نماذج تصنع ليلا ونهارا، الشعار العام لها: "المعارضة"، وهي ابنة النظام تشاركه أفكاره وخططه، وتطرح حالة الدكتور رضا عبدالسلام، محافظ الشرقية الأسبق والنائب الحالي بمجلس النواب، سؤالًا يتجاوز شخصه ومواقفه الأخيرة: لماذا تضم مؤسسات النظام شخصيات تنتقد الحكومة وتعلن اعتراضها على بعض سياساتها، بينما تظل في الوقت نفسه جزءًا من البنية السياسية الرسمية؟
السؤال يكتسب أهميته مع تصاعد الانتقادات لأداء الحكومة والبرلمان، وظهور أصوات داخل مجلس النواب تتحدث بلهجة حادة عن طريقة صناعة القوانين، وارتفاع الأسعار، والقروض، وأداء الجهاز التنفيذي.
وفي هذا السياق تبدو حالة "عبدالسلام" الاكاديمي بكلية الحقوق جامعة المنصورة، نموذجًا لما يمكن وصفه بـ"المعارضة من داخل النظام": شخصية جاءت من مؤسسات الدولة، شغلت منصبًا تنفيذيًا بعد 2013، ثم انتقلت إلى البرلمان، لتظهر لاحقًا باعتبارها أحد الأصوات المنتقدة للحكومة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحولها إلى "معارضة" ذات ايديولوجية مضادة للنظام السياسي نفسه.
من منصب المحافظ إلى مقعد البرلمان
رضا عبدالسلام، أستاذ الاقتصاد والتشريعات الاقتصادية، تولى منصب محافظ الشرقية خلال فترة ما بعد 2013، غادر المنصب ليعود إلى المجال الأكاديمي، قبل أن "يفوز" لاحقًا بعضوية مجلس النواب عن دائرة المنصورة.
ومنذ دخوله البرلمان، برز اسمه في عدد من الملفات الاقتصادية والتشريعية، وهو ما انعكس في ردود فعل مؤيدين يرون فيه نائبًا مختلفًا عن النمط التقليدي للأغلبية.
وفي نوفمبر 2025، كتب @Schr00denger تعليقًا على فوزه، معتبرًا أن «محافظ الشرقية الأسبق الدكتور رضا عبدالسلام كسب البرلمان في دايرته في المنصورة»، وأضاف: "يا بختكم بالراجل دا في البرلمان بجد"، واصفًا إياه بأنه نموذج لمرشح مجلس النواب الحقيقي.
كما كتب @ElhalfaweyAhme1: "كل الدعم لسيد البرلمان. الاول . المحترم الاستاذ الدكتور رضا عبدالسلام"، بينما وصفه @Dr_AhmedAbdallh في منشور آخر بأنه "أسد البرلمان".
لكن هذه الصورة الإيجابية تقابلها انتقادات تستعيد مواقفه السابقة خلال فترة توليه منصب المحافظ، وكذلك مواقفه السياسية بعد 2013، لتطرح سؤالًا عن حدود المسافة التي تفصل بينه وبين السلطة.
«ما حدث اليوم كان يستوجب إقالة الحكومة».. انتقاد حاد
أحدث مواقف عبدالسلام جاء في أعقاب جلسة طارئة لمجلس النواب لمناقشة مشروع قانون مرتبط بقانون الإجراءات الجنائية ونشر حزب تكنوقراط مصر @egy_technocrats نصًا منسوبًا إلى عبدالسلام قال فيه إن ما حدث "كان يستوجب إقالة الحكومة.. فورا!".
وبحسب النص، انتقد عبدالسلام إخطار النواب بانعقاد جلسة طارئة في وقت متأخر، معتبرًا أن النواب ذهبوا إلى المجلس من دون معرفة ما الذي ستتم مناقشته.
وقال إن رسالة وصلت إلى النواب في التاسعة مساءً تدعو إلى جلسة طارئة، ثم جاءت رسالة أخرى قبل منتصف الليل بدقيقتين لتؤكد الدعوة، بينما ظل موضوع الجلسة غير معلوم للنواب حتى صباح اليوم التالي.
والأكثر دلالة في حديثه قوله إن النواب "أتوا لجلسة ولم يعرفوا ماذا سيناقشون في الصباح"، معتبرًا أن ذلك يمثل إشكالًا جوهريًا في العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية.
وذهب عبدالسلام في انتقاده إلى أبعد من الحكومة عندما تحدث عن وضع السلطة التشريعية نفسها. وقال إن السلطة التشريعية يفترض أن تكون "أم السلطات"، وإنها لا تستطيع أداء دورها إلا إذا امتلكت "الكفاءة والقوة والقدرة والصلاحيات"، التي تؤهلها لتكون "في وضع الفاعل لا المفعول به".
