من التطبيع إلى التحوط.. كيف أعادت حربا غزة وإيران رسم عقيدة السعودية الأمنية؟

- ‎فيتقارير

في سبتمبر 2023، كان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يتحدث بثقة عن اقتراب المملكة «كل يوم» من اتفاق تاريخي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في صفقة كانت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تدفع بقوة نحو إتمامها، وتشمل في جوهرها ترتيبات دفاعية مع واشنطن، وبرنامجًا نوويًا مدنيًا، ومكاسب للفلسطينيين، مقابل اعتراف سعودي بإسرائيل يمنح "اتفاقيات أبراهام" ثقلًا عربيًا وإسلاميًا استثنائيًا.

لكن بعد أسابيع فقط، جاءت عملية السابع من أكتوبر والحرب الإسرائيلية على غزة لتقلب حسابات الصفقة، قبل أن تضيف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 2026 طبقة جديدة من المخاطر والحسابات الأمنية.

وبينما كانت الرياض قبل ذلك تُراهن بدرجة كبيرة على المظلة الأمريكية وعلى صفقة كبرى تجمع الأمن والاقتصاد والتطبيع، تبدو المملكة اليوم أكثر ميلًا إلى استراتيجية مختلفة: تنويع الضمانات، وتوسيع شبكة الشراكات، والإبقاء على قنوات مفتوحة مع الخصوم، وتقليص الاعتماد على قوة واحدة في حماية أمنها الإقليمي.

ولا يعني ذلك أن السعودية قطعت صلتها بواشنطن أو قررت استبدال التحالف الأمريكي بتحالف آخر، لكن المؤشرات المتراكمة توحي بمحاولة بناء طبقات إضافية من الحماية تمنح الرياض هامشًا أوسع للمناورة في منطقة شديدة التقلب.

 

من صفقة التطبيع إلى ارتفاع كلفتها

في سبتمبر 2023، كان ولي العهد السعودي يقول إن المفاوضات مع إسرائيل تتقدم، وإن الاتفاق يقترب «كل يوم»، مع تأكيده في الوقت نفسه أن القضية الفلسطينية تظل عنصرًا مهمًا في أي صفقة.

لكن الحرب على غزة غيّرت البيئة السياسية التي كانت تتحرك فيها تلك المفاوضات. فصور الدمار والضحايا والتهجير، إلى جانب تصاعد الانتقادات الدولية لإسرائيل، جعلت أي خطوة سعودية نحو التطبيع أكثر كلفة سياسيًا ورمزيًا، خصوصًا أن المملكة لا تتحرك كدولة خليجية فحسب، وإنما باعتبارها موطن الحرمين الشريفين وقوة ذات ثقل ديني وسياسي في العالم الإسلامي.

ولهذا لم يعد الحديث السعودي عن التطبيع منفصلًا عن القضية الفلسطينية، بل ارتبط بصورة أكثر وضوحًا بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وفي سبتمبر 2026، جدّدت الرياض رسميًا تمسكها بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما أكدت في الأمم المتحدة دعمها لمسار سياسي يُفضي إلى هذا الهدف.

وهكذا تحولت القضية الفلسطينية، من ورقة تفاوضية يمكن إدراجها ضمن صفقة أوسع، إلى شرط سياسي يصعب على الحكومة الإسرائيلية الحالية الاستجابة له دون تغيير جوهري في مواقفها.

 

إيران.. من ذريعة للتحالف إلى قناة لإدارة المخاطر

لسنوات، شكّلت إيران أحد أهم مبررات إعادة ترتيب العلاقات الأمنية في المنطقة. وكان التقارب السعودي الإسرائيلي يُقرأ، جزئيًا، في إطار تشكيل منظومة إقليمية قادرة على مواجهة طهران ونفوذها.

لكن البيئة الإقليمية تغيرت بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة. فقد تعرض نفوذ إيران الإقليمي لضربات كبيرة، وتغيرت موازين القوى في لبنان وسوريا، ثم اندلعت الحرب المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 2026، ما جعل أمن الخليج نفسه جزءًا مباشرًا من تداعيات الصراع.

وفي هذه البيئة، لم تعد الرياض بحاجة إلى الاختيار بين التصعيد مع طهران أو الارتهان الكامل لواشنطن. بل أصبح من مصلحتها الاحتفاظ بقنوات اتصال مع إيران، حتى في ظل استمرار الخلافات العميقة.

ويأتي ذلك امتدادًا لمسار بدأ باتفاق استئناف العلاقات السعودية الإيرانية الذي رعته الصين في 2023، والذي وفّر للرياض قناة إضافية لإدارة التوتر بدل تركه يتحول إلى مواجهة مفتوحة.

