أعاد الحديث عن احتمال انخراط مصر عسكريًا إلى جانب السعودية في مواجهة جماعة الحوثيين باليمن فتح ملف المشاركة العسكرية المصرية خارج الحدود، في خطوة تثير تساؤلات تتجاوز طبيعة الدعم المحتمل للرياض إلى دوافع التحرك وحدوده، ومدى استعداد القاهرة لتحمل تبعات مواجهة قد تمتد زمنيًا وتتسع جغرافيًا، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري من ضغوط مالية متراكمة وتراجع في القدرة على تحمل أعباء إضافية.
وجاء طلب المنقلب السفيه ،عبد الفتاح السيسي تفويضًا من البرلمان يتيح التحرك إذا طلبت السعودية ذلك، بحسب الطرح المتداول بشأن التطورات الأخيرة، ليضع احتمالات المشاركة العسكرية أمام اختبار سياسي واستراتيجي بالغ الحساسية؛ إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على دعم حليف إقليمي، وإنما بات مرتبطًا بتحديد طبيعة الدور المصري، وما إذا كان سيقتصر على حماية الملاحة وتبادل المعلومات والدعم الدفاعي، أم قد يتطور إلى مشاركة مباشرة في عمليات عسكرية ضد الحوثيين.
ويكتسب هذا التحرك أهميته من أن المواجهة لم تعد محصورة في حدود الحرب اليمنية التي اندلعت عام 2015، بل باتت تتقاطع مع أمن البحر الأحمر وباب المندب، وهما ممران يرتبط بهما جانب مهم من المصالح السعودية والمصرية، فضلًا عن تداعيات الهجمات والاضطرابات البحرية على التجارة الدولية وحركة السفن العابرة لقناة السويس.
لكن ارتباط الأمن المصري بأمن البحر الأحمر لا يعني بالضرورة أن التدخل العسكري المباشر هو الخيار الوحيد أو الأكثر فاعلية، كما أن الوقوف إلى جانب السعودية لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: ما المكاسب التي يمكن أن تحققها مصر من الانخراط في هذه المواجهة، وما حجم المخاطر التي قد تتحملها إذا تحولت المشاركة المحدودة إلى حرب استنزاف مفتوحة؟
السعودية تبحث عن دعم إضافي.. لكن هل يحسم التدخل المصري المواجهة؟
على مدار نحو 11 عامًا من الحرب، واجهت السعودية صعوبات في حسم المواجهة مع الحوثيين، رغم امتلاكها قدرات عسكرية متقدمة تشمل الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي والصاروخي، إلى جانب موارد مالية وعسكرية كبيرة.
وتكشف هذه الصعوبات عن طبيعة التحدي الذي تمثله الجماعة؛ فالمواجهة لا تجري بين جيشين نظاميين يخوضان حربًا تقليدية، وإنما أمام خصم يعتمد على الصواريخ والطائرات المسيّرة، ويستفيد من طبيعة التضاريس اليمنية وتعقيدات المشهد الداخلي، فضلًا عن قدرته على توزيع الهجمات وتغيير أساليبها بما يرفع تكلفة التصدي لها.
وتواجه الرياض، في هذا السياق، معضلة تتعلق بحماية مساحة جغرافية واسعة تضم مدنًا ومطارات ومنشآت نفطية ومحطات طاقة وموانئ وبنى تحتية حيوية، في ظل تهديدات يمكن أن تأتي من اتجاهات مختلفة. ولا تقتصر المشكلة على امتلاك وسائل الاعتراض، بل تشمل كلفة تشغيلها، والقدرة على رصد الهجمات في الوقت المناسب، والتعامل مع أكثر من تهديد في آن واحد.
ومن هنا يمكن فهم سعي السعودية إلى توسيع نطاق الدعم الذي تتلقاه من شركائها، بما في ذلك مصر، التي تمتلك قدرات عسكرية وبحرية وموقعًا جغرافيًا يمنحها أهمية خاصة في شمال البحر الأحمر.
