مع استمرار الحصار الأمريكي.. كيف تواجه إيران أزمة توقف صادرات النفط؟

- ‎فيتقارير

كشفت بيانات حديثة لشركة تحليل بيانات الطاقة "كبلر" (Kpler)، أن مخزونات النفط الإيرانية المتاحة بعيداً عن دائرة الحصار الأمريكى المفروض على موانيها تتجه نحو النضوب التام بحلول منتصف شهر  أكتوبر الحالى.

يأتي هذا في وقت تشهد فيه حركة تدفقات الشحنات النفطية العالمية عبر مضيق هرمز والطرق البديلة تعافياً ملحوظاً، مسجلةً نحو 80% من مستوياتها المعهودة ما قبل اندلاع الحرب.  

وأشارت تقديرات أوردتها صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن الضغوط المتصاعدة والحصار البحري المشدد فرضا قيوداً بالغة الصعوبة على قدرة طهران في تصريف كميات الخام المخزنة، مما يضع قطاع الطاقة الإيراني أمام اختبار حرج مع اقتراب نفاد المخزونات الاستراتيجية المتاحة للتصدير.  

وقالت الصحيفة إن انتعاش حركة الشحنات عبر مضيق هرمز ومسارات النقل البديلة بنسبة تصل إلى 80% يعكس قدرة أسواق الطاقة العالمية على التكيف النسبي واستعادة جزء حيوي من إمداداتها التقليدية، رغم المخاوف الجيوسياسية المستمرة وتأثيراتها المباشرة على استقرار الأسعار وتوازنات العرض والطلب في السوق الدولية.

 

صيانة وإصلاح

يُشار إلى أن تداعيات أزمة النفط الإيرانية لا تتوقف عند حجم البراميل التى تستطيع طهران بيعها أو تخزينها فى الوقت الراهن، إذ يمكن أن تمتد آثار تراجع الصادرات إلى عمليات الإنتاج نفسها، خاصة إذا اضطرت شركات النفط إلى خفض معدلات الضخ أو إيقاف بعض الآبار لفترات طويلة.

وتتعامل التصريحات الرسمية الإيرانية مع النفط غير المباع باعتباره احتياطيا يمكن الاحتفاظ به تحت الأرض إلى حين انتهاء العقوبات أو القيود على التصدير، لكن طبيعة صناعة النفط أكثر تعقيدا. فإيقاف الآبار وإعادة تشغيلها لاحقا قد يتطلبان عمليات صيانة وإصلاح واستثمارات إضافية، كما أن بعض الحقول قد لا تستعيد معدلات إنتاجها السابقة بالسرعة نفسها.

فى هذا السياق، قال وزير النفط الإيرانى محسن باك نجاد إن صادرات بلاده لم تتوقف ولو لساعة واحدة خلال الحرب التى استمرت 40 يوما، مؤكدا عدم تسجيل خفض للإنتاج فى أى يوم خلال تلك الفترة..

 

شحنات النفط

فى المقابل تراجعت شحنات النفط الإيرانية بحسب تقديرات شركة كيبلر من نحو 1.83 مليون برميل يوميا فى مارس إلى قرابة 255 ألف برميل يوميا فى أغسطس الماضى، بينما انخفض إنتاج الخام من نحو 3.24 مليون برميل يوميا إلى 1.75 مليون برميل يوميا خلال الفترة نفسها.

وتوقعت التقديرات أن يستمر وصول بعض النفط الإيرانى إلى الصين، لكن جزءا من الشحنات التى ظهرت فى الأسواق الآسيوية كان قد غادر إيران قبل تشديد القيود، وظل لفترات على متن ناقلات فى المياه الآسيوية. ولذلك فإن احتساب هذه الشحنات باعتبارها إنتاجا جديدا يخرج من الآبار والموانئ الإيرانية لا يعكس بالضرورة الوضع الفعلى للإنتاج.

