انتقادات للحكم "القضائي" بغرامة 3 ملايين جنيه وإغلاق موقع "مدى مصر" المستقل
تساؤلات عن دور وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، ومعايير منح التراخيص للمؤسسات الصحفية
أثار الحكم الصادر بحق موقع «مدى مصر»، والمتضمن تغريمه ثلاثة ملايين جنيه وإغلاقه ومصادرة محتوياته وفقًا للنصوص المتداولة، موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، تمحورت حول طبيعة القرار وتوقيته وانعكاساته على مستقبل الصحافة المستقلة في مصر.
وفي هذا السياق، اعتبر الكاتب الصحفي قطب العربي (@kotbelaraby) النائب السابق للأمين العام للمجلس الأعلى للصحافة، أن الحكم "قرار سياسي في ثوب قضائي"، وربطه بحملة التضامن الدولية مع الموقع ورئيسة تحريره لينا عطا الله. ورأى أن السلطة تحاول إظهار قوتها في مواجهة الانتقادات الخارجية، محذرًا من أن هذا النهج قد يكشف ضعفها بدلًا من تأكيد قوتها.
ولم يقتصر تعليق العربي على الحكم نفسه، بل امتد إلى بنية تنظيم الإعلام في مصر، إذ سبق أن انتقد تهميش الهيئات الإعلامية المستقلة، مستندًا إلى المواد 211 و212 و213 من الدستور، التي تنظم عمل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام.
واعتبر العربي أن وجود وزير دولة للإعلام، هو ضياء رشوان، في ظل ما وصفه بالهيمنة العملية على هذه الهيئات، يثير تساؤلات حول مدى احترام استقلالها الدستوري والفني والمالي والإداري.
وتعكس هذه الانتقادات اتجاهًا يرى أن قضية «مدى مصر» لا تتعلق فقط بمخالفة مرتبطة بالترخيص، بل تفتح ملف العلاقة بين السلطة التنفيذية والمؤسسات الإعلامية، وحدود استقلال الجهات المسؤولة عن تنظيم الصحافة.
المسؤولية السياسية
في ضوء هذه التفاعلات، تبرز قراءة سياسية تحمل المنقلب عبدالفتاح السيسي المسؤولية الأكبر عن البيئة التي تعمل فيها الصحافة المصرية، باعتباره رأس السلطة السياسية والتنفيذية، والمسؤول الأول عن التوجه العام للنظام وسياساته.
والمفارقة بين الدعوات الرسمية إلى تطوير الإعلام وفتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر، وبين الإجراءات التي تواجه مؤسسات صحفية مستقلة، (تعمل لسنوات في مصر وتتعرض لملاحقات أمنية مستمرة) بما يثير تساؤلات عن مدى جدية الخطاب الإصلاحي وقدرته على التحول إلى ضمانات عملية لحرية الصحافة.
والمسؤولية السياسية الأساسية بحسب مراقبين تقع على الجهة التي تملك سلطة رسم السياسات وتوجيه المؤسسات التنفيذية، فيما يُطرح دور وزير الدولة للإعلام باعتباره جزءًا من المشهد الرسمي الذي ينبغي تقييمه على أساس ما يتحقق فعليًا من استقلال وحرية، لا على أساس التصريحات وحدها.
العقوبة القصوى
من جانبه، انتقد الكاتب الصحفي سليم عزوز (@selimazouz1) توقيع العقوبة القصوى على "مدى مصر"، معتبرًا أن الغرامة التي تبلغ 3 ملايين جنيه، إلى جانب إغلاق الموقع، تمثل تصرفًا مبالغًا فيه ويفتقر إلى اللياقة السياسية.
وكتب عزوز أن هذا الإجراء يفتح الباب أمام ضغوط أجنبية قد تصمد السلطة أمامها في البداية، ثم تتراجع تحت وطأتها، مضيفًا أن منح الموقع الترخيص كان يمكن أن يحل جانبًا كبيرًا من الإشكال.
وفي تعليق آخر، وجّه عزوز تساؤلات إلى مجلس الوزراء بشأن موقع ضياء رشوان داخل الحكومة، وما إذا كان قد أُخذ برأيه في أزمة «مدى مصر»، في وقت يستعد فيه لعقد مؤتمر للنهوض بالإعلام.
