انتهت أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشهد العزلة الدولية لإسرائيل، بحضور وخطاب مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، وسبق الخطاب الصهيوني الديني التوراتي الاستعلائي أمام العالم، كلام كثير عن أهمية التمسك بالسلام، وقواعد القانون الدولي والشرعية الدولية؛ هذه القواعد وبسببها تمت معاقبة الصوت الفلسطيني ومنعه من الحضور إلى نيويورك، بدعوى عدم التزام السلطة الفلسطينية بوعودها، المثير للسخرية في التبرير، أن هناك خيبة أمل أمريكية من ملاحقة السلطة الفلسطينية لإسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية، وفي محكمة العدل الدولية، وجهودها المستمرة الرامية لضمان أوسع اعتراف بالدولة الفلسطينية. بعبارة أخرى، منعت الولايات المتحدة القيادة الفلسطينية في الأمم المتحدة بتهمة استخدام القانون الدولي لمكافحة التطهير العرقي، وها هو النظام الدولي القائم على القواعد القانونية والأخلاقية والإنسانية، والذي يتم الترويج لها كثيراً، يفرض نفسه بشكل متناقض تماماً كما العادة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وعدوانها التوسعي وجرائها.
الرسالة التي بعثتها الإدارة الأمريكية، من وراء منع القيادة الفلسطينية لا لبس فيها، فإذا كانت القيادة السياسية الفلسطينية الأكثر اعتدالاً وتعاوناً وقرباً من إسرائيل، لا تزال غير مقبولة لدى واشنطن، ولا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فلن يكون هناك أبداً أي شكل من أشكال التمثيل الفلسطيني الذي تقبله أمريكا، لا المقاومة المسلحة لأنها "إرهاب"، ولا المحكمة الجنائية الدولية لأنها "تقويض للسلام"، ولا محكمة العدل الدولية لأنها "تدويل للصراع"، ولا الدبلوماسية، ولا الاعتراف بالدولة، ولا حتى دعوى قضائية وخطاب في الجمعية العامة.
إذا كانت القيادة السياسية الفلسطينية الأكثر اعتدالاً وتعاوناً وقرباً من إسرائيل، لا تزال غير مقبولة لدى واشنطن، ولا في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، فلن يكون هناك أبداً أي شكل من أشكال التمثيل الفلسطيني الذي تقبله أمريكا
فالرئيس عباس والسلطة الفلسطينية ليسا منظمة متطرفة "إرهابية" بحسب التصنيف الأمريكي والغربي، وهما ليسا "حماس" ولا يمثلان مقاومة مسلحة، بل هما، حسب التقييم الصريح لنسبة كبيرة من الفلسطينيين، متعاونان جداً مع ما طلب منهم، وأمضيا عقوداً في التنسيق الأمني والتجاوب مع كل الشروط والإملاءات الأمريكية والإسرائيلية والغربية، هذا التعاون والتنسيق الموثق جيداً، لدرجة أن منتقدي السلطة الفلسطينية يستخدمونه لإهانتها، مع ذلك قررت الولايات المتحدة معاقبة السلطة الفلسطينية ليس باعتبارها خطراً على إسرائيل والولايات المتحدة، بل عقاباً على خيارها الذي آمنت به في السلام والمفاوضات وبتشجيع من المجتمع الدولي.
إذا، المعيار ليس الاعتدال، ولم يكن كذلك يوماً، المعيار هو الصمت، وما وراء الصمت، الخنوع الكامل لمنطق الغطرسة والسحق والعدوان، وإذا كان حجر الزاوية في أسس تشكيل المنظمة الدولية والأمم المتحدة، النظام القانوني الدولي الذي أرسي بعد الحرب العالمية الثانية، ودأبت واشنطن على تقديمه للعالم طوال 81 عاماً كبديل لمبدأ القوة هو الحق، واليوم، تعاقب الولايات المتحدة الأفراد والكيانات والدول لاستخدامهم محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، لأنهم يستخدمونها ضد إسرائيل؛ الدولة الوحيدة في العالم التي تحظى لليوم باستثناء دائم من النظام الدولي القائم على القواعد القانونية.