غير أن إضافة قدرات مصرية إلى المعادلة لا تعني تلقائيًا تغيير ميزان المواجهة أو ضمان حسمها. ففاعلية أي دعم ستتوقف على طبيعته وحجمه، وعلى مدى تكامله مع القدرات السعودية، فضلًا عن طبيعة العمليات الحوثية ومدى اتساعها.
والأهم أن الأزمة لا تتعلق فقط بقدرة الرياض على الدفاع عن أراضيها، وإنما أيضًا بكيفية إنهاء المواجهة، بعدما أثبتت سنوات الحرب أن التفوق في السلاح والإنفاق العسكري لا يكفي وحده لتحقيق نصر سياسي مستدام.
من تحفظ 2015 إلى احتمال التدخل.. ما الذي تغير في حسابات القاهرة؟
منذ حرب أكتوبر 1973، اتسمت السياسة المصرية بقدر من الحذر تجاه الانخراط في حروب خارج الحدود، مع استثناءات بارزة، من بينها مشاركة القوات المصرية في حرب تحرير الكويت عام 1991، فضلًا عن عمليات عسكرية محدودة في ساحات إقليمية ارتبطت باعتبارات أمنية مباشرة.
وعندما أطلقت السعودية عملية «عاصفة الحزم» عام 2015، أعلنت القاهرة دعمها السياسي للتحالف العربي، وشاركت في جوانب من الجهد العسكري والبحري، لكنها تجنبت الانخراط في حرب برية واسعة داخل اليمن، في موقف عكس إدراكًا لتكلفة المواجهة وتعقيدات ساحتها.
وكان هذا التحفظ أحد مصادر التباين في التوقعات بين القاهرة والرياض بشأن مستوى المشاركة المصرية؛ إذ لم تتطابق حسابات الطرفين بصورة كاملة حول حجم الدور الذي يمكن أن تؤديه مصر في الحرب.
أما اليوم، فإن طرح احتمال تقديم دعم عسكري إضافي للسعودية يثير تساؤلات بشأن الأسباب التي دفعت القاهرة إلى إعادة النظر في حدود دورها، وما إذا كانت التطورات الأمنية في البحر الأحمر قد فرضت مراجعة فعلية لحساباتها، أم أن الأمر يرتبط أيضًا بطبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
ويبرز في مقدمة هذه الأسباب التهديد الذي تمثله هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر، وما ترتب عليها من اضطرابات أثرت في حركة السفن العابرة لقناة السويس، وألحقت خسائر كبيرة بالإيرادات المصرية.
فبالنسبة إلى القاهرة، لم تعد التطورات في جنوب البحر الأحمر مجرد أزمة بعيدة تدور على هامش الحرب اليمنية، وإنما أصبحت مرتبطة بمصدر مهم للنقد الأجنبي، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد دولارية مستقرة لتغطية التزاماتها الخارجية واحتياجاتها من الواردات.
لكن هذا الارتباط يفرض ضرورة التمييز بين حماية المصالح المصرية المشروعة وبين الانخراط في حرب قد تتجاوز أهدافها حدود تأمين الملاحة. فالدفاع عن قناة السويس والبحر الأحمر يمكن أن يبرر تعزيز القدرات البحرية والتعاون الاستخباراتي وتنسيق الجهود الدولية، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، مبررًا كافيًا للانتقال إلى عمليات هجومية مفتوحة داخل اليمن.
كما أن أي قرار من هذا النوع يحتاج إلى تقدير واضح للمخاطر والبدائل، لا إلى الاكتفاء بالرهان على أن مشاركة عسكرية إضافية ستؤدي بالضرورة إلى احتواء التهديد.
