ميزان المدفوعات بعهد مرسي.. من عجز 11.3 مليار دولار إلى فائض 237 مليونًا

- ‎فيتقارير

في الوقت الذي تتكرر فيه اتهامات الرئيس الراحل الشهيد محمد مرسي بالفشل في إدارة الاقتصاد المصري خلال عام حكمه، تكشف بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي المصري أن ميزان المدفوعات تحول خلال السنة المالية 2012/2013 من عجز ضخم إلى فائض بلغ 237 مليون دولار، مقارنة بعجز قدره نحو 11.3 مليار دولار في السنة المالية السابقة.

وكان البنك المركزي قد أعلن في سبتمبر 2013 أن معاملات الاقتصاد المصري مع العالم الخارجي حققت فائضًا كليًا في ميزان المدفوعات بقيمة 237 مليون دولار خلال العام المالي المنتهي في يونيو 2013، وهو العام المالي الذي تزامن مع كامل فترة رئاسة محمد مرسي تقريبًا.

وبذلك سجل ميزان المدفوعات أول فائض سنوي له منذ سنوات، بعدما كان قد سجل عجزًا بنحو 11.3 مليار دولار في 2011/2012، بحسب البيانات المنشورة آنذاك.

من عجز 11.3 مليار دولار إلى فائض

تكشف المقارنة بين السنتين الماليتين عن تحول لافت في وضع المعاملات الخارجية المصرية؛ إذ انخفض عجز الحساب الجاري خلال 2012/2013 بنحو 45% ليصل إلى نحو 5.6 مليار دولار، مقابل 10.1 مليار دولار في العام السابق.

كما تراجع عجز الميزان التجاري بنحو 7.6%، مسجلًا نحو 31.5 مليار دولار، مقارنة بنحو 34.1 مليار دولار في السنة المالية السابقة، مدفوعًا بارتفاع الصادرات السلعية وتراجع الواردات.

ووفق بيانات البنك المركزي المنشورة في ذلك الوقت، ارتفعت حصيلة الصادرات السلعية إلى نحو 26 مليار دولار، مقابل 25.1 مليار دولار، بينما تراجعت المدفوعات عن الواردات إلى نحو 57.5 مليار دولار، مقارنة بـ 59.2 مليار دولار في السنة السابقة.

تحويلات المصريين بالخارج.. أحد مصادر التحسن

لعبت تحويلات المصريين العاملين بالخارج دورًا مهمًا في دعم التدفقات الخارجية خلال تلك الفترة؛ إذ ارتفعت التحويلات إلى نحو 18.7 مليار دولار، مقارنة بنحو 18 مليار دولار في السنة السابقة، بزيادة تقترب من 697 مليون دولار.

كما ارتفع صافي التحويلات دون مقابل إلى نحو 19.3 مليار دولار، وفق البيانات التي أوردها البنك المركزي في تقريره عن ميزان المدفوعات.

وتشير بيانات مصرفية لاحقة إلى أن إجمالي التحويلات الخاصة ارتفع بنحو 4% خلال السنة المالية 2012/2013، بينما سجل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر تدفقًا إلى الداخل بنحو 3 مليارات دولار، رغم تراجعه عن العام السابق الذي سجل نحو 4 مليارات دولار.

تحسن الخدمات والسياحة

لم يقتصر التحسن على التجارة والتحويلات؛ فقد ارتفع فائض ميزان الخدمات إلى نحو 6.7 مليار دولار، بحسب البيانات المنشورة عن البنك المركزي، نتيجة زيادة متحصلات بعض خدمات النقل والسياحة، رغم تراجع إيرادات قناة السويس خلال السنة نفسها.

كما ارتفعت الإيرادات السياحية بنحو 3.5%، بالتزامن مع زيادة عدد الليالي السياحية، وهو ما ساهم في تقليص الضغوط على الحساب الجاري.

تدفقات مالية وودائع عربية

وفي الحساب الرأسمالي والمالي، سجل الاقتصاد المصري خلال السنة المالية 2012/2013 زيادة كبيرة في صافي التدفقات إلى الداخل، مقارنة بالسنة السابقة.