وبهذا المعنى، فإن العلاقة مع طهران لا تعني بالضرورة تحالفًا أو تقاربًا استراتيجيًا، بقدر ما تُمثل أداة لإدارة المخاطر ومنع فتح جبهة خليجية جديدة في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

 

سوريا.. إعادة بناء العمق العربي

وتبرز سوريا بوصفها واحدة من أهم ساحات إعادة ترتيب النفوذ السعودي. فبعد سقوط نظام بشار الأسد، تحركت الرياض سياسيًا واقتصاديًا لدعم السلطة الجديدة في دمشق، في محاولة لإعادة إدماج سوريا في محيطها العربي.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن الحسابات الجيوسياسية الأوسع؛ فسوريا كانت لسنوات جزءًا من شبكة النفوذ الإيراني الممتدة من طهران إلى العراق ثم لبنان، كما أصبحت في الوقت نفسه ساحة للتنافس الإسرائيلي والتركي والعربي.

وبالنسبة للرياض، فإن دعم دمشق الجديدة يمكن أن يمثل استثمارًا في بناء عمق عربي يحد من قدرة القوى الإقليمية الأخرى على ملء الفراغ.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو الاستثمارات والمساعدات السعودية لسوريا مجرد سياسة اقتصادية، بل جزءًا من محاولة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمملكة.

 

إسرائيل.. الحليف المحتمل الذي تحول إلى مصدر قلق

المفارقة أن تراجع الحاجة إلى مواجهة إيران لم يجعل إسرائيل بالضرورة شريكًا أمنيًا أكثر جاذبية بالنسبة إلى الرياض. فإسرائيل، خلال السنوات الأخيرة، وسعت نطاق عملياتها العسكرية في لبنان وسوريا واليمن وإيران، كما نفّذت في سبتمبر 2025 ضربة استهدفت قيادات من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة.

كانت الرسالة بالنسبة إلى دول الخليج شديدة الوضوح: القرب من الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الحصانة من العمليات الإسرائيلية.

وهنا تلتقي الحسابات الأمنية السعودية مع حسابات رؤية 2030. فالمشروع الاقتصادي السعودي يقوم على الاستقرار وجذب الاستثمارات والسياحة وتطوير المدن والموانئ والمشروعات العملاقة على البحر الأحمر. وكل تصعيد إقليمي كبير يمكن أن يحول هذه المشروعات من أدوات للتنمية إلى أهداف محتملة في صراع لم تختر الرياض بدايته.

وقد أصبحت هذه المخاوف أكثر واقعية مع تجدد التصعيد في اليمن والبحر الأحمر خلال 2026، وتصاعد الهجمات الحوثية على أهداف سعودية، وهو ما أكد أن تداعيات الصراعات الإقليمية يمكن أن تصل مباشرة إلى الأراضي والمنشآت السعودية.

 

البحر الأحمر.. بربرة تدخل الحسابات السعودية

إلى جانب غزة وإيران واليمن، برزت منطقة القرن الإفريقي باعتبارها جزءًا من الحسابات الأمنية الجديدة للرياض. ففي ديسمبر 2025، اعترفت إسرائيل رسميًا بأرض الصومال "صوماليلاند" كدولة مستقلة، في خطوة رفضتها الحكومة الصومالية وعدد من الدول الإقليمية. وتزداد أهمية الخطوة بسبب الموقع الجغرافي لصوماليلاند على خليج عدن وبالقرب من باب المندب.

كما كشفت تقارير صحفية عن أعمال توسعة ذات طابع عسكري في محيط مطار بربرة، وربطت ذلك باهتمام إماراتي وأمريكي وإسرائيلي بالموقع الاستراتيجي للمنطقة.

ومن منظور الرياض، فإن أي حضور عسكري متقدم في هذه المنطقة لا يتعلق بأمن الملاحة فقط، بل يمتد إلى أمن البحر الأحمر ومسارات تصدير النفط والممرات التجارية السعودية.

ولهذا وقعت السعودية والصومال في فبراير 2026 مذكرة للتعاون العسكري، في خطوة جاءت في سياق التوتر الذي أثاره الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند.

وهكذا لم يعد أمن البحر الأحمر ملفًا منفصلًا عن التنافس الخليجي والإسرائيلي، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي السعودي.

 

اتفاق مكة.. السعودية تبحث عن مظلة إضافية

ربما كانت أوضح علامات التحول السعودي في المجال الأمني هي اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي وقعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 أغسطس 2026.

وينص الاتفاق على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا، مع تعزيز التعاون الدفاعي والردع الجماعي.

والأهم أن الاتفاق يجمع ثلاث دول ذات قدرات مختلفة: السعودية بثقلها المالي وموقعها في سوق الطاقة، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعات الدفاعية المتنامية، وباكستان بجيش كبير وقدرات استراتيجية تشمل السلاح النووي.

لكن الاتفاق، وفق التصريحات السعودية والتركية، لا يقدم نفسه باعتباره بديلًا عن التحالفات القائمة أو حلفًا موجهًا ضد دولة بعينها، بل كإطار إضافي لتعزيز الردع والتعاون الدفاعي.

وهنا تكمن دلالته الأساسية: الرياض لا تستبدل واشنطن بأنقرة وإسلام آباد، وإنما تضيفهما إلى شبكة الضمانات، وهذا اختلاف جوهري عن سياسة الاعتماد على مظلة واحدة.