حسابات المصالح.. هل تتحول الشراكة الاقتصادية إلى التزام عسكري؟
لا يمكن فصل التحرك المصري المحتمل عن طبيعة العلاقات مع السعودية، التي تمثل أحد الشركاء الاقتصاديين المهمين للقاهرة، سواء من خلال الاستثمارات والودائع والمساندة المالية، أو عبر العمالة المصرية في المملكة وتحويلاتها.
وتمنح هذه المصالح العلاقات بين البلدين وزنًا يتجاوز التنسيق السياسي التقليدي، كما تجعل استقرار السعودية وتراجع المخاطر التي تهدد منشآتها واقتصادها أمرًا مهمًا بالنسبة إلى مصر.
لكن وجود مصالح اقتصادية مشتركة لا ينبغي أن يتحول إلى تفويض مفتوح لتحميل مصر أعباء عسكرية غير محددة. فالعلاقة بين البلدين، مهما بلغت أهميتها، تقتضي أن تقوم القرارات الاستراتيجية على حساب متوازن للمصالح المتبادلة، وأن تكون طبيعة أي مشاركة عسكرية وأهدافها ومدتها وتكلفتها معلومة بقدر الإمكان.
ويبرز هنا سؤال يتعلق بكيفية توزيع أعباء المواجهة بين الأطراف المعنية، خصوصًا إذا امتدت العمليات أو احتاجت إلى نشر قوات ومنظومات دفاعية إضافية. فهل ستكون المشاركة المصرية محدودة وممولة بصورة واضحة، أم ستتحمل الموازنة العامة جانبًا من تكاليفها؟ وما الضمانات التي تحول دون توسع الالتزام العسكري بمرور الوقت؟
هذه الأسئلة ليست تفصيلًا ماليًا ثانويًا، بل تمثل جزءًا أساسيًا من القرار السياسي نفسه، خاصة أن مصر بزمن السفيه السيسى ، تواجه التزامات مالية وضغوطًا اقتصادية تجعل أي إنفاق عسكري إضافي بحاجة إلى تبرير واضح، ومقارنة دقيقة بين كلفته والعائد المتوقع منه.
أربعة مستويات للدعم.. أين تتوقف القاهرة؟
تتدرج الخيارات المصرية المحتملة من التعاون الأمني المحدود إلى التدخل العسكري المباشر، وتختلف كلفة كل خيار ومخاطره بصورة كبيرة.
أولًا: التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات
يمثل هذا الخيار المستوى الأقل كلفة نسبيًا، إذ يمكن أن يشمل تبادل المعلومات المتعلقة بالتهديدات البحرية وتحركات الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعزيز الرصد والإنذار المبكر، وتنسيق المعلومات بين الجهات المعنية في البلدين.
ومن شأن هذا التعاون أن يدعم القدرات الدفاعية السعودية دون أن يضع مصر بالضرورة في موقع الطرف المشارك مباشرة في العمليات القتالية، مع ضرورة تحديد نطاق تبادل المعلومات وضوابط استخدامه.
ثانيًا: تعزيز أمن البحر الأحمر والملاحة
يمكن أن يتخذ الدعم صورة مشاركة بحرية أوسع في حماية خطوط الملاحة، ومراقبة الممرات الاستراتيجية، وتنسيق الجهود الرامية إلى حماية السفن التجارية من الهجمات.
ويستند هذا الخيار إلى الموقع الجغرافي المصري وخبرة القوات البحرية، فضلًا عن ارتباط أمن البحر الأحمر مباشرة بحركة الملاحة عبر قناة السويس.
غير أن تأمين الملاحة يختلف عن الانخراط في عمليات هجومية داخل اليمن؛ فلكل منهما قواعد اشتباك وأهداف ومخاطر مختلفة، ويجب ألا تتحول المهام الدفاعية تدريجيًا إلى مشاركة قتالية مفتوحة دون إعلان واضح عن طبيعة المهمة وحدودها.
