تكشف وثائق مسرّبة حصل عليها موقع «دروب سايت نيوز» عن امتداد حملة إماراتية استهدفت شخصيات ومنظمات إسلامية إلى داخل الولايات المتحدة، عبر شركة استخبارات خاصة تعاقدت مع باحث أمريكي لإعداد ملف يربط عشرات المنظمات والمواطنين الأمريكيين بجماعة الإخوان المسلمين، وسط اتهامات بأن المعلومات جرى توظيفها لاحقًا في جهود تستهدف السمعة والحضور السياسي والمالي للمذكورين.
وبحسب التحقيق المنشور في الأول من أكتوبر 2026، استعانت شركة «ألب سيرفيسز» (Alp Services)، ومقرها جنيف، بالباحث الأمريكي لورينزو فيدينو، مدير «برنامج التطرف» في جامعة جورج واشنطن، لإعداد تقرير عام 2018 حمل عنوان «الإخوان المسلمون في الولايات المتحدة».
وضم التقرير أسماء عشرات المسلمين الأمريكيين ومنظمات المجتمع المدني، بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية (ISNA)، ومجلس الشئون العامة للمسلمين (MPAC)، والجمعية الإسلامية الأمريكية (MAS)، ومجلس المنظمات الإسلامية الأمريكية، والإغاثة الإسلامية الأمريكية، إلى جانب مساجد ونشطاء وقادة دينيين.
ويقول التحقيق إن التقرير لم يقدم أدلة تثبت أن الأشخاص والمنظمات الواردة أسماؤهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكنه قدمهم باعتبارهم جزءًا من شبكة واسعة وسرية مرتبطة بالجماعة، الأمر الذي حوّل الملف عمليًا إلى قاعدة بيانات يمكن استخدامها في حملات تستهدف سمعة هذه الجهات.
من «خريطة النفوذ» إلى حملات التشويه
تُظهر الوثائق، وفق التحقيق، أن مشروع استهداف المسلمين الأمريكيين لم يكن منفصلًا عن خطة أوسع وضعتها شركة «ألب سيرفيسز» لصالح جهة إماراتية.
ففي يوليو 2017، اقترحت مذكرة داخلية للشركة إعداد «خريطة» لشبكات النفوذ المزعومة لجماعة الإخوان المسلمين وقطر في الولايات المتحدة وأوروبا، بمساعدة فيدينو.
وكانت الخطة تستهدف رصد الجمعيات الخيرية وجماعات الضغط ووسائل الإعلام والأكاديميين والداعمين السياسيين والمصارف والمستثمرين ورجال الأعمال، إلى جانب البحث عما وصفته الوثائق بـ«العلامات الحمراء»، بما يشمل معلومات شخصية أو مهنية سلبية وشائعات مرتبطة بأشخاص محددين.
وفي فبراير 2018، حصلت الشركة على موافقة لتنفيذ عملية حملت الاسم الرمزي «أرنيكا 6». وبحسب الوثائق التي استند إليها التحقيق، تضمنت الخطة احتمالات لاستخدام وسائل إعلام معادية لنشر مواد ضد المستهدفين، وتقديم إحاطات غير منسوبة إلى صحفيين، وإدخال تعديلات سلبية على صفحات ويكيبيديا، وتمرير معلومات مسيئة إلى قواعد بيانات الامتثال التنظيمي، فضلًا عن ممارسة ضغوط سياسية بصورة سرية.
وتأتي هذه التفاصيل في سياق تحقيقات سابقة حول نشاط «ألب سيرفيسز» في أوروبا نيابة عن الإمارات، والتي تناولت استهداف رجل الأعمال حازم ندا ومنظمات إسلامية، وربط بعض المستهدفين بجماعة الإخوان المسلمين عبر مقالات مجهولة المصدر ومحتوى منشور على الإنترنت.
تقرير بـ 2000 يورو
في 12 مايو 2018، أرسل فيدينو إلى «ألب» عبر تطبيق «واتساب» مجموعة من الوثائق، بينها تقريره عن جماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة ومذكرات حول منظمات إسلامية في شيكاغو وجماعات مرتبطة بالحكومة التركية.
وأُرسل التقرير في ملف «مايكروسوفت وورد» يتضمن بيانات وصفية تشير إلى فيدينو باعتباره معدّه، بينما تظهر وثائق أخرى أن الأجر المقترح لإعداد التقرير بلغ نحو ألفي يورو.
ورسم التقرير خريطة واسعة للنشاط المدني للمسلمين الأمريكيين، وضم منظمات مسجلة وراسخة، زاعمًا أنها تشكل شبكة سرية لجماعة الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة.
لكن التحقيق المنشور في «دروب سايت نيوز» يشير إلى أن فيدينو لم يقدم أدلة تثبت أن الأفراد والمنظمات الواردة في قائمته كانوا أعضاء في جماعة الإخوان المسلمين أو في تنظيم عابر للحدود، مكتفيًا بوصفهم بأنهم «امتداد» للحركة و«مراكز ثقل» لها في الولايات المتحدة.
