شهادات عائلية ومذكرات قادة .. السيسي تعمد إغفال حقائق تاريخية في اغتيال الرئيس السادات

- ‎فيتقارير

أثار المنقلب عبد الفتاح السيسي في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة نقاشاً تاريخياً وسياسياً واسعاً عقب تناوله تجربة الرئيس الراحل أنور السادات؛ حيث صرح بما نصه: "أحد السياسيين كان قد أشار على الرئيس الراحل أنور السادات بالإفراج عن عناصر التيار الديني من السجون لمواجهة تيار سياسي آخر كان فاعلاً على الساحة المصرية آنذاك، وهي الخطوة التي أفضت، في نهاية المطاف، إلى اغتيال الرئيس السادات".

فتحت هذه القراءة الباب أمام انتقادات حادة من قبل مراقبين ومؤرخين وصفوا الطرح بأنه "مشوب بالعجلة ومجافٍ للحقيقة والتسلسل التاريخي المنطقي"، معتبرين أن محاولة اختزال دماء يوم المنصة في قرار الإفراج عام 1971 تفوت قراءة التحديات الراهنة بدقة.

وتؤكد الشهادات والمذكرات المجتمعة أن محاولة ربط اغتيال السادات عام 1981 بقرارات الإفراج عام 1971 هي قراءة قاصرة تتهرب من الاعتراف بالأخطاء السياسية والأمنية الراهنة. فالعنف السياسي والاضطراب لا يتولدان تلقائياً من بطون السجون القديمة، بل يصنعهما المناخ السياسي المأزوم، والقرارات الاقتصادية الطاحنة، والتراخي الاستخباراتي في حماية الجبهة الداخلية، وهو الدرس الأهم الذي يتجاهله صانع القرار الحالي.

تفنيد المباشر من عائلة السادات

وفي نطاق  (الردود الأقرب) جاءت الشهادات الصادرة عن الدائرة اللصيقة بالرئيس الراحل (ابنه وزوجته) لتقدم قراءة قائمة على الوقائع الطبية والسياسية والميدانية التي عاصروها:

نجل الرئيس الراحل (جمال السادات)

وفي أحدث ظهور لـ جمال السادات خلال ذكرى الاغتيال الميدانية، في 6 أكتوبر 2026 وضمن نقاشه المباشر مع جمال مبارك، نجل المخلوع مبارك أمام النصب التذكاري، أشار طبياً إلى تفاصيل رصاصة الاغتيال بناءً على تقرير التشريح الذي حضره بنفسه. فأوضح أن والده لم يُقتل برصاصة من الخلف أو عبر مؤامرة من حرسه الخاص، بل برصاصة قناص من الخلف.

وارتطمت الرصاصة أولاً بالسطح الرخامي للمكتب الأمامي، فانحرفت صعوداً واخترقت جسد السادات من أسفل الصدر واستقرت في الفقرات العنقية خلف الرقبة وهي المنطقة التي أشار إليها بيده.
 

والرصاصة كانت من عيار 7.62 الخاصة ببنادق الكلاشينكوف، وهي ذخيرة لم تكن بحوزة الحرس الخاص، مما يثبت أن الغدر جاء كلياً من المنفذين الخارجيين المتسللين للعرض وليس من طعنة داخلية.
 

معاهدة السلام والتراخي الأمني

في مذكراتها "سيدة من مصر" وشهادتها المسجلة مع الإعلامي أحمد منصور عبر برنامج "شاهد على العصر"، وضعت جيهان السادات النقاط فوق الحروف.

حيث كشفت أن معاهدة السلام هي التي قتلت أنور السادات فعلياً؛ حيث جرى تسهيل اغتياله بعد أن انتهت صلاحيته السياسية دولياً لتبقى المعاهدة ويموت موقعها.

ورفضت تماماً نبرة تعميم الاتهام للمؤسسة العسكرية؛ مؤكدة أن من نفذوا العملية هم "مجموعة مارقة وخائنة اخترقت القوات المسلحة" ولا يمثلون الجيش الذي كان السادات يفخر به.

وانتقدت بشدة التراخي الأمني الصارخ يوم العرض؛ مستغربة عدم تفتيش الذخيرة بدقة، واختفاء سيارات الإسعاف، وتركه ينزف طويلاً قبل نقله بالطائرة.

https://x.com/amansouraja/status/2111093123497464029

 

عقدة "اختراق المنظومة"

أكدت شهادات ومذكرات كبار رجالات الدولة والجيش آنذاك أن الأزمة كانت تكمن في "ثغرة الاختراق الأمني" وليس في مجرد وجود أفكار دينية.

حيث انتقد الفريق سعد الدين الشاذلي (رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق) في مذكراته طريقة إدارة السادات للمؤسسة العسكرية في أواخره؛ وأوضح أن المناخ السياسي المشحون وقرارات السادات الصادمة (كالتطبيع وعزل القيادات) خلقت حالة غليان امتدت للجيش، معتبراً الاغتيال دليلاً على فشل أمني واستخباراتي ذريع في حماية العرض الأكثر تأميناً.

وحلل محمد حسنين هيكل (في كتابه "خريف الغضب") ليلة الحادثة، موضحاً أن المنظومة الأمنية المحيطة بالمنصة عاشت حالة "تراخٍ وثقة مفرطة". وأكد أن الاغتيال أثبت وجود "خلايا نائمة ومخترقة" لصفوف الجيش، تولدت نتيجة لسياسات الاعتقال العصبية الشاملة.

