من يناير إلى رابعة.. دماء المصريين في مواجهة النسيان والاستقطاب

- ‎فيتقارير

في كل مرة تعود فيها مصر إلى استحضار أحداث السنوات التي أعقبت ثورة 25 يناير 2011، تعود معها أسئلة الدم والعدالة والذاكرة إلى الواجهة. وبينما انقسمت الروايات السياسية حول تلك المرحلة، بقيت حقيقة واحدة أكثر إيلاماً من كل الخلافات، أن مصريين كثيرين فقدوا حياتهم في محطات متتالية من التحول والصراع السياسي والأمني، وأن عائلاتهم لا تزال تحمل آثار تلك الأحداث حتى اليوم.  

ولا يهدف استحضار هذه الوقائع إعادة إنتاج الانقسام أو تقليب الجراح، بقدر ما يطرح سؤالاً حول كيفية تعامل الدولة والمجتمع مع ذاكرة الضحايا، وهل يمكن بناء مستقبل مستقر من دون الاعتراف بآلام الماضي وتوثيقها بصورة شاملة ومحايدة؟

 

ذاكرة وطنية أسيرة الاستقطاب

على مدار السنوات الماضية، خضعت قضية الشهداء والضحايا في مصر لقدر كبير من الاستقطاب السياسي. فكل طرف حاول تقديم روايته الخاصة، وتحديد من يستحق وصف الشهيد ومن لا يستحقه، وفقاً لموقعه السياسي أو انتمائه أو المؤسسة التي كان ينتمي إليها.

لكن القراءة الإنسانية للوقائع تطرح رؤية مختلفة: الدم المصري لا ينبغي أن يخضع للتصنيف السياسي.

فبينما سقط مدنيون في الاحتجاجات والاشتباكات، فقدت أسر أخرى أبناءها من أفراد الجيش والشرطة خلال أعمال العنف والهجمات المسلحة التي شهدتها البلاد. كما كان الأقباط جزءاً من المشهد الوطني، وسقط منهم ضحايا في مراحل مختلفة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعامل مع جميع الضحايا باعتبارهم جزءاً من ذاكرة مصر، بعيداً عن محاولات احتكار الألم أو استخدام دماء الضحايا في الصراع السياسي.

 

يناير 2011.. حلم الحرية ودماء الميادين

مثّلت ثورة 25 يناير 2011 واحدة من أهم محطات التحول السياسي في تاريخ مصر الحديث. خرج ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين مطالبين بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، في مشهد شارك فيه مسلمون وأقباط، وشباب وعمال ومثقفون وقطاعات مختلفة من المجتمع.

لكن الاحتجاجات تحولت خلال أيام إلى مواجهات دامية، خصوصاً في القاهرة والإسكندرية والسويس ومحافظات أخرى. وشهدت أيام الثورة، وفي مقدمتها جمعة الغضب في 28 يناير، سقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين، وسط اتهامات باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين.

ومع مرور السنوات، تحولت أسماء بعض الضحايا إلى رموز للثورة، من بينهم خالد سعيد في الإسكندرية، ومينا دانيال، وعماد عفت، إلى جانب مئات الأسماء الأخرى التي ارتبطت بأحداث الثورة ومراحلها اللاحقة. ولا تختزل هذه الأسماء في أرقام أو إحصاءات، فخلف كل اسم أسرة فقدت ابناً أو أباً أو أخاً، وذكريات لا تزال حاضرة لدى ذوي الضحايا.

 

من التحرير إلى محمد محمود.. جغرافيا الدم

لم تترك دماء تلك المرحلة أثراً في ميدان التحرير وحده، وإنما امتدت إلى عدد من المواقع التي أصبحت لاحقاً جزءاً من ذاكرة الثورة.

وشهد محيط وزارة الداخلية وشارع محمد محمود والقصر العيني مواجهات دامية، كما شهدت مناطق أخرى، بينها محيط مسجد الفتح ورمسيس، محطات عنيفة خلال الأحداث التالية.

وأصبحت هذه المواقع شاهدة على مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، اختلط فيها الاحتجاج السياسي بالمواجهات الأمنية والصراع بين القوى المختلفة.

 

صيف 2013.. نقطة التحول الأكثر دموية

بعد عامين تقريباً من اندلاع الثورة، دخلت مصر مرحلة جديدة من الصراع السياسي عقب أحداث 30 يونيو 2013 وعزل الرئيس الشهيد محمد مرسي.

وكان فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، إلى جانب المواجهات التي وقعت في محيط جامعة القاهرة ومناطق أخرى، من أكثر الأحداث دموية في تاريخ مصر الحديث.

وتحدثت تقارير حقوقية محلية ودولية عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وسط خلاف واسع حول أعداد القتلى والملابسات والمسؤوليات السياسية والقانونية لما جرى.

وبغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة تجاه الاعتصامات أو الأطراف المشاركة فيها، فإن سقوط المدنيين يفرض سؤالاً أخلاقياً وقانونياً حول حماية الحق في الحياة، ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

فالاستقرار لا يمكن أن يكون بديلاً عن العدالة، كما أن المصالحة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على تجاهل الضحايا أو إنكار آلام عائلاتهم.

 

شهداء الجيش والشرطة.. الوجه الآخر لنزيف الوطن

في المقابل، لا يمكن قراءة سنوات ما بعد يناير بمعزل عن الخسائر البشرية التي تعرض لها أفراد القوات المسلحة والشرطة.

فقد شهدت مصر خلال تلك السنوات موجات من العنف والهجمات المسلحة، خصوصاً في سيناء، استهدفت أفراداً من الجيش والشرطة، وسقط خلالها ضباط وجنود أثناء أداء مهامهم.

