 0.8%، مقابل 0.4% في الشهر السابق، بما يشير إلى تجدد قوة الضغوط السعرية الأساسية.

وبناء على ذلك، توقع البنك أن يحتفظ البنك المركزي المصري بأسعار الفائدة دون تغيير حتى نهاية 2026، قبل استئناف دورة التيسير النقدي في الربع الأول من 2027.

التضخم المصري بين نهاية 2026 و2027

تختلف التقديرات باختلاف الفترة الزمنية التي تقيسها كل مؤسسة، لكن الصورة العامة تكشف استمرار الضغوط التضخمية وتأخر العودة إلى مستويات منخفضة.

جيه بي مورجان – ديسمبر 2026         14.3%

صندوق النقد – متوسط 2026             13.3%

صندوق النقد – متوسط 2027             14.8%

صندوق النقد – النصف الثاني 2026      16.7%

فيتش – متوسط السنة المالية 2026/2027               12.3%

البنك المركزي – متوسط السنة المالية 2026/2027    16.6%

البنك المركزي – متوسط السنة المالية 2027/2028    8.1%

دوافع موجة التضخم الجديدة

تتداخل عدة عوامل في تفسير التحذيرات الاقتصادية الأخيرة.

أولها تراجع الجنيه أمام الدولار، وما يترتب عليه من ارتفاع تكلفة الواردات، خصوصاً أن الاقتصاد المصري يعتمد على استيراد جانب مهم من احتياجاته من الوقود والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج والسلع الوسيطة.

وثانيها تكلفة الطاقة، حيث إن أي زيادات في أسعار الوقود والكهرباء تنتقل إلى قطاعات النقل والصناعة والخدمات، وتنعكس تدريجياً على أسعار السلع النهائية.

وثالثها خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين المحلية، وهو ما يزيد الضغط على سوق الصرف، خصوصاً عندما تتزامن التدفقات الخارجة مع احتياجات مرتفعة من النقد الأجنبي.

ورابعها تكلفة الدين الحكومي، التي تستنزف جزءاً كبيراً من موارد الموازنة وتحد من قدرة الدولة على توجيه موارد إضافية إلى الخدمات العامة والحماية الاجتماعية.

أما العامل الخامس فيتمثل في التوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة والتجارة العالمية، وهي عوامل لا تملك مصر السيطرة عليها، لكنها تزيد هشاشة الاقتصاد أمام الصدمات الخارجية.