بعد سنوات من التوسع في طرح الأراضي والأصول المملوكة للدولة أمام المستثمرين، تتجه الأنظار بزمن المنقلب السفيه السيسى ، إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية وقيمة في العاصمة، مع استعداد حكومة الانقلاب للترويج لـ 136 قطعة أرض ومبانٍ مطلة على كورنيش النيل في القاهرة والجيزة أمام المستثمرين خلال الشهرين المقبلين.
وكشف خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، أن الأراضي التي جرى حصرها في القاهرة والجيزة بلغت 136 قطعة، فيما تتواصل أعمال الحصر في بعض الأراضي بمحافظة القليوبية. وقال إن لجنة شُكلت لدراسة فرص الاستثمار في هذه الأراضي والتفاوض مع المستثمرين لصالح الجهات المالكة، إذ إن ملكيتها لا تتركز بالكامل لدى صندوق التنمية الحضرية، وإنما تتوزع بين جهات حكومية مختلفة.
واللافت أن اهتمام المستثمرين بهذه الأراضي بدأ قبل انطلاق عملية الترويج الرسمية؛ إذ أعلن صديق تلقي طلبات من مستثمرين من الإمارات والسعودية وقطر للحصول على قطع في منطقة كورنيش النيل، بينما لا تزال هذه الطلبات في مرحلة الدراسة والتفاوض ولم تتحول، وفق المعلن، إلى صفقات نهائية.
قانون جديد يفتح باب التصرف في أملاك الدولة
يأتي هذا التوجه بعد إقرار القانون رقم 168 لسنة 2025 بشأن بعض قواعد وإجراءات التصرف في أملاك الدولة الخاصة، والذي صدّق عليه المنقلب عبد الفتاح السيسي في 13 أغسطس 2025، وألغى القانون رقم 144 لسنة 2017 في هذا الشأن. كما صدرت في 2026 اللائحة التنفيذية للقانون بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 200 لسنة 2026.
ويحدد القانون الإطار القانوني للتعامل مع أملاك الدولة الخاصة، بما يتيح للجهات الإدارية المختصة إدارة واستغلال والتصرف في هذه الأصول وفق القواعد والإجراءات المنظمة.
وبالتزامن مع ذلك، كانت حكومة الانقلاب قد بدأت حصر الأراضي والمباني المطلة على النيل، تمهيدًا لتحديد الأراضي القابلة للاستثمار وإعادة الاستخدام.
وفي تقرير حكومي سابق، جرى الإعلان عن حصر 192 موقعًا بمساحة إجمالية تبلغ نحو 745 فدانًا على كورنيش النيل بالقاهرة والجيزة؛ منها نحو 430 فدانًا في القاهرة و315 فدانًا في الجيزة، تشمل مناطق مثل الساحل وروض الفرج وبولاق أبو العلا ومصر القديمة والمعادي ودار السلام، إضافة إلى الوراق وإمبابة والعجوزة والدقي وجنوب الجيزة.
عشرات المليارات على ضفاف النهر
وكان رئيس حكومة الانقلاب قد تحدث في أغسطس 2025 عن أهمية الأراضي المطلة على النيل، معتبرًا أن جزءًا منها لا يُستغل بالشكل الأنسب، ومشيرًا إلى أن قيمتها تقدر بعشرات المليارات من الجنيهات، مع توجه لتقييمها وفق أسعار السوق ووضع خطط لاستغلالها في أنشطة سياحية أو سكنية وإدارية.
وبذلك، لم يعد التعامل مع أراضي كورنيش النيل مجرد عملية حصر للأصول الحكومية، وإنما تحول إلى ملف استثماري يستهدف استغلال مواقع ذات قيمة عقارية مرتفعة للغاية، وهو ما يفسر دخول مستثمرين خليجيين على خط الاهتمام بهذه الأراضي قبل بدء الطرح بصورة رسمية.
كما أعلن صندوق التنمية الحضرية أن هناك أرضًا تابعة لمؤسسة «أخبار اليوم» تتلقى عروضًا من شركات للشراكة عليها، وأن الصندوق يدرس هذه العروض مع الجهة المالكة.