 

التخزين هو الحل

وأشارت الشركة إلى أنه عندما تتراجع الصادرات، يكون التخزين هو الحل الأول، سواء فى الخزانات البرية أو المصافى أو الناقلات. لكن هذه القدرة محدودة، وعندما تقترب المنشآت من الامتلاء، ينتقل الضغط تدريجيا إلى قطاع الإنتاج، ما قد يدفع شركة النفط الوطنية الإيرانية إلى خفض إنتاج بعض الآبار أو إغلاقها مؤقتا.

وأوضحت أنه فى هذه الحالة تظهر طبيعة الآبار باعتبارها أنظمة إنتاج معقدة وليست خزانات جوفية يمكن إغلاقها ثم فتحها من دون آثار، لافتة إلى أن النفط يوجد داخل مسامات الصخور وشبكات من الشقوق الطبيعية، وتعتمد حركته على ضغط المكمن وخصائص الصخور وتركيب السوائل وطريقة إدارة عمليات الإنتاج.

 

جائحة كورونا

وقال روبن ميلز، باحث فى مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إن توقف الإنتاج لا يعنى بالضرورة تعرض معظم قطاع النفط الإيرانى لضرر كارثى أو دائم، مشيرا إلى أن إيران تمكنت فى فترات سابقة من استعادة الإنتاج بوتيرة نسبية بعد التخفيضات المرتبطة بالعقوبات وجائحة كورونا.

وأضاف ميلز : قدرة الحقول على تحمل التوقف تختلف من مكمن إلى آخر. وتمتلك إيران عددا كبيرا من الحقول والآبار القديمة، بينها الأهواز ومارون وجاشساران وأغاجاري. وقد تواجه بعض الآبار، خصوصا منخفضة الضغط أو التى تنتج كميات كبيرة من المياه إلى جانب النفط، صعوبة فى العودة إلى التدفق الطبيعى بعد توقف طويل.

وحذر من أن مخاطر التآكل وتراكم الرمال والمواد الصلبة وتعطل المضخات وتداخل تدفقات السوائل بين الطبقات المختلفة تظل قائمة أيضا.

 

إعادة تشغيل الآبار

كما حذرت اللجنة الاستشارية للمكامن التابعة لجمعية مهندسى البترول، فى تحليل لانقطاعات الإنتاج طويلة الأجل، من أن مثل هذه المشكلات قد تجعل إعادة تشغيل بعض الآبار مرتبطة بأعمال إصلاح أو تحفيز أو إعادة إكمال.

وقالت اللجنة إنه يمكن لشركة النفط الوطنية الإيرانية استخدام أسلوب إيقاف الآبار بالتناوب بدلا من إغلاق الحقول بالكامل، وهو ما يقلل مدة توقف كل بئر، لكنه يتطلب مراقبة مستمرة لضغط المكمن وتركيب السوائل وعمليات حقن الغاز وحالة المضخات والمنشآت السطحية.

فيما أشارت شركة كيبلر إلى أن الغاز يمثل عاملا آخر فى معادلة الإنتاج الإيراني، إذ تعتمد مجموعة من الحقول القديمة على حقن الغاز للحفاظ على ضغط المكامن وزيادة معدلات استخراج النفط.

وأوضحت أن متوسط احتياجات حقول النفط الإيرانية من حقن الغاز تاريخيا يبلغ نحو 4.8 مليار قدم مكعب يوميا، أى ما يقارب 136 مليون متر مكعب، بينما لم تكن إيران تضخ حتى قبل الأزمة الكمية التى تحتاجها حقولها بالكامل.

وحذرت كيبلر من أنه فى حال اضطرت إيران إلى خفض إنتاج الغاز، ستواجه الحكومة منافسة على الإمدادات بين الاستهلاك المحلى ومحطات الكهرباء والقطاع الصناعى والصادرات وعمليات حقن الغاز فى الحقول النفطية، موضحة أن انخفاض الحقن لا يعنى توقف الآبار فورا، لكنه قد يؤدى تدريجيا إلى تراجع ضغط المكامن وتقليص كمية النفط القابلة للاستخراج.