أثار إعلان الهيئة الوطنية للصحافة في مصر عن إصدار كتاب توثيقي جديد بعنوان (رجل الأقدار، سيرة قائد.. مسيرة وطن) بمناسبة ذكرى نكسة 30 يونيو، موجة عارمة من السجال والنقد عبر منصات التواصل الاجتماعي. وفي الوقت الذي صاغت فيه الجهات الرسمية هذا الكتاب كوثيقة للاحتفاء بالمنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي من حي الجمالية (حيث ولد بحارة اليهود) إلى قصر الاتحادية، تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة للمقارنات الحادة بين ما تحمله دفتي الكتاب من "تعريض"، وبين الواقع المعيشي والاقتصادي المأزوم الذي يواجهه المواطن يومياً، وسط تحذيرات حقوقية وسياسية من مغبة استمرار انسداد الأفق السياسي، وتصاعد وتيرة "التمجيد الدعائي" على حساب معالجة الأزمات الهيكلية.
وتزامناً مع صدور الكتاب، برزت قراءات سياسية وحقوقية تحذر من خطورة الوضع الراهن وإمكانية انزلاق البلاد نحو اضطرابات غير محسوبة العواقب إذا استمر إغلاق المجال العام.
حيث طرح الحقوقي البارز ومدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، تساؤلاً جوهرياً حول ضرورة العودة للاحتكام للمصريين قبل فوات الأوان. وأوضح "حسن" في قراءته أنه على الرغم من عدم تأييده التاريخي لجماعة الإخوان المسلمين ومعارضته لسياساتهم في عام 2012، إلا أنه رفض التحريض على التدخل العسكري.
وأضاف أن نظام الحكم الحالي وصل إلى "فشل ساحق" تجاوز مؤشرات حقبة مبارك على الصعد السياسية والاقتصادية والمكانة الدولية، واصفاً الوضع بأنه يدفع بمصر إلى حافة الإفلاس نتيجة النمو المتزايد لـ "بيزنس البكباشية الجدد" المتطفل على أقوات المواطنين. ودعا إلى ضرورة فتح المجال لإرادة شعبية حقيقية تجنب البلاد الانفجار العشوائي.
https://x.com/BaheyHassan/status/2070848581792051310
"رجل الأقدار" أم "رجل الأقذار"؟
وعبر منصات التواصل، قُوبل عنوان الكتاب برفض وسخرية من قِبل تيارات سياسية ومدنية مختلفة، معتبرين أن الواقع الاقتصادي صاغ عناوين أخرى في حياة المواطنين، فانتقد حزب تكنوقراط مصر التوجه الدعائي لإصدار السيسي، مشيراً إلى أن المواطن المصري منشغل تماماً بتوثيق "رحلة الأسعار التي لا تتوقف عن الصعود" وتراجع قيمة الجنيه بدلاً من قراءة المذكرات الرسمية.
ولفت الحزب إلى أن التركيز على المشروعات الكبرى جاء على حساب دعم الإنتاج الحقيقي في الزراعة والصناعة، معتبراً أن الأنسب لتسمية هذه المرحلة هو "سنوات الغلاء" أو "رجل الأعباء" نظراً للانكماش الملحوظ في المجال العام وتراجع الثقل الإقليمي للبلاد في ملفات حيوية كالملف الفلسطيني.
واستخدم "تكنوقراط مصر" أوصافًا تهكمية مثل رجل الأعباء وسنوات الغلاء كبديل مباشر لعنوان الكتاب الرسمي "رجل الأقدار"، لتحويل المعنى من التمجيد إلى الإشارة المباشرة للمسئولية عن الصعوبات المعيشية، معتبرًا أن تعبير "صناعة الفراعين" السياسي والتاريخي يُستخدم لانتقاد ما يراه المعلقون محاولات لإضفاء هالة من العصمة والتمجيد المبالغ فيه على الحاكم.
وحذر الحزب من التدهور الاقتصادي والمعيشي الذي ارتبط بالسيسي حيث "أغرق البلد في الديون"، و"دمر الاقتصاد"، و"إغراق الجنيه" المسئولية المباشرة عن الأزمة المالية وتراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.
واعتبر الحزب أن تولي السيسي رحل الأعباء كان "يوم نحس" ارتبط بلحظة وصول الإدارة الحالية إلى السلطة بات فيه المواطن في"مطاردة فواتير الكهرباء والغاز" .
ورغم أن السيسي باع "أصولاً من البلد" وفتح الباب لتملك الأجانب، متجاهلا الكرامة والسيادة الوطنية إلا أنه خط "الكتالـوج الرسمي للمطبلين" المعبر عن الرواية الرسمية واعتبارها نوعاً من النفاق السياسي.
https://x.com/egy_technocrats/status/2071185940354060543
وانتقد المدون محمد إبراهيم الصياغة المبالغ فيها للكتاب، متسائلاً بتهكم عن جدوى تحويل المسئولين إلى شخصيات معصومة من الخطأ في الوقت الذي يعاني فيه الاقتصاد من تراكم الديون السيادية، وبيع الأصول العامة، والسماح للأجانب بتملك العقارات بلا قيود، واصفاً السياسات الحالية بأنها ألحقت أضراراً بالغة بالطبقات المتوسطة والدنيا.
وتساءل "أمال لو ما كانش أغرق البلد في الديون وزاد أعداد الفقراء ودمر الاقتصاد واغرق الجنيه وباع أصولًا من البلد وسمح بتملكها لغير المصريين… كنتوا هتعملوا له إيه؟ تماثيل من العجوة وتعبدوها؟!".
كما استخدم رجل "الأقذار" كلفظ صريح يحمل دلالة واضحة على الرفض والغضب الشخصي الحاد من قِبل بعض المعلقين.