من الحصر إلى الاستثمار
وتكشف تصريحات رئيس صندوق التنمية الحضرية أن الحكومة لا تتعامل مع جميع الأراضي باعتبارها مملوكة لجهة واحدة، وإنما تسعى إلى تنسيق عملية استثمار الأراضي التابعة لجهات حكومية متعددة.
ووفق التصريحات الأخيرة، تعمل اللجنة المشكلة لهذا الغرض على التفاوض مع المستثمرين لصالح الجهات المالكة، فيما يتوقع أن تبدأ عملية الترويج للأراضي والمباني المطلة على كورنيش النيل خلال شهرين.
كما تحدث صديق عن طرح قطع للتطوير والشراكة مع القطاع الخاص، بما يشير إلى أن السيناريو المطروح لا يقتصر بالضرورة على البيع المباشر لكل الأراضي، وإنما يمكن أن يشمل صيغًا استثمارية مختلفة بحسب طبيعة كل أصل والجهة المالكة له.
لكن في ظل الإعلان عن طلبات خليجية للاستحواذ على أراضٍ في مواقع النيل، عاد الجدل حول حدود مشاركة المستثمرين الأجانب في امتلاك أو استغلال الأصول الموجودة في أكثر المواقع قيمة بالعاصمة.
خبير اقتصادي: الأرض على النيل ليست مجرد أصل عقاري
ويرى الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري الدكتور أحمد ذكر الله أن تقييم هذه الأراضي وفق قيمتها المالية وحدها لا يعكس قيمتها الحقيقية، بسبب موقعها وطبيعتها المحدودة وغير القابلة للتكرار.
ويقول إن الأراضي الواقعة في مواقع استراتيجية بالقاهرة والجيزة تمتلك، إلى جانب القيمة الاقتصادية، قيمة عمرانية وحضارية واستراتيجية، باعتبارها موردًا نادرًا ومحدودًا يصعب تعويضه.
ويضيف أن قيمة هذه الأراضي لا تتوقف على إمكانية استخدامها في التطوير العقاري أو الأنشطة السياحية والتجارية والفندقية، وإنما ترتبط أيضًا بتعدد استخداماتها وموقعها وندرتها، وهو ما يجعل عملية التقييم المالي وحدها غير كافية، من وجهة نظره.
ويحذر ذكر الله من أن دخول الاستثمار الأجنبي ليس المشكلة في حد ذاته، وإنما تكمن المخاوف، بحسب رؤيته، في احتمال تراكم حقوق الملكية أو الانتفاع طويل الأجل في أيدي عدد محدود من المستثمرين أو المجموعات، خصوصًا إذا تركزت مساحات متجاورة في مواقع ذات أهمية سياسية وعمرانية.
البيع أم الاحتفاظ بالملكية؟
ويطرح الخبير الاقتصادي مسألة أساسية تتعلق بطريقة استغلال هذه الأصول: هل تحتاج الدولة إلى بيع الأرض للحصول على عائد مالي سريع، أم يمكن تحقيق عوائد مستمرة مع الاحتفاظ بالملكية؟
ويرى ذكر الله أن الدولة تستطيع، بدلًا من التخلي النهائي عن الأصول، اللجوء إلى صيغ مثل الشراكة أو حق الانتفاع أو الإيجار طويل الأجل، بما يسمح باستثمار الأرض وتحقيق إيرادات مع الحفاظ على ملكيتها.
كما يدعو إلى وضع اشتراطات واضحة قبل إبرام أي اتفاقات، تشمل طبيعة المشروعات، والضوابط العمرانية والحضارية، وشكل المباني، والحفاظ على البيئة العمرانية للمناطق المطلة على النيل.
ويؤكد أن الشفافية في التقييم والتعاقد تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بأصول نادرة لا يمكن تعويضها.
هل تدفع الديون الدولة إلى بيع الأصول؟
ويربط ذكر الله جزءًا من التوجه نحو استغلال الأصول بالأزمة المالية التي تواجهها الدولة وارتفاع أعباء الديون واحتياجاتها التمويلية.