 

التحول الأمني يوازيه تحرك دبلوماسي

في موازاة إعادة ترتيب الشراكات العسكرية، عملت السعودية على توسيع تحالفاتها الدبلوماسية بشأن القضية الفلسطينية. فالمملكة شاركت مع فرنسا في رئاسة المؤتمر الدولي الخاص بالتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين، الذي انعقد في الأمم المتحدة وأصدر إعلان نيويورك في سبتمبر 2025.

وفي 2026، استمرت الرياض في الدفع باتجاه تحويل حل الدولتين إلى مسار دولي عملي، مع تأكيدها أن الدولة الفلسطينية يجب أن تقوم على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ويمنح هذا التحرك السعودية ورقة أخرى في مواجهة الاحتكار الأمريكي التقليدي لملف التسوية، عبر توسيع دائرة الأطراف المنخرطة لتشمل أوروبا والعالم الإسلامي ودولًا أخرى.

 

من الرهان الواحد إلى "توزيع المخاطر"

تكشف هذه التطورات عن تحول أعمق في التفكير السعودي. ففي السابق، كان من الممكن تصور صفقة واحدة ضخمة تجمع واشنطن والرياض وإسرائيل: ضمانات أمنية أمريكية، وتطبيع سعودي، وبرنامج نووي مدني، ومكاسب فلسطينية محدودة.

أما اليوم، فتبدو الرياض أقرب إلى بناء منظومة موزعة على عدة مسارات:

  • علاقة استراتيجية مستمرة مع الولايات المتحدة.
  • تعاون دفاعي متزايد مع تركيا وباكستان.
  • قناة مفتوحة لإدارة الخلاف مع إيران.
  • نفوذ اقتصادي وسياسي متزايد في سوريا.
  • تعاون أمني مع الصومال لحماية مصالحها في البحر الأحمر.
  • تحرك دبلوماسي دولي حول القضية الفلسطينية.
  • والإبقاء على ورقة التطبيع مع إسرائيل دون تقديمها مجانًا.

وهذا لا يعني أن السعودية أصبحت مستقلة بالكامل عن واشنطن؛ فالمملكة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في مجالات التسليح والدفاع الجوي والتكنولوجيا العسكرية.

كما أن اتفاق مكة لا يزال في طور بناء آلياته العملية، وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تفعيل الاتفاق نفسه يواجه مسائل تتعلق بالانتشار العسكري والتنسيق بين الجيوش الثلاثة. لكن الاتجاه العام يبدو واضحًا: تقليل الاعتماد على ضمان أمني واحد، وتوزيع المخاطر على أكثر من شريك.

 

اختبار صعب بين واشنطن وتل أبيب وطهران

المشكلة أن هذه السياسة الجديدة ليست خالية من المخاطر. فالمملكة تحاول في الوقت نفسه الحفاظ على علاقتها بواشنطن، وإدارة علاقتها مع الصين، وتطوير شراكتها مع تركيا وباكستان، والإبقاء على قناة مع إيران، ومواجهة تداعيات تحركات إسرائيل في المنطقة، بينما تواجه أيضًا تهديدات مباشرة من الحوثيين في اليمن.

وكل ذلك يحدث في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، ويمكن أن يتحول فيها الشريك إلى منافس أو أن تتحول أزمة محلية إلى مواجهة إقليمية خلال أيام.

لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل ستطبع السعودية مع إسرائيل؟ السؤال الأوسع هو: هل نجحت الرياض في بناء منظومة أمنية تسمح لها بأن تقول «نعم» أو «لا» لأي قوة كبرى من دون أن تخشى انهيار منظومتها الأمنية؟ حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى محاولة جارية منها إلى نتيجة مكتملة.

لكن ما تغير بالفعل هو أن السعودية لم تعد تتعامل مع الأمن الإقليمي بمنطق الصفقة الواحدة. فالحرب على غزة، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتصعيد في البحر الأحمر، والتحولات في سوريا والقرن الإفريقي، دفعت الرياض إلى إعادة توزيع رهاناتها.

ومن هنا يمكن فهم تجميد مسار التطبيع، وتوسيع العلاقات الدفاعية، والتمسك بقناة طهران، والتحرك في سوريا والصومال، والانخراط الدولي المتزايد في ملف الدولة الفلسطينية، بوصفها أجزاء من سياسة واحدة عنوانها الأساسي: عدم وضع الأمن السعودي ومستقبل المملكة في سلة واحدة.

وبذلك، فإن التحول السعودي لا يبدو قطعًا مع واشنطن بقدر ما هو محاولة لتقليل كلفة الاعتماد الكامل عليها، ولا يبدو تحالفًا مع إيران بقدر ما هو إدارة للخصومة، ولا يمثل اتفاق مكة بديلًا مكتملًا عن المظلة الأمريكية بقدر ما يمثل طبقة جديدة من الردع.

إنها، في المحصلة، عقيدة تحوط استراتيجي تنضج تحت ضغط الحروب، وتسعى الرياض من خلالها إلى تحويل موقعها من دولة تنتظر ضمانات الأمن من الخارج إلى دولة تملك عدة خيارات، حتى لو ظل اختبار هذه الخيارات الحقيقي مرتبطًا بما ستشهده المنطقة من حروب وتسويات خلال السنوات المقبلة.