لا تقتصر حركة الهجرة على الأطباء أو أصحاب المهن المتخصصة، فملف الهجرة المصرية إلى الخارج يمتد من السفر بعقود العمل إلى الهجرة الدائمة، وبرامج الهجرة القانونية، وفي مقدمتها برنامج الهجرة العشوائية الأمريكي المعروف شعبيًا باسم اللوتري.
وتكشف هذه الملفات عن ظاهرة أوسع: قطاع من المصريين يرى في الخارج فرصة لتحسين مستوى المعيشة أو بناء مستقبل أكثر استقرارًا.
وتصاعد خلال الأيام الأخيرة الجدل في مصر حول هجرة الأطباء، بعد تصريحات لنقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي، قال فيها "إن النقابة لا تملك رقمًا دقيقًا لإجمالي من غادروا البلاد للعمل في الخارج، لكنها ترصد أعداد الأطباء الذين يحصلون على شهادات حسن سير وسلوك لاستخدامها في إجراءات السفر".
وأوضح عبد الحي أن نحو 10 آلاف طبيب حصلوا على هذه الشهادات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع ارتفاع العدد من نحو 3 آلاف إلى 4 آلاف ثم 5 آلاف سنويًا، وقال: "إن كثيرًا من الأطباء لا يرغبون أصلًا في السفر، لكنهم يجدون أنفسهم مدفوعين إليه بسبب ضعف الدخل وظروف العمل ونقص فرص التدريب والتعليم".
وكان عبد الحي قد حدد في تصريحات سابقة ثلاثة عوامل رئيسية وراء هجرة الأطباء: ضعف الدخل، وبيئة العمل، ونقص التدريب والتعليم.
خلاف على التسمية لا على الظاهرة
في المقابل، لم ينفِ المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار حجم السفر، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين «الهجرة» وبين السفر بعقد عمل، معتبرًا أن الطبيب الذي يحصل على عقد للعمل في الخارج لا يعني بالضرورة أنه هاجر بصورة نهائية.
ويظل الرقم الذي تطرحه النقابة مؤشرًا مهمًا على حجم حركة الأطباء إلى الخارج، وإن كان لا يمثل إحصاءً شاملاً لكل من غادروا مصر، وهو ما يفسر الخلاف حول توصيف الرقم أكثر من الخلاف حول وجود الظاهرة نفسها.
وتشير تقديرات أخرى نقلها نقيب الأطباء في 2025 إلى وجود 60 إلى 70 ألف طبيب مصري في السعودية، ونحو 10 آلاف في بقية دول الخليج، وحوالي 20 ألفًا في الولايات المتحدة وأوروبا، فيما يبلغ عدد الأطباء المسجلين بالنقابة نحو 230 ألفًا.
لماذا يترك الأطباء مصر؟
تتجاوز أسباب الرحيل مسألة الراتب وحدها، فطبيب يبدأ مساره المهني في منظومة تتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتدريب يواجه، بحسب شهادات وتصريحات متداولة، دخلًا منخفضًا وظروف عمل صعبة وفرصًا محدودة للتدريب والتخصص، إلى جانب ما يتعرض له العاملون في القطاع الصحي من ضغوط واعتداءات.
وتشير المادة المتداولة إلى أن الطبيب المقيم يحصل على نحو 6 إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، بينما يبلغ بدل المخاطر المهنية نحو ألفي جنيه، وارتفعت قيمة النبطشية من 60 جنيهًا إلى 150 جنيهًا.
أما طبيب الامتياز، فيحصل على نحو 2800 جنيه شهريًا، وهو رقم أكدته أيضًا تقارير حديثة تناولت وضع الأطباء في بداية مسارهم المهني.
بيئة العمل.. الوجه الآخر للنزيف
ولا يتوقف الأمر عند الأجور، فالدراسة التي أشارت إليها المادة، والمنشورة في مجلة Nature في مايو 2024، رصدت تعرض أعداد كبيرة من الأطباء في مصر للعنف؛ إذ تعرض 88% من المشاركين للعنف اللفظي و42% للعنف الجسدي، فيما أبلغت 13% من الطبيبات المشاركات عن تعرضهن لتحرش جنسي أثناء العمل.
وارتبطت الاعتداءات، وفق الدراسة المشار إليها، بنقص المعدات والمستلزمات الطبية وطول فترات الانتظار والضغط الذي يتعرض له أهالي المرضى.
وتكشف هذه المعطيات أن أزمة هجرة الأطباء لا يمكن اختصارها في فارق الراتب بين مصر والدول الأخرى، وإنما ترتبط كذلك بقدرة المنظومة الصحية على توفير بيئة مهنية تجعل الطبيب قادرًا على الاستمرار داخل البلاد.