لكنه يميز بين الاستثمار في الأصول وبين بيعها لتوفير موارد مالية عاجلة، معتبرًا أن الديون يمكن إعادة جدولتها أو هيكلتها، وأن العجز المالي يمكن العمل على خفضه، بينما لا يمكن إنتاج أراضٍ جديدة في المواقع النادرة على ضفاف النيل.
ومن هذا المنظور، يرى أن تحويل الأصول النادرة إلى موارد مالية فورية قد يحقق عائدًا للخزانة في الأجل القصير، لكنه يطرح تساؤلات حول العائد الاقتصادي والاجتماعي طويل الأجل.
ملف يتجاوز كورنيش النيل
ولا يأتي تحرك الحكومة بشأن أراضي النيل بمعزل عن توسعها خلال السنوات الأخيرة في طرح أراضٍ ومشروعات كبرى أمام مستثمرين محليين وأجانب، خصوصًا في المناطق الساحلية.
فقد شهدت منطقة رأس الحكمة صفقة استثمارية ضخمة مع الإمارات في 2024، كما أعلنت الديار القطرية في 2025 عن مشروع «علم الروم»، إلى جانب مشروعات واستثمارات خليجية أخرى في الساحل الشمالي والبحر الأحمر.
وتستخدم الحكومة هذه الصفقات في إطار جذب العملة الأجنبية والاستثمارات، في ظل احتياجات التمويل وضغوط الدين الخارجي.
لكن الانتقال من الأراضي الساحلية إلى الأراضي المطلة على النيل يضيف بُعدًا مختلفًا للجدل؛ فهذه الأراضي تقع في قلب القاهرة والجيزة، وترتبط بتاريخ العاصمة ومشهدها العمراني، كما أن واجهتها النيلية مورد جغرافي محدود لا يمكن زيادته.
مخاوف من تكرار نموذج الصفقات الساحلية
ويخشى منتقدون للتوسع في بيع أو استغلال الأصول الحكومية أن يتحول الضغط المالي قصير الأجل إلى دافع للتخلي عن أصول ذات قيمة استراتيجية وعمرانية طويلة الأجل.
وتتزايد هذه المخاوف مع دخول مستثمرين خليجيين على خط أراضي النيل، خصوصًا أن الإمارات وقطر والسعودية أعلنت شركات ومستثمرون تابعون لها خلال السنوات الماضية عن مشروعات عقارية وسياحية واسعة في مصر.
غير أن الطلبات الثلاثة التي أعلن عنها رئيس صندوق التنمية الحضرية لا تعني، حتى الآن، إتمام صفقات أو انتقال ملكية هذه الأراضي إلى مستثمرين أجانب، وإنما تمثل طلبات قيد الدراسة والتفاوض.
ويصبح السؤال الرئيسي هنا مرتبطًا بالصيغة النهائية التي ستتبناها الحكومة: هل ستبيع الأراضي، أم ستدخل في شراكات، أم تمنح حقوق انتفاع طويلة الأجل؟ فالاختلاف بين هذه الصيغ ليس قانونيًا فقط، وإنما يرتبط أيضًا بمستقبل السيطرة على أحد أندر الأصول العقارية في القاهرة.
أصل نادر في مواجهة الحاجة إلى السيولة
في النهاية، تكشف خطة حصر وطرح الأراضي المطلة على النيل عن معادلة اقتصادية صعبة؛ فمن جهة، تبحث الدولة عن تعظيم قيمة أصول غير مستغلة وجذب استثمارات جديدة وتوفير موارد في ظل ضغوط مالية كبيرة.
ومن جهة أخرى، تطرح طبيعة هذه الأراضي أسئلة تتجاوز الحساب المالي المباشر، إذ إن الأرض المطلة على النيل في قلب القاهرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها قطعة عقارية عادية يمكن تعويضها أو إنتاج بديل لها.
وبين الحاجة إلى السيولة والبحث عن الاستثمار، وبين الحفاظ على ملكية الأصول النادرة للأجيال المقبلة، يبقى مستقبل 136 قطعة أرض على كورنيش النيل مرتبطًا بما ستسفر عنه المفاوضات، والصيغ القانونية التي ستعتمدها الدولة، ومدى شفافية التقييم والتعاقد، وطبيعة المشروعات التي ستقام على واحدة من أهم الواجهات العمرانية في مصر.