وأظهر تقرير البنك المركزي ارتفاع صافي التدفق للداخل بنحو 9.7 مليار دولار، مقابل نحو مليار دولار فقط في العام السابق، مع ارتفاع الاستثمارات في الأوراق المالية، إلى جانب زيادة صافي التزامات البنك المركزي تجاه العالم الخارجي إلى نحو 6.5 مليار دولار، ويرجع جزء مهم منها إلى ودائع محولة من بعض الدول العربية.

وهنا تظهر نقطة مهمة عند قراءة أرقام الفائض: تحول ميزان المدفوعات لم يكن نتيجة عامل واحد أو قرار اقتصادي منفرد، وإنما جاء نتيجة تفاعل مجموعة من التطورات، بينها تحسن الصادرات والواردات، وزيادة التحويلات، وتحسن بعض إيرادات الخدمات، إلى جانب التدفقات المالية والودائع العربية.

كما أشار تحليل اقتصادي نشر في ذلك الوقت إلى أهمية المساعدات والتدفقات الإقليمية في تجنب أزمة حادة في ميزان المدفوعات، ما يجعل قراءة الأرقام بحاجة إلى النظر إلى مصادر التمويل الخارجي بالتوازي مع مؤشرات التجارة والحساب الجاري.

ماذا تقول الأرقام عن عام حكم مرسي؟

البيانات الرسمية المنشورة في سبتمبر 2013 لا تدعم اختزال الوضع الخارجي للاقتصاد المصري خلال 2012/2013 في صورة عجز متواصل؛ فهي تظهر بوضوح انتقال ميزان المدفوعات من عجز 11.3 مليار دولار إلى فائض 237 مليون دولار خلال عام واحد.

لكن هذا التحول، في الوقت نفسه، لا يعني أن الاقتصاد المصري كان قد تجاوز جميع أزماته؛ فقد ظل الحساب الجاري يسجل عجزًا، كما بقي الاستثمار الأجنبي المباشر أقل من مستواه في السنة السابقة، واعتمد جانب من التحسن في التدفقات الخارجية على مصادر تمويل ودعم إقليمي.

وتظل أهمية الرقم في أنه يقدم صورة مختلفة عن أحد المؤشرات الرئيسية للعلاقة بين الاقتصاد المصري والعالم الخارجي خلال السنة المالية 2012/2013؛ وهي صورة موثقة في بيانات البنك المركزي وتقارير صحفية معاصرة صدرت في سبتمبر 2013.

لماذا غابت هذه الأرقام عن رواية ما بعد مرسي؟

في أعقاب الانقلاب وعزل محمد مرسي في يوليو 2013، استمر الجدل السياسي حول حصيلة عام حكمه، وفي القلب منه الملف الاقتصادي. وفي هذا السياق، أعاد اقتصاديون وصحفيون، من بينهم نقيب الصحفيين الأسبق ممدوح الولي، تسليط الضوء على نتيجة ميزان المدفوعات، معتبرين أن تحقيق فائض خلال السنة المالية التي تزامنت مع حكم مرسي لم يحظَ بالاهتمام نفسه الذي حظيت به مؤشرات الأزمة الاقتصادية.

كما نشرت الأهرام في 25 سبتمبر 2013 عنوانًا واضحًا يقول: "ميزان المدفوعات يتحول من عجز 11.3 مليار دولار إلى فائض 237 مليون دولار"، مستندة إلى بيان البنك المركزي المصري في ذلك الوقت.

وبالتالي، فإن السؤال الذي تطرحه هذه البيانات ليس ما إذا كانت مصر عانت أزمات اقتصادية خلال تلك الفترة، فهذا أمر تؤكده مؤشرات متعددة، وإنما لماذا لا تحضر أرقام التحسن في ميزان المدفوعات بالقدر نفسه عند تقييم الأداء الاقتصادي للسنة المالية 2012/2013؟

فالرقم الرسمي يظل واضحًا: عجز قدره 11.3 مليار دولار تحول إلى فائض قدره 237 مليون دولار خلال عام واحد، مع استمرار وجود تحديات واختلالات أخرى داخل الاقتصاد المصري.