تصعيد أمني ضد معتقلي العاشر.. الحبس الاحتياطي الممتد يتحول إلى أزمة مفتوحة

- ‎فيحريات

تصاعدت خلال الأيام الماضية حدة الإجراءات الأمنية بحق المعتقلين في سجن العاشر من رمضان، بالتزامن مع حالة الغضب المتزايدة بين المحبوسين احتياطيا على خلفية قضايا سياسية، وسط مخاوف من اتساع نطاق التصعيد داخل السجون، في وقت يظل فيه ملف الحبس الاحتياطي واحدا من أكثر الملفات الحقوقية والقانونية تعقيدا بزمن المنقلب السفاح السيسى.

ويأتي هذا التصعيد بعد قرار تأجيل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد لمدة عام، وهو القرار الذي أعاد ملف الحبس الاحتياطي إلى دائرة الجدل، خصوصا أن أعدادا كبيرة من المحبوسين احتياطيا يقضون شهورا طويلة، بل سنوات في بعض الحالات، على ذمة اتهامات متكررة من بينها "نشر أخبار كاذبة" و"الانضمام إلى جماعة محظورة"، في قضايا تقول منظمات حقوقية إن بعضها يرتبط في الأساس بالتعبير عن الرأي أو الموقف السياسي المعارض.

وكانت التعديلات التي أُدخلت على قانون الإجراءات الجنائية قد أثارت آمالا لدى بعض المحبوسين احتياطيا، رغم الانتقادات الحقوقية الواسعة للقانون، بعدما تضمنت خفض الحدود القصوى لمدد الحبس الاحتياطي في بعض الحالات إلى 18 شهرا بدلا من 24 شهرا.

ومع تأجيل نظام الانقلاب ، تطبيق القانون، عاد السؤال بشأن مصير مئات وربما آلاف المحبوسين الذين تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي القصوى، أو اقتربوا من تجاوزها، في ظل ما تصفه منظمات حقوقية بسياسة "التدوير" على ذمة قضايا جديدة، بما يسمح باستمرار الاحتجاز رغم انتهاء المدد القانونية للقضية الأصلية.

 

تصعيد داخل سجن العاشر

ووفقا لبيان مشترك نشرته مؤسسة "النديم" لمناهضة التعذيب، بمشاركة أربع مؤسسات حقوقية أخرى، فقد شهد سجن العاشر من رمضان تصعيدا أمنيا عقب احتجاج عدد من المحتجزين على استمرار حبسهم، حيث رفضوا استلام وجبات السجن المعروفة باسم "التعيين"، كما رفضوا الخروج للتريض، وبدأوا في الهتاف وطرق أبواب الزنازين للمطالبة بإنهاء ما يعتبرونه ظلما مستمرا بحقهم.

وأشار البيان إلى أن رد إدارة السجن تضمن إجراءات أمنية تصعيدية، من بينها استخدام الغاز المسيل للدموع ضد المحتجزين، إلى جانب استخدام القوة بحقهم، وهو ما اعتبرته المؤسسات الحقوقية مخالفا للوائح المنظمة لأوضاع السجون وحقوق المحتجزين.

وبالتزامن مع ذلك، تحدثت المعلومات الواردة في البيان عن أنباء بشأن تصعيد أمني آخر ضد المعتقلين في سجن أبو زعبل، بما يثير مخاوف من اتساع دائرة الإجراءات العقابية بحق المحتجزين على خلفية احتجاجاتهم على استمرار حبسهم.

وطالبت المؤسسات الحقوقية بوقف استخدام القوة ضد المحتجزين، ووقف أي إجراءات عقابية أو تأديبية بحقهم، بما في ذلك التغريب والحبس الانفرادي، فضلا عن فتح تحقيق مستقل في وقائع التصعيد، ومراجعة أوضاع جميع المحبوسين احتياطيا، والإفراج عن كل من تجاوز مدد الحبس المعقولة، دون انتظار بدء سريان القانون الجديد.