وتساءل عما إذا كانت الحكومة تدرك أنها تصعّب مهمة الوزير في الوقت الذي يُفترض فيه أن يعمل على تهيئة الأجواء لإعلام يسمح بالرأي والرأي الآخر.
ويضع تعليق عزوز التناقض بين الخطاب الرسمي والإجراءات المتخذة في قلب النقاش، ويطرح تساؤلًا بشأن مدى التنسيق داخل الحكومة، وما إذا كانت دعوات الإصلاح الإعلامي تحظى بدعم فعلي من الجهات صاحبة القرار.
مفارقة التراخيص بين "يوليو" و"مدى مصر"
وفي محور آخر، سلط الصحفي عبدالمنعم محمود (@moneimpress) الضوء على ما وصفه بالمفارقة بين منح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ترخيصًا لموقع «يوليو»، المرتبط بخالد صلاح، وإحالة لينا عطا الله، رئيسة تحرير «مدى مصر»، إلى محكمة الجنح بتهمة إدارة موقع إلكتروني دون ترخيص.
وأشار محمود إلى أن «مدى مصر» حاول الحصول على الترخيص منذ عام 2018، ثم تقدم مرة أخرى في عام 2020، قبل أن يظهر رفض المجلس لطلبه في أوراق قضية عام 2023، وفق روايته.
وكتب أن المفارقة تتمثل في أن المؤسسة تطلب الترخيص ولا تحصل عليه، ثم تواجه المحاكمة بسبب العمل من دونه.
كما ربط محمود القضية بما جرى مع منصة «متصدقش»، التي قال إن ستة من صحفييها العاملين داخل مصر أُلقي القبض عليهم وحُبسوا احتياطيًا، معتبرًا أن اختلاف القضيتين لا يلغي تشابه أثرهما على الصحافة المستقلة، من حيث استنزاف الصحفيين في التحقيقات والمحاكمات وتهديد قدرتهم على مواصلة العمل.
وانتقد محمود، في السياق نفسه، طبيعة المحتوى الذي يقدمه خالد صلاح عبر «يوليو»، معتبرًا أنه أقرب إلى محتوى منصات التواصل منه إلى الصحافة المستقلة القائمة على مساءلة السلطة والتحقق من رواياتها.
وتتمحور أهمية هذا التعليق حول سؤال المساواة في تطبيق قواعد الترخيص، ومدى اتساق القرارات التنظيمية مع معايير مهنية وقانونية واحدة، بعيدًا عن طبيعة الخط التحريري للمؤسسات الإعلامية.
ضمانات الدفاع
وبحسب الرواية المنقولة عن حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، تمسك الدفاع بطلب الحصول على وقت كافٍ لمراجعة الملف، بينما رُفعت الجلسة رغم هذا الطلب.
وأضافت الرواية أن المحكمة رفضت عددًا من الدفوع الإجرائية وطلبات ضم المستندات وسماع الشهود، ثم انتدبت محاميًا للدفاع عن لينا عطا الله رغم وجود محاميها الأصليين واعتراض الدفاع على سير الإجراءات.
وأثارت هذه التفاصيل انتقادات بشأن ضمانات المحاكمة العادلة، خصوصًا ما يتعلق بحق الدفاع في الاطلاع على أوراق القضية، وحق المتهمة في الاستعانة بمحاميها، ومدى إتاحة الفرصة الكافية لعرض الدفوع.
وأشارت المادة إلى أن دفاع "مدى مصر" طلب إحالة أوراق الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا، أو التصريح بإقامة دعوى دستورية مستقلة، للفصل في دستورية المادتين 6 و105 من قانون تنظيم الصحافة والإعلام.
رشوان ووعود تطوير الإعلام بالفضفضة!
في سياق متصل، كان الكاتب الصحفي خالد محمود (@khaledmahmoued1) تناول دعوة ضياء رشوان في أغسطس الماضي، إلى الصحفيين والإعلاميين لتقديم مقترحات للنهوض بالمهنة، معتبرًا أن هذه الدعوة قد ترتبط بمساعٍ مبكرة لتهيئة الأجواء لولاية رئاسية جديدة محتملة، وما قد يصاحبها من حديث عن تعديل دستوري.