كما انتقد عدم استعداد الحكومة لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية بعد أكثر من عام من صدوره، وقال إن الحكومة فوجئت بأنها ليست جاهزة للتنفيذ، قبل أن تنتقل المفاجأة إلى مجلس النواب.
وبحسب روايته، تقدم 62 نائبًا بمشروع قانون، لم يسمع به باقي النواب، ثم عُرض المشروع وتم التصويت عليه خلال دقائق لتنتهي الجلسة بالموافقة.
وقال عبدالسلام إنه لو أُتيحت له الكلمة داخل المجلس، رغم تقدمه بطلب رسمي، لكان اشترط قبل الموافقة على القانون موافقة المجلس على إقالة الحكومة التي، بحسب وصفه، "وضعتنا في ورطة".
تهاجم "الحكومة".. ولا تهاجم النظام "السيسي"
هنا تظهر النقطة الأكثر أهمية في قراءة ظاهرة عبدالسلام: الفرق بين معارضة الحكومة ومعارضة النظام. فانتقاد الحكومة، حتى لو كان شديد اللهجة، لا يعني بالضرورة معارضة النظام السياسي "السيسي" الذي أنتج الحكومة والبرلمان.
في النظم السياسية ذات المركزية العالية، يمكن أن تصبح الحكومة مساحة لتحميل المسئولية عن الأزمات الاقتصادية والإدارية والتشريعية، بينما يبقى مركز القرار السياسي خارج دائرة المساءلة المباشرة.
ومن ثم يستطيع النائب أن يقول إن الحكومة فاشلة، وأن يطالب بإقالتها، وأن ينتقد الوزراء، وأن يعترض على القوانين، من دون أن يتحول بالضرورة إلى خصم سياسي للنظام.
نماذج للفشل تناولها عبدالسلام
لم تقتصر انتقادات عبدالسلام على الإجراءات التشريعية. ففي يونيو الماضي، وجه عبدالسلام سؤالا للحكومة حول استمرار أسعار البنزين والسولار والمحروقات رغم التراجع العالمي في أسعار النفط.
وفي يوليو، الماضي اقترح (مقترحًا هامشيًا) تغيير اسم صندوق مستقبل مصر إلى خزائن الأرض، في سياق نقاش حول الصندوق ودوره!
وبشأن القروض المصرية من صندوق النقد الدولي قال: "مصر أكبر دولة حصلت على قروض من الصندوق.. فأين العائد الاقتصادي من هذه القروض؟".
وفي مارس، تحدث "عبدالسلام" عن أصول المعاشات، وتضرر ملايين المصريين من التعويم وارتفاع الأسعار، ودعا إلى مراجعة صندوق المعاشات وآليات استثماره.
وجميع هذه الملفات نماذج للفشل؛ تمنحه مظهر النائب الرقابي الذي يشتبك مع الملفات الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
سؤال عن هامش البرلمان
وفي فبراير، قال النائب رضا عبدالسلام: مش مسموح الكلام للنواب، في إشارة إلى اعتراضه على طريقة إدارة النقاش داخل المجلس.
https://x.com/MazidNews/status/2022036112617722164
وتكشف هذه الواقعة، إذا قُرئت إلى جانب انتقاده لجلسة الإجراءات الجنائية، أن اعتراض عبدالسلام لا ينحصر في السياسات الاقتصادية، وإنما يمتد أحيانًا إلى طريقة إدارة المؤسسة التشريعية نفسها.
وفي فبراير أيضًا، نقلت @Shorouk_News عنه تعليقًا على التعديل الوزاري، قال فيه: "وافقنا على الأسماء دفعة واحدة.. ولم نسمع عن بعض المرشحين".
المعارضة الآمنة
ووجود شخصيات منتقدة داخل البرلمان يمكن أن يؤدي وظيفة سياسية مهمة؛ فهو يمنح المؤسسة قدرًا من المصداقية، ويخلق انطباعًا بأن البرلمان ليس مؤسسة للموافقة فقط، ويسمح بظهور أصوات حادة تجاه الأداء التنفيذي.
وفي الوقت نفسه، يستطيع النظام الاستفادة من هذه الأصوات في امتصاص جزء من الغضب العام، خصوصًا عندما تكون الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تصاعد.
وتصبح المعادلة: اعترض على الوزير، انتقد الحكومة، اسأل عن الأسعار والقروض، لكن لا تنتقل بالضرورة من نقد الأداء إلى تحدي قواعد النظام السياسي نفسه. وهذه هي المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها ما يمكن تسميته: "المعارض من داخل المنظومة".