 

الحبس الاحتياطي.. من إجراء استثنائي إلى عقوبة مفتوحة

ويعيد ما يحدث في سجن العاشر من رمضان إلى الواجهة أزمة الحبس الاحتياطي في مصر، التي تحولت على مدار السنوات الماضية، بحسب منظمات حقوقية، من إجراء يفترض أن يكون استثنائيا ومؤقتا إلى وسيلة طويلة الأمد لسلب الحرية.

وتتفاقم الأزمة مع استمرار توجيه اتهامات متشابهة ومتكررة إلى المحبوسين، ثم إعادة تدوير بعضهم على ذمة قضايا جديدة قبل إخلاء سبيلهم، الأمر الذي يفرغ الحدود الزمنية للحبس الاحتياطي من مضمونها ويجعل الإفراج عن المحتجز مرتبطا بإرادة الأجهزة الأمنية أكثر من ارتباطه بانتهاء المدة القانونية.

ويقول منتقدو هذه السياسة إن استمرار حبس أشخاص لمدد طويلة دون محاكمة نهائية، وفي ظل غياب أدلة كافية في بعض الحالات، لا يمثل فقط انتهاكا لحقوق المحتجزين، وإنما يفتح الباب أمام تحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة فعلية تسبق صدور الحكم القضائي.

 

رسالة سياسية تتجاوز أسوار السجون

ولا تبدو أزمة سجن العاشر من رمضان منفصلة عن المشهد السياسي والحقوقي الأوسع في مصر، إذ إن استمرار التعامل الأمني مع ملف المعتقلين السياسيين باعتباره ملفا أمنيا فقط يضاعف من تعقيد الأزمة بدلا من الوصول إلى حلول قانونية وسياسية لها.

فبدلا من أن يُمثل تأجيل قانون الإجراءات الجنائية فرصة لإعادة النظر في أوضاع آلاف المحبوسين، يخشى حقوقيون من أن يتحول القرار إلى غطاء لاستمرار الأوضاع القائمة، بما فيها الاحتجاز المطول والتدوير على ذمة قضايا جديدة، وإبقاء ملف سجناء الرأي مفتوحا دون أفق واضح للحل.

كما أن استمرار هذه السياسة لا يترك أثره على المعتقلين وأسرهم وحدهم، وإنما يعمق حالة الاحتقان داخل المجتمع، في وقت تواجه فيه البلاد أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة تحتاج إلى توسيع مساحة الحوار، لا إلى تضييقها.

 

الحل يبدأ من القانون

معالجة ملف المعتقلين والمحبوسين احتياطيا لا تحتاج إلى مزيد من الإجراءات الأمنية، بقدر ما تحتاج إلى إعادة الاعتبار للقانون والقضاء والنيابة العامة، وفتح مراجعة شاملة لأوضاع جميع المحتجزين، خصوصا من تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي المقررة أو أمضوا فترات طويلة دون إحالة فعلية إلى محاكمة عادلة.

كما أن فتح تحقيق مستقل وشفاف في وقائع التصعيد داخل السجون، ومحاسبة المسئولين عن أي تجاوزات، يمثل خطوة ضرورية لوقف تكرار تلك الوقائع ومنع تحول السجون إلى بؤر جديدة للاحتقان.

فالخروج من الأزمة لا يكون بإغلاق المجال العام أو حبس الأصوات المختلفة، وإنما بالاعتراف بأن استمرار هذه السياسات يمثل جزءا من المشكلة، وأن الإفراج عن غير المتورطين في جرائم حقيقية، وإنهاء الحبس الاحتياطي المفتوح، وفتح المجال أمام العمل السياسي والتعبير السلمي، يمكن أن يشكل بداية لمعالجة أعمق للأزمة.

وفي النهاية، يبقى معتقلو سجن العاشر من رمضان، إلى جانب آلاف سجناء الرأي والمحبوسين احتياطيا في مصر، أمام اختبار جديد لمدى استعداد السلطات لفتح ملف طال إغلاقه.

ويبقى الأمل أن تأتي الانفراجة بأهدأ الطرق وأقلها كلفة، عبر الاحتكام إلى القانون وإعلاء صوت العقل السياسي، قبل أن تتحول الأزمات المتراكمة داخل السجون وخارجها إلى انفجار يصعب احتواؤه.