ومن جانبها، علقت الكاتبة آيات عرابي على الإصدار معتبرة إياه محاولة متكررة لصناعة الفراعين وتزوير الواقع. وأشارت "عرابي" إلى أن آليات الاختيار والتمكين الحالية أنتجت طبقة اجتماعية مقلوبة يصعد فيها المنتفعون على حساب الكفاءات العلمية والمجتهدين (مستشهدة بأوضاع أساتذة جراحة المناظير والمعتقلين السياسيين)، معتبرة أن التغيير الجذري أصبح ضرورة لاستعادة الدولة توازنها الطبيعي.
ووصفت المغردة "جيجي" اختيار اللقب بأنه يفتقر إلى الإبداع ويعكس رغبة مستمرة في محاكاة الألقاب والصفات الدينية والتاريخية لإضفاء شرعية مصطنعة.
وعن مسلسل نور الشريف تساءلت @Gelan_G2530 ".. مفيش بـ١ جنيه ابداع .. هو "شبطان" في كل الألقاب والصفات اللي اتوصف بيها الانبياء والرسل والصحابة .. -ففهمناها سليمان -وربنا بيكلمه وأداله البركة -رجل الأقدار ومش بعيد يقولنا أنه نزل عليه مائدة من السماء
https://x.com/Gelan_G2530/status/2071197192849670181
إسقاط "المسلسل" على "الكتاب"
أثار استخدام مسمى "رجل الأقدار" صدمة ومقارنة فورية لدى الجمهور المصري والعربي بين محتوى الكتاب الرسمي وبين الإرث الثقافي المرتبط بهذا الاسم؛ حيث يتفق المتابعون على أنه لا توجد أي شباهة أو تقاطع على الإطلاق بين العملين، لا من حيث الأصل التاريخي ولا الشخصية ولا القيمة الفنية.
ويرمز اسم "رجل الأقدار" في الوجدان الثقافي المصري إلى المسلسل التاريخي الشهير الذي أخرجه الراحل وفيق وجدي عام 2004، ودارت قصته حول السيرة الذاتية للصحابي الجليل عمرو بن العاص. تناول المسلسل العبقرية العسكرية والسياسية التاريخية لفاتح مصر، وبناء مدينة الفسطاط، وإرساء دعائم إدارة مستقلة وقوية قائمة على دهاء سياسي حقيقي شهدت له بطون التاريخ.
وجسد شخصية المسلسل الفنان الراحل نور الشريف، المعروف بمقاييسه الفنية الرفيعة وأدواره (في جانب منها لاسيما أفلامه مع عاطف الطيب) التي تحترم وعي المشاهد، وهو ما يجعله في كفة مغايرة تماماً لأي إسقاط سياسي معاصر يحاول استعارة هذا الإرث الفني لتوظيفه في إطار الدعاية السياسية اليومية.
واعتبر المغرد "زاهي المحبوب" أن الكتاب الجديد يمثل ما يشبه "الكتالوج الرسمي للمنافقين" الذين يسعون للحصول على ترقيات سريعة من خلال وضع الإصدار في خلفيات تصريحاتهم دون قراءة حقيقية لمضمونه أو الالتفات للواقع الميداني.
https://x.com/ZahiElMahboub2/status/2071181713879728174
الأقدار والنفاق على النموذج المغربي
وعبر المشهد العربي يبدو أن أسلوب التمجيد وصناعة الأساطير حول الحكام والمسئولين في مصر عبر المؤسسات الصحفية الرسمية ليس بدعاً في المنطقة، بل يتشابه هيكلياً مع نماذج نفاق المستبدين في أقطار أخرى، ومنها النموذج المغربي:
وشهدت مذكرات السعيد أمسكان تزامنا بصدور مؤلفات مشابهة في المغرب، حيث اختار القيادي السياسي أمسكان عنوان "رجل الأقدار" أيضاً ليعنون به مذكراته السياسية ويتناول فيه شخصية الملك محمد السادس!
ورغم محاولة محبي الاستقرار إضفاء طابع الوفاء والمبادئ والتصوف على هذه السير التي تخرج من القرى إلى مراكز القرار، إلا أن النشطاء الحقوقيين في المغرب يحذرون دائماً من ذات المعضلة: تحويل السياسيين والمسئولين إلى قادة صنعتهم "الصدف والأقدار" لتبرير بقائهم في السلطة، في حين يُطالب الشارع بحق المساءلة، والمحاسبة، والتداول السلمي بناءً على الأداء الاقتصادي الفعلي لا الروحانيات المكتوبة.
يُشار إلى أن مسلسل "رجل الأقدار" هو مسلسل تاريخي درامي مصري عُرض في عام 2003 (وامتدت أصداؤه وتأثيره في عام 2004)، وهو من إخراج المخرج الراحل وفيق وجدي، وتأليف الكاتب سامي غنيم. ويدور المسلسل حول السيرة الذاتية لواحد من أبرز القادة الفاتحين في التاريخ الإسلامي، وهو الصحابي الجليل عمرو بن العاص
ويتناول مرحلة ما قبل الإسلام ومرحلة التحول والمسار الجديد عند اعتناقه الإسلام وهجرته إلى المدينة المنورة، وكيف تغيرت مسيرته ليصبح واحداً من أبرز قادة الجيوش الإسلامية ويركز الجزء الأكبر من العمل على عبقريته العسكرية والسياسية، ودوره المحوري في فتوحات الشام، تليها المحطة الأبرز وهي فتح مصر وتأمين حدودها، وبناء مدينة الفسطاط وجامعه الشهير، وكيف أدار حكم مصر في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.