وألقى اللواء النبوي إسماعيل (وزير الداخلية آنذاك) باللوم على تأمين العرض العسكري (المخابرات الحربية والشرطة العسكرية). وذكر أنه حذّر السادات قبل الحادثة من وجود مخططات واختراقات، لكن السادات رد بثقة مفرطة: "أولادي لا يمكن أن يقتلوني".

 

مواقف المراقبين

شهد الفضاء الرقمي تفكيكاً تدريجياً لتصريحات السيسي، حيث ربطها المغردون بالتناقضات السياسية والاقتصادية الحالية.

وقدم الحقوقي إسلام لطفي  @Islam_lotfy: تصحيحاً بيولوجياً وتاريخياً، مشيراً إلى أن التيار الديني لا علاقة له بجيش المنصة؛ فالذي قتل السادات كان ضابط جيش وُلد بعد دخول التيار الديني السجون بسنة، وتخرج في الكلية الحربية والتحق بوحدته قبل خروجهم من السجون أساساً، والمسئول عن الترتيب ضابط مخابرات حربية. وعقب قائلاً: "لو طبقنا نظام العقاب الجماعي والأبدي على كل جهة غلط منها فرد أو أفراد، البلد هتبقى سجن مساحته مليون كم مربع".

وعلقت الناشطة جميلة  @family_maya:على شهادة زوجة الرئيس الراحل، مؤكدة أن كلام جيهان السادات يلامس الواقع؛ فالشعب المصري شاهد حنظل معاهدة السلام على الأرض، وجرى تسهيل الاغتيال لتموت الرموز وتبقى البنود، واصفة الحادثة بأنها "اغتيال بعد أن انتهت الصلاحية".

وشن طارق حبيب  @Tarekkhabibهجوماً حاداً واصفاً الطرح بـ"الدجل السياسي"، لافتاً إلى أن قائد العملية كان ضابطاً عاملاً والقتل تم وسط عرض عسكري. واستغل طارق حبيب المناسبة لتفنيد وعود السيسي الدستورية والاقتصادية المتناقضة؛ مستدعياً وعوده في نوفمبر 2017 بعدم مساس الدستور والالتزام بفترتين، ثم تعديله عام 2019 ليمدها إلى 2030. كما ذكّر بوعوده عام 2014 مع لميس الحديدي وإبراهيم عيسى بتحسين معيشة المواطن خلال عامين قبل تحريك الأسعار، بينما رُفعت أسعار الوقود بعدها بشهرين بنسبة 80%، وقفز الفقر الرسمي من 27.8% عام 2015 إلى 34.5% لاحقاً، معتبراً بقاءه حتى 2030 في حد ذاته مصيبة.

https://x.com/Tarekkhabib/status/2110662233415942655

وأعتبر المستشار د. مراد على بمنصة اكس أن "تصريح اليوم أن إفراج الرئيس السادات عن المعتقلين انتهى باغتياله يكشف قناعة شديدة الخطورة تحكم نظرة السلطة الحالية في مصر. وأكد أن "القيادة الحالية تنظر إلى الإفراج عن المعتقلين وفتح المجال السياسي باعتبارهما خطرًا على حياتها!!.. والأخطر أن هذه القناعة تجعل استمرار الاعتقالات وإغلاق المجال العام سياسة راسخة لن تتغير إلا بتغيير القيادة. ربنا يستر على مصر!!".

آراء أكاديمية وتاريخية داحضة لرواية السيسي

وأجمع المحللون والمؤرخون على أربعة براهين أساسية تفكك الرواية الرسمية المتكاملة:

التناقض الزمني والبيولوجي حيث المجموعة المنفذة للاغتيال عام 1981 (بقيادة خالد الإسلامبولي) كانوا أطفالاً لا يدركون السياسة عام 1971 وقت قرارات الإفراج؛ فهم جيل جديد لم يدخل السجون سابقاً، وتشكل وعيه بناءً على أحداث معاصرة.

تجربة مبارك الناجحة في الاحتواء وأنه عند تولي مبارك أفرج عن الإسلاميين بل وقاد الأمن في التسعينات مراجعات فكرية بذكاء مهني مع "الجماعة الإسلامية" أدت لخروج عشرات الآلاف ممن حملوا السلاح سابقاً، ولم تُطلق رصاصة واحدة ضد الدولة من طرفهم بعدها، مما يثبت أن الاحتواء الذكي يصنع الاستقرار وعكسه القمع العشوائي.

الصدمات السياسية لعام (1979 – 1981): السبب الرئيسي للاحتقان كان اتفاقية التطبيع عام 1979 التي استفزت جموع الشعب (يساريين، ليبراليين، قوميين)، مضافاً إليها قرارات سبتمبر 1981 العصبية واعتقال الرموز الوطنية العلمانية (مثل هيكل وفؤاد سراج الدين وحلمي مراد) وشتمهم بالبرلمان، مما جعل حالة الغليان عامة وليست دينية فقط.

وقوبل الاغتيال بترحيب من تيارات يسارية وناصرية (مثل قصيدة الأبنودي ومظاهرات القذافي)، كما تولد لاحقاً تنظيم يساري مسلح "ثورة مصر" بقيادة خالد جمال عبد الناصر واغتال دبلوماسيين إسرائيليين وسط القاهرة، فضلاً عن أن انتفاضة الخبز (17 و18 يناير 1977) التي هزت حكم السادات كانت بقيادة قوى يسارية واقتصادية بالكامل ولم يكن للإسلاميين أي دور فيها.