وربط محمود ذلك بإعادة طرح نسخة منقحة من الحوار الوطني الذي دعا إليه السيسي عام 2022، مشيرًا إلى أن معظم توصياته، وفق تقديره، لم تتحول إلى سياسات ملموسة.
كما أثار تساؤلات بشأن استقلال المجال الإعلامي في ظل سيطرة الحكومة على جانب كبير منه، وهيمنة شركة المتحدة للخدمات الإعلامية على عدد من القنوات والصحف والمنصات.
وشدد محمود على أن الحديث عن تنشيط الحياة السياسية والحزبية والانفتاح الإعلامي لا ينبغي تقديمه بوصفه منحة رئاسية، بل باعتباره استحقاقًا يتعين على السلطة الوفاء به.
وكتب أن المسؤول عن المشهد السياسي والإعلامي هو النظام والحكومة، وليس الشعب والصحفيين، مضيفًا أن الدعوة الحقيقية للإصلاح ينبغي أن تتجه إلى أصحاب القرار كي يرفعوا أيديهم عن الحياة الحزبية والمشهد الإعلامي.
كما انتقد محاولات إخضاع الإعلام لأهداف السلطة، معتبرًا أن خنق المجالين الإعلامي والحزبي نتج عن سياسات ينبغي التراجع عنها، بما يسمح بتعدد الأصوات وحرية التعبير.
حصيلة وجود ضياء رشوان
وفي تعليق مقتضب لكنه دال على الجدل الدائر، طرح حساب العربي بلس (@AlarabyPlus) سؤالًا مباشرًا: «هل الجماعة الصحفية كسبت من وجود ضياء رشوان؟»، وذلك ضمن محتوى تناول موقع «ميكروفون» على التطبيق.
ويختصر السؤال جانبًا من النقاش المتصاعد حول دور الوزير في المشهد الإعلامي، ومدى انعكاس وجوده في الحكومة على أوضاع الصحفيين واستقلال المؤسسات.
كما ظهرت إشارات أخرى إلى لقاءات ومناقشات تتعلق بضياء رشوان، من بينها منشور لمنار الحسيني (@ManarHusseiny18) أشارت فيه إلى لقاء آخر معه ضمن برنامج «مراجعات»، وتساؤل نشره حساب وليد (@waleed32017688) بشأن استحقاقه منصب وزير الإعلام.
تضامن عربي مع الصحافة المستقلة
وفي سياق أوسع، نشر حزب تكنوقراط مصر (@egy_technocrats) تعليقًا تناول استدعاء لينا عطا الله للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا، في القضية رقم 9072 لسنة 2026، بحسب ما ورد في المنشور.
وأشار الحزب إلى أن القضية تأتي ضمن سلسلة من الإجراءات القانونية التي قال موقع «مدى مصر» إنها طالت المؤسسة وصحفييها ورئيسة تحريرها خلال السنوات الست السابقة.
كما تناول المنشور إطلاق ثماني مؤسسات صحفية من مصر ولبنان وتونس وسوريا غرفة أخبار مشتركة لمدة ستة أيام لتدقيق الحقائق المتعلقة بما عُرض في «منتدى مصر 2026»، تحت شعار "لحد ما يرجعوا.. التحقق مستمر"
وذكر المنشور أن المبادرة ضمت «المنصة» و«صحيح مصر» و«مدى مصر» من مصر، و«ميغافون» و«درج» و«صفر» من لبنان، و«نواة» من تونس، و«الجمهورية» من سوريا، في إطار التضامن مع ستة صحفيين من منصة «متصدقش»، قال المنشور إنهم محتجزون منذ أواخر سبتمبر بسبب عملهم الصحفي.
وربط الحزب بين هذه التطورات والمفارقة التي يرى أنها قائمة بين الترويج الرسمي للإنجازات وبين استمرار الإجراءات القانونية التي تواجه الصحفيين والمؤسسات المستقلة.
وأكد المنشور أن الثقة العامة لا تُبنى بالدعاية وحدها، وأن الرد على النقد ينبغي أن يكون بتقديم المعلومات والأدلة، لا بترك الصحفيين أمام قضايا واستدعاءات متلاحقة.