ثالثًا: تقديم دعم دفاعي مباشر للسعودية
يمثل هذا المستوى خطوة أكثر حساسية، وقد يشمل تقديم دعم فني أو لوجستي أو مساهمات في تعزيز القدرات الدفاعية وحماية المنشآت الحيوية، وفق ما تسمح به الاتفاقات والقرارات السياسية والعسكرية.
لكن هذا الخيار يحتاج إلى تحديد دقيق لطبيعة القوات أو الإمكانات المشاركة، ومواقع انتشارها، والجهة التي تتولى قيادتها، ومسؤولية تمويلها، ومدى تعرضها للمخاطر في حال اتساع المواجهة.
فأي وجود عسكري مصري داخل الأراضي السعودية قد يرفع مستوى التنسيق بين البلدين، لكنه قد يجعل القوات المصرية أيضًا جزءًا من معادلة الاستهداف إذا اتسع نطاق الصراع.
رابعًا: التدخل البري داخل اليمن
يظل هذا الخيار الأكثر خطورة وتعقيدًا، نظرًا إلى طبيعة الجغرافيا اليمنية، وتشابك القوى المسلحة، واتساع الانقسامات السياسية والقبلية، وصعوبة فرض السيطرة على الأرض في مواجهة خصم يعتمد على أساليب القتال غير النظامي.
وتملك مصر تجربة تاريخية ثقيلة في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حين انخرطت قواتها في الحرب الأهلية هناك، وتكبدت خسائر بشرية ومادية في حرب استنزاف ارتبطت بتعقيدات الساحة اليمنية والتدخلات الإقليمية.
ورغم اختلاف الظروف الراهنة عن تلك المرحلة، فإن الدرس الأساسي لا يزال قائمًا: الدخول في حرب داخل اليمن أسهل بكثير من ضمان تحقيق أهدافها والخروج منها في توقيت مناسب.
كما أن أي تدخل بري جديد سيحتاج إلى تحديد طبيعة المهمة وأهدافها والجهة التي ستتولى إدارتها، فضلًا عن وضع تصور واقعي لمرحلة ما بعد العمليات. ومن دون ذلك، قد تتحول المشاركة من تحرك محدود إلى التزام طويل الأمد يصعب إنهاؤه سياسيًا وعسكريًا.
فاتورة التدخل.. هل يستطيع الاقتصاد المصري تحمل حرب جديدة؟
تمثل الكلفة الاقتصادية أحد أبرز القيود على قرار التدخل العسكري المباشر، خصوصًا في ظل الضغوط التي تواجهها المالية العامة المصرية، وارتفاع احتياجات البلاد من النقد الأجنبي، وتزايد أهمية توجيه الموارد المتاحة إلى القطاعات والخدمات الأساسية.
فالحرب لا تقتصر تكلفتها على تحريك القوات أو تشغيل الطائرات والسفن، وإنما تشمل الذخائر والصيانة والإمداد والنقل والتأمين الطبي وحماية المنشآت، فضلًا عن تكاليف الاستعداد المستمر والاحتفاظ بالقوات في حالة جاهزية طوال فترة العمليات.
وإذا امتدت المشاركة إلى أشهر أو سنوات، فإن النفقات قد تتجاوز بكثير التقديرات الأولية، لا سيما إذا تطلبت المواجهة نشر قوات إضافية أو تعويض المعدات والذخائر المستهلكة.
ولا يعني ذلك أن مصر لا تستطيع تحمل أي مشاركة عسكرية خارج حدودها، وإنما حجم المشاركة ومدتها ومصادر تمويلها يجب أن تكون محددة وفق حسابات واقعية، لا وفق افتراض أن الدعم المالي من الحلفاء سيغطي جميع التكاليف بصورة تلقائية.
فحتى إذا ساهمت السعودية أو أطراف خليجية في تمويل جانب من النفقات، فإن ذلك لا يلغي المخاطر غير المباشرة التي قد يتحملها الاقتصاد المصري، بما في ذلك تراجع الاستثمار أو السياحة إذا اتسعت دائرة التهديدات، أو تعرض الملاحة في البحر الأحمر لموجة جديدة من الاضطرابات.
