أزمة النيل تتصاعد.. سد النهضة وسدود جديدة تفتح مواجهة مائية بين مصر وإثيوبيا

- ‎فيتقارير

تعود أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا إلى واجهة المشهد الإقليمي مجدداً، مع تصاعد الخلاف بشأن تشغيل سد النهضة الإثيوبي، وظهور خطط إثيوبية لإنشاء ثلاثة سدود جديدة على مجرى النيل الأزرق، في وقت تؤكد فيه القاهرة رفضها لأي خطوات أحادية جديدة يمكن أن تؤثر في تدفقات المياه إلى دولتي المصب.

وتكتسب التطورات الأخيرة حساسية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي تعتمد بصورة أساسية على نهر النيل في توفير احتياجاتها المائية، فيما ترى القاهرة أن غياب اتفاق قانوني ملزم بشأن تشغيل سد النهضة وتبادل البيانات يمثل أحد أبرز مصادر القلق في العلاقة مع أديس أبابا.

وفي يوليو 2026، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن المفاوضات بشأن سد النهضة وصلت إلى طريق مسدود، مشدداً على رفض القاهرة لأي إجراءات إثيوبية أحادية جديدة على النيل الأزرق، فيما أشار إلى احتفاظ مصر بحقها في الدفاع عن أمنها المائي وفق قواعد القانون الدولي.

 

سد النهضة.. بداية مرحلة جديدة من الأزمة

يُمثل سد النهضة، الذي أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق، محور الخلاف الرئيسي بين القاهرة وأديس أبابا منذ أكثر من عقد. وفي عام 2015 وقعت مصر وإثيوبيا والسودان إعلان مبادئ بشأن السد، في محاولة لوضع إطار للتعامل مع المشروع وتداعياته على دول المصب، إلا أن المفاوضات اللاحقة لم تنجح في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن قواعد الملء والتشغيل وآليات التعامل مع فترات الجفاف وتبادل البيانات.

وتقول مصر إن القضية لا تتعلق برفض حق إثيوبيا في التنمية أو إنتاج الكهرباء، وإنما بضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب. وتؤكد القاهرة كذلك أن إدارة منشأة ضخمة على مجرى نهر دولي لا يمكن أن تتم بمعزل عن الدول التي تعتمد على النهر، خصوصاً في ظل غياب اتفاق ملزم يُحدد قواعد التشغيل والتصرفات المائية.

وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بأن سد النهضة مشروع لتوليد الطاقة، وأنه لا يستهلك مياه النيل بصورة دائمة، وترى أن لها حقاً في الاستفادة من مواردها المائية في إطار مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية العابرة للحدود.

 

القاهرة تحذر من خطوات أحادية جديدة

لم يتوقف الخلاف عند سد النهضة، إذ أعلنت إثيوبيا في مارس 2026 خططاً لإنشاء ثلاثة مشروعات جديدة على النيل الأزرق، في إطار استراتيجية تستهدف زيادة إنتاج الكهرباء وتوسيع قدراتها في مجال الطاقة الكهرومائية.

وتشير تقارير إلى أن المشروعات الجديدة تشمل سدود كارادوبى، ومندايا، وبيكو أبو، فيما تقدر التكلفة الإجمالية للمشروعات بنحو 10.5 مليارات دولار، مع توقعات باستغراق تنفيذها عدة سنوات.

وتنظر القاهرة إلى هذه الخطط بقلق، خصوصاً أن إقامة سلسلة من السدود على النيل الأزرق يمكن أن تمنح إثيوبيا قدرة أكبر على تنظيم التدفقات المائية قبل وصولها إلى السودان ومصر.

وفي 4 أغسطس الحالي، قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن مصر "لن تسمح" بإقامة سدود إثيوبية جديدة على النيل، مؤكداً أن القاهرة تطالب منذ سنوات بوجود آلية واضحة وملزمة لتبادل البيانات الخاصة بتشغيل سد النهضة وخطط التصريف السنوية.

 

ثلاثة سدود جديدة.. كهرباء أم نفوذ مائي؟

تقدم إثيوبيا المشروعات الجديدة باعتبارها جزءاً من خطتها للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة في شرق أفريقيا. وبحسب تقارير متخصصة، يمكن للمشروعات الثلاثة أن تضيف آلاف الميجاوات إلى قدرات إثيوبيا الكهربائية، بما يُعزز قدرتها على تلبية الطلب المحلي وتصدير الكهرباء إلى دول المنطقة.

لكن بالنسبة إلى مصر، فإن القضية لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، فزيادة عدد المنشآت المائية الكبرى على النيل الأزرق تطرح سؤالاً أساسياً يتعلق بآليات تشغيلها، وحجم التخزين، وقواعد التصريف، ومدى التنسيق مع دول المصب.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل عدم وجود اتفاق قانوني مُلزم يحكم تشغيل سد النهضة وتبادل المعلومات بشأنه، وهو ما تعتبره القاهرة نقطة جوهرية في أي ترتيبات مستقبلية لإدارة مياه النيل.

