” السجون بدل الأحزاب”.. كيف جرى تجريف الحياة السياسية منذ انقلاب السيسى؟

- ‎فيتقارير

لم يكن الشعب المصري محروما من العمل السياسي والتعاطي معها مثلما يحدث في هذه المرحلة المظلمة ، منذ وصول المنقلب الدموى السيسى  ، للحكم عبر الدبابة ، حيث  حرَّم "السفيه " فيها  السياسة بمعناها الواسع وقصرها على عدد محدود منتقي بعناية عن طريق الأجهزة الأمنية يُطلق عليهم لقب نواب الشعب في المجالس النيابية التي لا تمارس السياسة بمعناها الحقيقي فهم مجرد موظفين يسعون لتخليص مصالح للجماهير.

ويعمل النظام على التخلص من كل من يلمع نجمه ويذيع صيته، لكيلا يبرز نجم ينافس رأس النظام او حتى تشير الناس إليه وتعتقد في انه يمكن ان يصبح يوما بديلا. هذا النهج دفع الناس للمقارنة مع فكرة  عقدة "الرئيس الأبدي": هل يكرر الرئيس السيسي معضلة مبارك الكبرى؟
 

ثمة خيط رفيع، لكنه ممتد، يربط بين فلسفتي الرئيسين مبارك والسيسي في إدارة الدولة على المدى البعيد. هذا الخيط يكمن في عدم القناعة الراسخة بمفهوم "دولة المؤسسات"، والتخوف المكتوم من الصعود الطبيعي لكفاءات وطنية مستقلة قادرة على إحداث تغييرات جذرية في بنية الحكم.
 

مبارك: تجريف الكفاءات وصناعة الفراغ
تاريخياً، لم يكن مبارك يطيح بالناجحين لفشلهم، بل لخوفه من نجاحهم. ولا تزال قصص الإطاحة المبكرة بشخصيات مثل كمال الجنزوري وعمرو موسى شاهدة على سياسة تحجيم الكفاءات المشهود لها، لإفراغ الساحة من أي بديل محتمل.
 

وقد عاش نظام مبارك طوال 30 عاماً خلف جدار شعار رئيسي: "أنا أو الفوضى"، والنتيجة اقتنع الشارع لسنوات بأنه لا سبيل للتغيير إلا عبر المسار الذي يحدده الرئيس نفسه، هذا الانغلاق ساهم في تهيئة الأجواء لنظرية "التوريث" لصالح نجله جمال "الشخص الوحيد الذي لم يكن الرئيس يغار من نجاحه"، وهو ما تحول لاحقاً إلى الوقود لاندلاع ثورة يناير 2011.
 

وطوال ثلاثة عقود، لم يستثمر مبارك استقرار حكمه في بناء وتطوير مؤسسات مرنة تسمح للدولة بالنمو والاستمرار بمعزل عن شخصه، ليصبح مفهوم "البقاء مدى الحياة" مرادفاً لاستمرار الدولة نفسها.
 

المعادلة تتكرر.. المفارقة والدستور
المفارقة تكمن في أن السيسي نفسه كان قد صرح علناً بأن نظام مبارك كان يجب أن يتغير مبكراً، وأن ثورة يناير تأخرت 15 عاماً. بل إنه أكد في بدايات حكمه عبر وسائل إعلام أمريكية ودولية أن مصر لن يحكمها رئيس أكثر من فترتين" 8 سنوات."
 

لكن المشهد تغير لاحقاً؛ فسرعان ما ظهرت نبرة مختلفة ترى أن طريق الإصلاح يتطلب زمناً أطول، وهو ما تُرجم عملياً في تعديلات الدستور عام 2019 التي مدت بقاء الرئيس لـ 16 عاماً "تنتهي فترتها الحالية بعد نحو 4 سنوات."  ومع اقتراب هذه النهاية الدستورية، يعود إلى الأذهان ذات الهواجس القديمة حول احتمالات تعديل الدستور مجدداً، ليتأجل حلم التداول السلمي للسلطة مرة أخرى.
 

معضلة غياب البديل المؤسسي
تماماً كما حدث في الماضي، لم نشهد طوال الـ 12 عاماً الماضية إصلاحات هيكلية في "دولة المؤسسات" تسمح ببروز قيادات سياسية أو اقتصادية ذات ثقل جماهيري أو تنفيذي مستقل يمكن الاعتماد عليها مستقبلاً.
 

بإنصاف سياسي: بناء دولة مؤسسات حقيقية وخلق كفاءات تدير المستقبل ليس أمراً يحدث بين عشية وضحاها؛ إنه يتطلب رؤية واضحة، قناعة حقيقية، وخطوات عملية ملموسة، وهي خطوات ما زالت غائبة عن المشهد الحالي، ولا توجد مؤشرات قوية على ولادتها في السنوات القليلة القادمة.
 

نحو موروث سياسي جديد
إن غياب اليقين بوجود "رئيس قادم" بعد الرئيس الحالي يعكس خللاً ممتداً في ثقافة الحكم في مصر، ومواجهة هذا الخلل تتطلب تغييراً في الوعي الجمعي؛ ليرسخ في وجدان الشعب والحاكم على حد سواء حقيقة واحدة: منصب الرئيس هو موقع مؤقت في مسيرة الوطن، وليس قدراً أبدياً. وفكرة الارتباط الشرطي بين بقاء الدولة وبقاء الفرد باتت من سمات النظم التي تجاوزها الزمن، ولا تليق بدولة بحجم مصر، وتاريخها، وطموح شعبها.
 

وما يحدث من تجريف للحياة السياسة يؤكد ان نظام السيسي يسير في نفس المسار وخطوط نفس الخطي، فحتما سيصل الي نفس النتيجة، التضييق على العمل السياسي بداية من تجريم العمل السياسي في الجامعات واغلاق المجال العام امام أي نشاط سياسي.
 

وتجريف المجال العام باعتقال قادة الرأي والفكر وان كانوا غير معارضين والامثلة على ذلك في السجون كثيرة نذكر منها القامة السياسية يحي حسين عبد الهادي الذي يقضي في السجن سنينا عددا لا لشيء الا انه انتقد الأوضاع وقدم نصحا للنظام ولكنهم لا يحبون الناصحين. والباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق الذي تم اعتقاله لنفس ذات الأسباب والسياسي المخضرم عبد المنعم أبو الفتوح الذي ايد مسار 30 يوليو اعتقله السيسي لأنه رأي  ان الجماهير ممكن ان تري فيه بديلا والقائمة تطول .