وتزداد خطورة هذه الاحتمالات إذا تحولت مصر نفسها إلى هدف محتمل للحوثيين، سواء عبر تهديدات مباشرة أو من خلال تصعيد الهجمات على السفن والممرات البحرية المرتبطة بالمصالح المصرية.
هل تصبح مصر هدفًا للحوثيين؟
من أبرز المخاطر المحتملة أن يؤدي انخراط مصر المباشر في العمليات العسكرية ضد الحوثيين إلى إدخال أراضيها أو منشآتها أو مصالحها البحرية ضمن دائرة التهديد.
ويمتلك الحوثيون قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تطورت خلال السنوات الماضية، لكن تقدير قدرتهم على استهداف أهداف بعينها داخل مصر يتطلب معلومات فنية دقيقة بشأن أنواع الأسلحة ومدياتها ودقتها، فضلًا عن طبيعة أنظمة الرصد والاعتراض المتاحة. لذلك لا يمكن الجزم بأن كل الأهداف المصرية تقع ضمن نطاق تهديد مباشر، كما لا يمكن استبعاد المخاطر دون تقييم متخصص.
ومع ذلك، فإن احتمال التصعيد لا يقتصر على استهداف الأراضي المصرية؛ فقد يكون الضغط على الملاحة في البحر الأحمر أكثر سهولة من الناحية العملياتية، وأكثر تأثيرًا في المصالح الاقتصادية للقاهرة.
فاستمرار الهجمات على السفن أو اتساعها قد يدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، ويؤثر في حركة العبور عبر قناة السويس، بما يفاقم الضغوط على أحد مصادر النقد الأجنبي المهمة لمصر.
ومن هنا، فإن أي قرار بالمشاركة العسكرية يجب أن يتضمن تقديرًا للردود المحتملة، وخططًا لحماية السفن والمنشآت الحيوية، وتصورًا للتعامل مع سيناريو اتساع المواجهة، بدلًا من التركيز على المكاسب العسكرية المباشرة وحدها.
كما أن حماية البحر الأحمر لا تعني بالضرورة أن الخيار الأكثر فاعلية هو توسيع الحرب؛ إذ يمكن الجمع بين تعزيز الدفاع البحري، والتعاون الاستخباراتي، والتحركات الدبلوماسية، والعمل مع الأطراف الدولية المعنية بحرية الملاحة، بما يقلل احتمالات التصعيد ويحافظ على المصالح المصرية.
البرلمان والتفويض العسكري.. من يحدد حدود المشاركة؟
يفتح الحديث عن طلب تفويض من برلمان الانقلاب للتحرك العسكري بابًا آخر للنقاش يتعلق بطبيعة القرار وحدود الرقابة عليه.
فالمشاركة في حرب خارج الحدود ليست مسألة إجرائية يمكن اختزالها في إعلان سياسي أو تصويت برلماني، وإنما قرار استراتيجي تترتب عليه تبعات تتعلق بأرواح الجنود، والإنفاق العام، والعلاقات الإقليمية، ومكانة مصر الدولية.
ومن ثم، فإن أهمية أي تفويض لا تتعلق بمجرد إقراره، بل بمضمونه: ما المهمة التي يسمح بها؟ وما حدودها الجغرافية والعملياتية؟ وهل تقتصر على الدفاع عن السعودية وتأمين الملاحة، أم تتيح المشاركة في عمليات هجومية داخل اليمن؟ وما المدة التي يغطيها التفويض؟ وكيف تخضع العمليات للمراجعة والمساءلة؟
وتزداد أهمية هذه الأسئلة عندما يكون القرار متعلقًا بحرب لا تتضح نهايتها، ولا توجد ضمانات بأن نطاقها سيظل محدودًا.