وبحلول يوليو 2018، كانت «ألب» قد حوّلت المواد إلى تقرير مخصص لعميلها، وهو كيان إماراتي حمل اسم «أرياف للدراسات والبحوث»، كما أعدت الشركة حزمة منفصلة لاجتماع عقد في 8 أغسطس مع مطر حامد النيادي، المسئول الإماراتي الذي يظهر في أجزاء أخرى من الأرشيف بوصفه جهة الاتصال مع العميل بشأن عملية «أرنيكا»، والذي يشغل حاليًا منصب سفير الإمارات لدى الكويت.
ولم يرد فيدينو أو «ألب سيرفيسز» أو وزارة الخارجية الإماراتية على طلبات التعليق التي أرسلها الموقع، كما لم يرد النيادي على طلب للتعليق، بحسب التحقيق.
"استراتيجية تقوم على الربط" بدل الاتهام المباشر
من بين الأشخاص الذين استهدفتهم عمليات سابقة لفيدينو و«ألب سيرفيسز» الباحث النمساوي فريد حافظ، الذي يقيم حاليًا في الولايات المتحدة.
وقال حافظ إن الطريقة المستخدمة لم تكن تقوم بالضرورة على اتهام مباشر لشخص بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين، وإنما على بناء سلسلة من الروابط بين الشخص المستهدف وأشخاص آخرين، ثم ربط هؤلاء بدورهم بالجماعة.
وبحسب حافظ، فإن هذه الاستراتيجية جعلت من الصعب مواجهة الاتهامات قضائيًا، لأنها لا تتضمن بالضرورة ادعاءً مباشرًا يمكن إثباته أو نفيه.
وكان حافظ قد تعرض لمداهمة من الشرطة النمساوية في نوفمبر 2020، بعدما ظهرت معلومات تربطه بجماعة الإخوان المسلمين، قبل أن يُبرأ لاحقًا من المخالفات، وتخلص المحاكم النمساوية فيما بعد إلى عدم قانونية الإجراءات التي اتخذت بحقه.
استهداف المساجد والجمعيات الخيرية
لم يقتصر التقرير على المنظمات السياسية والمدنية، إذ امتد إلى جهات لها صلة بالبنية المؤسسية للمسلمين الأمريكيين، من بينها «الصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية»، الذي يحتفظ بسندات ملكية مئات المساجد في الولايات المتحدة.
كما تناول التقرير عددًا من المؤسسات الخيرية، بينها «الإغاثة الإسلامية الأمريكية»، و«مؤسسة الزكاة الأمريكية»، و«لايف للإغاثة والتنمية»، ومنظمة «أنيرا» التي تقدم مساعدات للاجئين في فلسطين ولبنان والأردن.
وتشير الوثائق أيضًا إلى حملة منفصلة حملت الاسم الرمزي «كروكوس»، واستهدفت منظمة «الإغاثة الإسلامية» وربطها بشخصية مسلمة أمريكية هي ياسر قاضي.
واستندت الوثائق المتعلقة بالحملة إلى تقارير صحفية بريطانية سابقة تناولت مواقف وتصريحات لقاضي بشأن قضايا دينية واجتماعية، في حين سبق له أن تبرأ من بعض الآراء المنسوبة إليه، كما دافعت منظمة الإغاثة الإسلامية عنه واعتبرته معارضًا للإرهاب.
من الملفات السرية إلى جلسة في مجلس الشيوخ
وبحسب التحقيق، لم تتوقف الجهود الرامية إلى ربط المنظمات الإسلامية الأمريكية بجماعة الإخوان المسلمين عند الوثائق التي أعدت عام 2018.
ففي 5 أغسطس 2026، عقدت اللجنة الفرعية للمحاكم الفيدرالية والرقابة وإجراءات الوكالات والحقوق الفيدرالية التابعة للجنة القضائية في مجلس الشيوخ الأمريكي جلسة بعنوان «مختبئون على مرأى من الجميع: مواجهة شبكة الإخوان المسلمين في أمريكا». وتثبت السجلات الرسمية لمجلس الشيوخ انعقاد الجلسة في ذلك التاريخ، بمشاركة ثلاثة شهود، بينهم لارا بيرنز، الباحثة الرئيسية في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن.
وخلال شهادتها المكتوبة، قدمت بيرنز تصورًا لشبكات قالت إنها توفر دعمًا ماليًا وتنظيميًا ودعائيًا لما وصفته بالبنية التحتية للإرهاب الإسلاموي في الولايات المتحدة، وربطت بين عدد من المنظمات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين وحماس.
ووفق تحقيق «دروب سايت نيوز»، استشهدت بيرنز في أجزاء من شهادتها بأعمال فيدينو، ووصفت مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية، ورابطة الطلاب المسلمين بأنها مكونات لبنية سرية مرتبطة بالإخوان وحماس.
كما اتهمت الشاهدة أرييل كليباتش، من «المركز الوطني للدفاع عن اليهود»، عددًا من المنظمات الإسلامية، بينها مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، والدائرة الإسلامية لأمريكا الشمالية، والجمعية الإسلامية لأمريكا الشمالية، والجمعية الإسلامية الأمريكية، ورابطة الطلاب المسلمين والصندوق الإسلامي لأمريكا الشمالية، بأنها تمثل جماعات متطرفة سرية، مستندة في جانب من طرحها إلى تقارير فيدينو.