وخلف هؤلاء أيضاً عائلات وأطفالاً وأمهات فقدوا أبناءهم، وهو ما يجعل دماء العسكريين والأمنيين جزءاً من النزيف الوطني الذي لا يمكن تجاهله عند كتابة تاريخ تلك المرحلة.

إن إنصاف الضحايا لا ينبغي أن يتحول إلى منافسة بين فئات المجتمع؛ فاحترام دماء المدنيين لا يعني تجاهل دماء الجنود، كما أن تكريم شهداء الجيش والشرطة لا ينبغي أن يكون مبرراً لإهدار حقوق المدنيين.

 

الأقباط جزء من ذاكرة الدم المصري

كما لم يكن المصريون الأقباط بعيدين عن الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد. فقد شارك الأقباط في ثورة يناير، وسقط منهم ضحايا في أحداث مختلفة، وكان مينا دانيال أحد أبرز الرموز التي ارتبطت بمرحلة الثورة وما بعدها.

وتؤكد هذه الوقائع أن المأساة المصرية خلال تلك السنوات لم تكن مرتبطة بطائفة أو جماعة واحدة، وإنما مست قطاعات واسعة من المجتمع.

 

من الأرقام إلى الأسماء

أحد أبرز التحديات التي تواجه توثيق هذه المرحلة هو تعدد الإحصاءات واختلاف الأرقام بين الجهات الرسمية والحقوقية والسياسية.

ولهذا فإن بناء أرشيف وطني مستقل يمثل خطوة أساسية نحو تجاوز الخلافات حول الأعداد، من خلال توثيق اسم كل ضحية، وتاريخ الوفاة، ومكانها، وظروفها، ونتائج التحقيقات والقضايا المرتبطة بها، مع إتاحة المعلومات للرأي العام.

ومن بين المصادر التي تناولت توثيق ضحايا ثورة يناير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ومبادرة «ويكي ثورة»، إلى جانب الأرشيفات الصحفية والحقوقية المختلفة.

لكن التعامل مع هذه المصادر يحتاج إلى مراجعة ومقارنة منهجية، خصوصاً في ظل التباين الكبير في توثيق أعداد الضحايا وتحديد المسؤوليات.

 

العدالة الانتقالية.. الطريق الأصعب

بعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، لا تزال فكرة العدالة الانتقالية مطروحة باعتبارها أحد المسارات الممكنة لمعالجة آثار المراحل الانتقالية العنيفة.

وتقوم العدالة الانتقالية، في جوهرها، على مجموعة من المبادئ، أبرزها كشف الحقيقة، ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات، وتعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

غير أن تحقيق ذلك يتطلب أولاً الاعتراف بأن الضحية لا تفقد حقها في العدالة بسبب انتمائها السياسي أو الفكري.

 

ذاكرة لا ينبغي أن تكون انتقائية

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لذاكرة الأمم هو تحويل الضحايا إلى أدوات في الصراع السياسي. فالشهيد الذي سقط في ميدان التحرير لا ينبغي أن يكون أقل قيمة من الجندي الذي قُتل في مواجهة هجوم إرهابي، والمدني الذي فقد حياته في أحداث 2013 لا ينبغي أن تُهدر ذكراه بسبب موقفه السياسي.

إن دماء المصريين، أياً كانت مواقعهم وانتماءاتهم، جزء من تاريخ هذا الوطن. ومن هنا فإن إعادة بناء الذاكرة الوطنية لا تعني إعادة إنتاج الخصومة، وإنما تعني الاعتراف بكل الضحايا، وتوثيق الوقائع، وفتح المجال أمام التحقيق المستقل، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، وجبر ضرر الأسر التي تحملت تكلفة تلك السنوات.

 

نحو أرشيف وطني للضحايا

ربما تكون الخطوة الأكثر إلحاحاً اليوم هي إنشاء أرشيف وطني مستقل ومحايد يُوثق أحداث المرحلة منذ يناير 2011 وحتى السنوات التالية، ويضم أسماء الضحايا المدنيين والعسكريين والأمنيين، إلى جانب توثيق ظروف الوفاة والتحقيقات والأحكام القضائية إن وجدت.

كما يمكن أن يشمل هذا الأرشيف شهادات أسر الضحايا والصور والوثائق والمقاطع المصورة والمصادر الحقوقية والصحفية، بما يسمح للأجيال القادمة بالاطلاع على تاريخ تلك المرحلة بعيداً عن الدعاية السياسية. فالذاكرة الوطنية لا تُبنى بحذف الأحداث، وإنما بمواجهتها.

بعد سنوات طويلة من الاستقطاب، ربما تكون مصر بحاجة إلى الانتقال من سؤال "من كان على حق؟" إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحمي حق المصريين جميعاً في الحياة والكرامة والعدالة؟

إن الاعتراف بدماء الضحايا لا يعني بالضرورة الاتفاق مع مواقفهم السياسية، كما أن رفض العنف لا يعني تبرئة طرف أو إدانة آخر بصورة مسبقة.

المطلوب هو ذاكرة وطنية لا تنتقي ضحاياها، وعدالة لا تتغير بحسب هوية المتهم أو الضحية، ومصالحة لا تقوم على النسيان وإنما على الحقيقة والإنصاف.

فالأوطان لا تتجاوز مآسيها بطمسها، وإنما بمواجهتها بشجاعة، وتوثيقها، واستخلاص الدروس منها، حتى لا تتحول دماء الماضي إلى مقدمة لدماء جديدة في المستقبل.