كما أن التفويض العام، إذا لم يقترن بضوابط واضحة، قد يفتح الباب أمام توسع المشاركة تدريجيًا مع تغير الظروف الميدانية، بحيث يصبح الانخراط الأولي المحدود نقطة انطلاق لالتزامات عسكرية أكبر.
ومن هنا، فإن الشفافية بشأن طبيعة المهمة وأهدافها وتكلفتها ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة لضمان أن يكون القرار قائمًا على تقدير للمصلحة الوطنية، وأن تظل حدود المشاركة خاضعة للمراجعة والمساءلة.
بين حماية الأمن القومي وإنقاذ الحليف.. ما الأولوية؟
تستند القاهرة في أي تحرك محتمل إلى اعتبارات أمنية واقتصادية حقيقية، أبرزها حماية الملاحة في البحر الأحمر، وتأمين قناة السويس، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي والعلاقات مع السعودية.
لكن هذه الاعتبارات لا تلغي ضرورة التمييز بين حماية المصالح المصرية وبين تحمل أعباء حرب قد تتجاوز أهدافها الأصلية. فهناك فارق جوهري بين دعم دفاعي محدود يهدف إلى منع تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية، وبين المشاركة في عمليات هجومية قد تفتح جبهات جديدة وتزيد احتمالات الرد والتصعيد.
كما أن نجاح السياسة الخارجية لا يُقاس فقط بمدى الاستجابة لمطالب الحلفاء، وإنما بقدرة الدولة على التوفيق بين التزاماتها الخارجية واحتياجات مواطنيها، وتجنب القرارات التي قد تفرض تكاليف طويلة الأمد دون عائد استراتيجي واضح.
وبالنسبة إلى مصر، التي تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية متراكمة، فإن أي التزام عسكري جديد ينبغي أن يخضع لحسابات دقيقة تشمل التكلفة المباشرة وغير المباشرة، والنتائج المتوقعة، والبدائل المتاحة، وشروط إنهاء المشاركة.
ولا يقل عن ذلك أهمية تحديد ما إذا كانت الأهداف المعلنة قابلة للتحقيق بالقوة العسكرية أصلًا، أم أن الحل السياسي سيظل عنصرًا أساسيًا لإنهاء الحرب وتقليص التهديدات على المدى الطويل.
الخلاصة: قرار الدخول أسهل من قرار الخروج
تكشف التحركات المصرية المحتملة بشأن دعم السعودية عن محاولة لإعادة تقييم العلاقة بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر والمصالح المصرية المرتبطة بقناة السويس. لكن الانتقال من التنسيق السياسي والاقتصادي إلى التزام عسكري أوسع يفرض على القاهرة تحديدًا واضحًا لأهدافها وحدود دورها.
فالسعودية قد تستفيد من توسيع قاعدة الدعم المتاح لها، ومصر قد تجد في تعزيز أمن البحر الأحمر حماية لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، لكن هذه المصالح المشتركة لا تضمن أن يؤدي التدخل العسكري إلى حسم المواجهة، ولا تعفي القاهرة من تقدير مخاطر الانزلاق إلى حرب طويلة..
وفي بلد يواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة، لا يكفي القول إن أمن السعودية جزء من أمن المنطقة لتبرير أي مستوى من التدخل؛ بل يتعين إثبات أن المشاركة المقترحة تخدم الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، وأن أهدافها محددة، وكلفتها محسوبة، ومخاطرها قابلة للإدارة.
فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي يرفع شعار حماية الأمن القومي أو مساندة الحلفاء، لكنها لا تنتهي بالضرورة عند الحدود التي رسمها أصحاب القرار في البداية. ولهذا، فإن السؤال الأهم أمام القاهرة ليس فقط ما الذي تستطيع تقديمه للرياض، بل ما الذي يمكن أن تخسره مصر إذا تجاوز الدعم حدود الدفاع إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم في مسارها أو توقيت الخروج منها.