في المقابل، أعلن عدد من الديمقراطيين في اللجنة الفرعية قبل الجلسة أنهم لن يشاركوا فيها، وانتقدوا طبيعة الجلسة وما اعتبروه استهدافًا للمجتمع المسلم.
تشريعات وضغوط سياسية
تزامنت هذه التحركات مع مبادرات تشريعية وسياسية أمريكية تستهدف جماعة الإخوان المسلمين وبعض المنظمات الإسلامية. ومن بين تلك المبادرات مشروع قانون حمل اسم «قانون تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية»، قدمه النائب ماريو ديازبالارت والسيناتور تيد كروز، ويتضمن آلية لتحديد فروع الجماعة وتقييمها تمهيدًا لإجراءات تصنيف وعقوبات.
كما قدم النائب تشيب روي مشروع قانون يستهدف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية، ويتضمن مقترحات لتصنيفه منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، وتجميد أصوله وإلغاء وضعه المعفى من الضرائب ومنع الأمريكيين من التعامل معه.
وفي نوفمبر 2025، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًا وجّه وزارتي الخارجية والخزانة إلى بدء إجراءات لتصنيف بعض فروع جماعة الإخوان المسلمين، من بينها فروع في مصر والأردن ولبنان، وفق ما ورد في المادة.
وفي الشهر نفسه، أعلن حاكم ولاية تكساس غريغ أبوت إجراءات تستهدف مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين، بينما أعلن حاكم فلوريدا رون ديسانتيس في 29 سبتمبر 2026 تصنيف الجماعة والمجلس وحركة "أنتيفا" ضمن كيانات وصفها بالإرهابية.
وتكشف هذه التطورات عن انتقال قضية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين من نطاق الجدل البحثي والإعلامي إلى المجال التشريعي والتنفيذي في الولايات المتحدة، مع استمرار الخلاف حول مدى صحة الروابط التي يجري الاستناد إليها بين المنظمات الإسلامية الأمريكية والجماعة.
«هجمات سياسية» على المسلمين الأمريكيين
ورفض ناشطون مسلمون أمريكيون وردت أسماؤهم في تقرير فيدينو الاتهامات الواردة فيه، معتبرين أنها جزء من جهود سياسية تهدف إلى تهميشهم وإقصائهم عن الحياة العامة.
وقال سلام المراياتي، رئيس مجلس الشئون العامة للمسلمين وأحد مؤسسيه، إن هذه التكتيكات «استُخدمت ضدنا طوال هذه السنوات لتهميشنا واستبعادنا من السياسة»، مضيفًا أن اللجوء إلى اتهامات من قبيل «الذئاب في ثياب حملان» أو «حصان طروادة» أو الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين يأتي، بحسب رأيه، عندما يعجز خصومهم عن كسب النقاش السياسي.
من جانبه، قال أسامة أبو إرشيد، المدير الوطني لمنظمة «المسلمون الأمريكيون من أجل فلسطين»، إن الإمارات تستخدم، بحسب اعتقاده، اتهامات الارتباط بالإخوان المسلمين لاستهداف منظمات وشخصيات مسلمة في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأضاف أن المنظمات والأفراد الذين وردت أسماؤهم «منظمات أمريكية» و«مواطنون أمريكيون» يمارسون حقهم في التجمع والتنظيم السياسي بصورة علنية، نافياً وجود أي شبكة سرية تربطهم بجماعة الإخوان المسلمين.
وتأتي تصريحات أبو إرشيد والمراياتي في مواجهة الاتهامات الواردة في تقرير فيدينو والشهادات المقدمة أمام مجلس الشيوخ، بما يعكس استمرار الخلاف حول طبيعة العلاقة بين المنظمات الإسلامية الأمريكية وجماعة الإخوان المسلمين، وحول ما إذا كانت المعلومات المستخدمة لإثبات تلك الروابط تستند إلى أدلة مباشرة أم إلى علاقات غير مباشرة ومصادر ثانوية.
وبحسب الوثائق التي كشف عنها «دروب سايت نيوز»، فإن ما بدأ عام 2017 كمشروع لرسم خرائط لشبكات النفوذ المزعومة، تطور خلال العام التالي إلى ملفات تتضمن أسماء أفراد ومنظمات أمريكية، ثم تداخل لاحقًا مع نقاش سياسي وتشريعي متصاعد في الولايات المتحدة بشأن جماعة الإخوان المسلمين.
وتضع هذه الوثائق مسارًا زمنيًا لواحدة من آليات التأثير التي يُزعم استخدامها في هذا الملف: جمع المعلومات، وربط الشخصيات والمنظمات بشبكات أوسع، ثم توظيف تلك الروابط في المجال الإعلامي والسياسي، بينما ينفي المستهدفون الاتهامات ويصفونها بأنها جزء من محاولات لإقصائهم عن المجال العام.