الخطورة في اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وليس في إتباع نهج "التطرف والإرهاب"، هكذا تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل للسلطة الفلسطينية، ولأنها طلبت من محكمة العدل الدولية رأياً حول شرعية الاحتلال الإسرائيلي، وهو رأي أصدرته المحكمة بالفعل، حيث خلصت إلى أن وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني ويجب إنهاؤه بأسرع وقت ممكن، ولأنها تجرأت على اتباع القنوات القانونية والسلمية والدبلوماسية، التي لطالما أصرّ النظام الليبرالي الغربي لعقود على أنها الطريقة الصحيحة والمشروعة لحل النزاعات. لقد فعلت السلطة الفلسطينية ما كان يُفترض بها فعله، ولذلك مُنعت من دخول الأمم المتحدة.
في العام 1988، انتقلت جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة، من نيويورك إلى جنيف، للاستماع إلى الصوت الفلسطيني بعد امتناع الإدارة الأمريكية عن منح الرئيس الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول، ومن المفارقات حينها، أن تطرد الولايات المتحدة، دولةُ المقر، الأممَ المتحدة خارج أراضيها، لأنها لن تتسامح مع وجود فلسطيني يتحدث فيها، وهي مفارقة تبدو سخيفة في واقع اليوم، بالسماح لمجرم حرب مثل بنيامين نتنياهو، مطلوب للعدالة الدولية وارتكب جرائم حرب وإبادة جماعية وقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني في غزة وحدها، بأن يعتلي منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي قاعة نصفها فارغ
انتهت خطابات قادة وزعماء العالم أمام الجمعية العامة، وعاد الجميع ليسد أذنيه ويغمض عينيه، عن تصريحات وسلوك قادة الإرهاب في إسرائيل، وعاد تهديد بتسلئيل سموتريتش للضفة الغربية بحرب على غرار جرائم الإبادة في غزة ومفاخرته بتدمير مخيماتها وتهجير سكانها، فلا نسمع عن نفير عربي ودولي لمواجهة هذا الإرهاب، احتجاجاً على وجوده، ويدلق أمام العالم مجموعة من الأكاذيب المفضوحة، مع صمت من يبررها ويدافع عنها في البيت الأبيض، الذي تعترف قيادته بحق إسرائيل في ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية، وهي بصدد تجهيز حزمة أسلحة جديدة للجيش الإسرائيلي، وهذا كله يتجلى في الأسبوع نفسه، في المؤسسة نفسها، التي تديرها حكومة تُلقي على العالم محاضرات حول النظام الدولي القائم على القواعد.
محاولة تحطيم الإنجاز السياسي الفلسطيني في الجمعية العامة للأمم المتحدة، من الاعتراف بفلسطين واللجوء للقانون الدولي لمطاردة الاحتلال وجرائمه، بمنع وخنق الصوت الفلسطيني، لن تحجب بصيرة شوارع عربية وغربية، من أن إسرائيل مستثناة أمريكيا وغربياً من المحاسبة على جرائمها وعدوانها واحتلالها، وإصرارها على عدم الامتثال لكل الأعراف والقوانين الدولية التي صدرت عن أمم متحدة تغيب عنها الضحية وتُقتل وتُهجر وتدمر بيوتها فوقها، ويخطب الجلاد أمامها بمقدرة فائقة لإنجاز أكبر عملية ابتزاز بالجرائم والتطهير العرقي، وبإرهاب العالم باللاسامية وبعقدة الإثم الغربي من الهولوكوست، إن تساءل وغضب وانتقد إرهاب إسرائيل.
انتهت خطابات قادة وزعماء العالم أمام الجمعية العامة، وعاد الجميع ليسد أذنيه ويغمض عينيه، عن تصريحات وسلوك قادة الإرهاب في إسرائيل، وعاد تهديد بتسلئيل سموتريتش للضفة الغربية بحرب على غرار جرائم الإبادة في غزة ومفاخرته بتدمير مخيماتها وتهجير سكانها، فلا نسمع عن نفير عربي ودولي لمواجهة هذا الإرهاب، ولا عن تجهيز خفيرٍ يردع هذا الإجرام، بل نرى حشودا للمستعمرين تقتحم الأقصى، وتمارس إرهاب الدولة المنظم في كل مدينة وقرية فلسطينية، على اعتبار إزاحة الحواجز البشرية والإنسانية للفلسطينيين، والعرب، لتنفيذ ما يبتغيه المشروع الصهيوني من توسع، وأمام ما تصوره إسرائيل من خريطة لذاتها الكبرى وفي الدولة "اليهودية" النقية من سكانها الأصليين.