وهنا يظهر سؤال مهم حول طبيعة البرلمان: هل هو مؤسسة مشاركة في صناعة القرار أم مؤسسة تصادق على قرارات اتخذت خارجها؟، وهذا النوع من التصريحات يضع النائب في مواجهة مع آلية اتخاذ القرار، لكنه يظل في النهاية اعتراضًا من داخل المؤسسة الرسمية نفسها.
وتزداد أهمية حالة عبدالسلام لأن الرجل ليس شخصية جاءت من خارج مؤسسات الدولة لتدخل البرلمان، وإنما مسئول سابق في الجهاز التنفيذي، وهذه الخلفية تجعل تجربته مثالًا على انتقال الشخصية نفسها بين مواقع مختلفة داخل الدولة: من موقع المحافظ، حيث يمارس السلطة التنفيذية، إلى موقع النائب، حيث يمارس الرقابة عليها.
وفي يونيو، كتب @Abdelna88577266 أن عبدالسلام، خلال توليه منصب محافظ الشرقية، حاول مواجهة «مافيا بناء الأبراج السكنية المخالفة»، لكنه لم يستطع فعل شيء، متسائلًا عما إذا كان سيتمكن من تحقيق شيء داخل مجلس النواب في ظل أغلبية وصفها بأنها "معطلة".
وهذه الرؤية تضع المشكلة في بنية المؤسسة نفسها: حتى إذا دخل البرلمان نائب يمتلك رغبة في الاعتراض، فإن قدرته على تحويل الاعتراض إلى قرار تظل مرتبطة بتركيبة الأغلبية وبحدود الصلاحيات الفعلية.
وفي ديسمبر 2023، تداولت حسابات مواقف سابقة له بشأن اللاجئين، بينما انتقده آخرون على خلفية مواقفه السياسية خلال فترة ما بعد 2013.
وكتبت @emad_alla، في تعليق على إحدى منشوراته، أن عبدالسلام كان أستاذًا محترمًا ومثقفًا في الجامعة، لكنها انتقدت مواقفه السياسية وربطتها بموقفه من أحداث رابعة. وهي مواقف لا تحسم وحدها طبيعة دوره الحالي، لكنها تذكر بأن «المعارضة» لا تُقاس بتصريح واحد أو موقف واحد، وإنما بسجل سياسي كامل.
لماذا يحتاج النظام إلى أصوات كهذه؟
ووجود نواب ينتقدون الحكومة يمكن أن يؤدي إلى أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. فهو يمنح البرلمان قدرًا من الحيوية، ويقدم للناخبين شخصيات يمكنهم القول إنها تتحدث باسمهم، كما يسمح بتحميل الحكومة مسئولية بعض الإخفاقات.
كما يمكن لهذا النوع من النقد أن يعمل كصمام أمان سياسي؛ إذ يسمح بوجود اعتراضات حقيقية داخل المؤسسات بدل أن تتراكم جميعها خارجها.
لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن كل نائب ينتقد الحكومة يؤدي دورًا تمثيليًا متفقًا عليه مسبقًا. فقد تكون اعتراضاته حقيقية، وقد يخوض صراعًا فعليًا مع الحكومة، وقد ينجح في تعديل بعض القرارات.
والمعيار الحقيقي هو مدى استقلاله، وقدرته على تحويل الاعتراض إلى قوة رقابية، وسقف القضايا التي يستطيع الوصول إليها.
والسؤال الأهم هو: هل يستطيع فرض رقابة حقيقية؟ هل يستطيع تعطيل قرار يراه خاطئًا؟ هل يستطيع مساءلة مركز صناعة القرار؟ هل يستطيع بناء كتلة مستقلة؟ وهل يستطيع تحويل النقد إلى تغيير مؤسسي؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن أمام معارضة برلمانية ذات وزن حقيقي.
أما إذا كان أقصى ما تصل إليه المعارضة هو تسجيل موقف حاد ضد الحكومة، مع بقاء قواعد اللعبة السياسية كما هي، فنحن أمام صورة مختلفة: معارضة من داخل النظام، قد تكون صادقة في اعتراضها، لكنها تعمل داخل حدوده ولا تستهدف تغييره.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الأهم: قد يحتاج النظام إلى المعارض الذي يرفع صوته أكثر مما يحتاج إلى المؤيد الصامت؛ لأن الأول يمنح المؤسسة مظهرًا من الحيوية، ويمتص جزءًا من الغضب، ويمنح الجمهور إحساسًا بوجود رقابة.
وهنا تكمن المفارقة السياسية الأهم: قد يحتاج النظام إلى المعارض الذي يرفع صوته أكثر مما يحتاج إلى المؤيد الصامت؛ لأن الأول يمنح المؤسسة مظهرًا من الحيوية، ويمتص جزءًا من الغضب، ويمنح الجمهور إحساسًا بوجود رقابة.