الهجرة ظاهرة عالمية
في المقابل، ترى وزارة الصحة أن هجرة الأطباء ليست ظاهرة مصرية وحدها، وأن سوق العمل الصحي عالميًا يشهد طلبًا متزايدًا على الكوادر الطبية.
وقال حسام عبد الغفار: "إن عدد الأطباء العاملين في القطاع الحكومي والجامعي يبلغ نحو 131 ألف طبيب، وإن مصر تجاوزت الحد الأدنى للممارسة الصحية الآمنة من حيث أعداد الأطباء، لكنها لا تزال بحاجة إلى زيادة العدد للوصول إلى مستويات أعلى من الكفاءة".
وتشير الوزارة إلى أن الهدف ليس منع الطبيب من السفر، وإنما تحسين ظروف العمل وزيادة أعداد الأطباء وتعزيز التدريب، بما يسمح للمنظومة بالاحتفاظ بجزء أكبر من كوادرها.
لكن المشكلة تظل قائمة: فزيادة أعداد خريجي كليات الطب لا تعني بالضرورة حل الأزمة إذا كانت المنظومة غير قادرة على الاحتفاظ بمن تخرجهم. وتشير تقديرات حديثة إلى ارتفاع أعداد خريجي الطب من نحو 9 آلاف سنويًا في 2018 إلى 15 ألفًا في 2025، مع توقع بلوغ العدد 29 ألفًا في 2030.
وبذلك تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد نقص في أعداد الأطباء: مصر تزيد أعداد الخريجين، بينما يواصل جزء من الكفاءات البحث عن فرص خارج البلاد.
القرعة طريق والجرين كارد نتيجة
ويخلط البعض بين «اللوتري» و«الجرين كارد»، فبرنامج الهجرة العشوائية أو Diversity Visa هو آلية اختيار بالقرعة، بينما الجرين كارد هي بطاقة الإقامة الدائمة التي يمكن أن يحصل عليها الفائز بعد استكمال الإجراءات واستيفاء شروط الهجرة.
وفي أحدث تطور، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية وقف إصدار تأشيرات الهجرة العشوائية مؤقتًا، مع استمرار إمكانية تقديم الطلبات وإجراء المقابلات، لكن من دون إصدار تأشيرات جديدة خلال فترة التوقف.
وبالنسبة للمصريين الفائزين، يعني ذلك تعليق خطوة السفر حتى لو كان بعض المتقدمين قد استكملوا المقابلات، وهو ما يضيف حالة من عدم اليقين إلى أشخاص بنوا خططهم على الانتقال إلى الولايات المتحدة.
أرقام أكبر من اللوتري
لكن اللوتري لا يمثل إلا أحد مسارات الهجرة، فالأطباء يسافرون بعقود عمل، وأصحاب المهن الأخرى يبحثون عن فرص في أسواق مختلفة، بينما يسعى البعض إلى الهجرة الدائمة أو اكتساب جنسية أجنبية.
وتظهر البيانات الرسمية المصرية المنشورة في 2026 رقمًا مختلفًا تمامًا عن حجم حركة السفر الواسعة؛ فقد سجل الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 164 مصريًا حصلوا على موافقة للهجرة أو اكتسبوا صفة المهاجر في 2025، مقابل 182 في 2024. كما حصل 4335 مصريًا على جنسيات أجنبية خلال 2025.
وهذه الأرقام لا ينبغي خلطها بأعداد المسافرين للعمل أو الأطباء الذين يغادرون بعقود، لأنها تقيس فئة إحصائية محددة هي الحاصلين على موافقة للهجرة أو من اكتسبوا صفة المهاجر.
إدارة ملف الهجرة
وفي الاتجاه الآخر، تقدم مصر نفسها باعتبارها دولة نجحت في الحد من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وتقول وزارة الخارجية بحكومة السيسي: "إن عام 2026 يمثل عشر سنوات دون خروج مراكب هجرة غير شرعية من السواحل المصرية إلى أوروبا، كما تشير إلى انخفاض الهجرة غير الشرعية للمصريين إلى أوروبا بنحو 67% خلال العام الجاري".
وتقول خارجية السيسي أيضًا "إن مصر حصلت على أكثر من 500 مليون دولار لتمويل مشروعات مرتبطة بحوكمة الهجرة، ونحو 50 مليون دولار للبرنامج المشترك لدعم المهاجرين واللاجئين والمجتمع المضيف".