 

مصر: المشكلة في الإدارة الأحادية

ترى وزارة الموارد المائية والري المصرية أن المشكلة الأساسية تكمن في استمرار ما تصفه بالإدارة الأحادية للسد الإثيوبي. وكانت الوزارة قد قالت في بيان سابق إن التصرفات المائية المرتبطة بتشغيل السد شهدت تغيرات مفاجئة في معدلات التصريف، معتبرة أن هذه التقلبات تفرض على مصر تحديث خطط تشغيل منشآتها المائية بصورة مستمرة للتعامل مع التغيرات الواردة من أعالي النيل.

وفي يوليو الماضي، أوضحت الوزارة أن التغيرات في تصرفات السد الإثيوبي تستوجب تحديث خطط تشغيل السدود والمنشآت المائية المصرية بصورة مستمرة، في ظل غياب آلية ملزمة لتبادل البيانات الخاصة بالتشغيل.

وترى القاهرة أن وجود بيانات منتظمة بشأن معدلات التصريف وخطط التشغيل يمثل عاملاً أساسياً لتجنب المفاجآت التي يمكن أن تؤثر في إدارة منظومة المياه المصرية والسودانية.

 

السودان في قلب الأزمة

لا تقتصر تداعيات أزمة سد النهضة على مصر وإثيوبيا، إذ يُمثل السودان الطرف الثالث الأكثر تأثراً بأي تغيير في إدارة تدفقات النيل الأزرق. ويستقبل السودان المياه القادمة مباشرة من السد الإثيوبي قبل وصولها إلى مصر، ولذلك فإن أي تغير مفاجئ في معدلات التصريف يمكن أن ينعكس على تشغيل المنشآت المائية السودانية.

كما أن الخرطوم معنية بشكل مباشر بسلامة السدود الموجودة على النيل الأزرق، إلى جانب مصالحها في الري وتوليد الكهرباء وإدارة الفيضانات.

وتعقّد التطورات السياسية والأمنية في السودان المشهد الإقليمي، في ظل تداخل مصالح القاهرة وأديس أبابا مع أطراف الصراع السوداني، وهو ما يجعل ملف المياه جزءاً من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية.

 

خلاف قانوني وسياسي مستمر

يمتد الخلاف بين مصر وإثيوبيا إلى الجانب القانوني أيضاً. فالقاهرة تتمسك بمبادئ القانون الدولي للمجاري المائية الدولية، وفي مقدمتها عدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى، والتعاون بين الدول المتشاطئة، وتبادل المعلومات والبيانات بشأن المشروعات التي يمكن أن تؤثر في تدفقات المياه.

وفي المقابل، تؤكد إثيوبيا حقها في استغلال مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية الاقتصادية، وتدفع بأن السدود المخصصة لتوليد الكهرباء لا تعني بالضرورة استهلاك المياه أو حرمان دول المصب منها.

وبذلك أصبحت الأزمة تدور حول سؤالين متداخلين: من يملك حق إدارة منشآت المياه على النيل الأزرق؟ وما القواعد التي ينبغي أن تحكم تدفقات المياه من إثيوبيا إلى السودان ومصر؟

 

مخاوف مصرية من تحول السدود إلى منظومة متكاملة

يرى مراقبون أن التطور الأهم في المرحلة الحالية لا يتمثل فقط في اكتمال سد النهضة، وإنما في احتمال تحول النيل الأزرق إلى منظومة متكاملة من السدود والمنشآت المائية الإثيوبية. فإذا اكتملت المشروعات الجديدة، ستصبح لدى إثيوبيا بنية تحتية مائية أكبر على أحد أهم روافد النيل، الأمر الذي يرفع أهمية التوصل إلى اتفاق واضح بشأن التشغيل والتنسيق وتبادل البيانات.

وتشير تقارير إلى أن بعض المشروعات المقترحة لا تستهدف توليد الكهرباء فقط، وإنما ترتبط أيضاً بتنظيم التدفقات وحجز الرواسب وتحسين انتظام إنتاج الطاقة على مدار العام.

وهنا تحديداً تتزايد المخاوف المصرية من أن يتحول ملف السدود من مشروع منفرد إلى منظومة مائية واسعة تملك إثيوبيا الجزء الأكبر من مفاتيح تشغيلها.

 

بين التنمية الإثيوبية والأمن المائي المصري

تتمسك أديس أبابا بحقها في التنمية، بينما تعتبر القاهرة أن التنمية لا ينبغي أن تتم على حساب أمن دول المصب. ويعكس ذلك جوهر الأزمة المستمرة منذ سنوات: إثيوبيا تنظر إلى النيل باعتباره مورداً طبيعياً يمكن استثماره لتحقيق التنمية، بينما تنظر مصر إلى النهر باعتباره مورداً استراتيجياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

وتزداد حساسية الموقف المصري بسبب محدودية البدائل المائية، وارتباط قطاعات الزراعة والصناعة ومياه الشرب بصورة مباشرة بتوافر موارد النيل.

وفي المقابل، تعتبر إثيوبيا أن مشروعات الطاقة الكهرومائية تمثل وسيلة أساسية لتطوير اقتصادها، خصوصاً مع امتلاكها إمكانات كبيرة في مجال الطاقة المائية.

 

هل تدخل الأزمة مرحلة جديدة؟

مع إعلان خطط السدود الثلاثة، وتصاعد التصريحات المصرية الرافضة لأي إجراءات أحادية جديدة، يبدو أن أزمة النيل تدخل مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط باستكمال سد النهضة وتشغيله، وإنما باتت مرتبطة أيضاً بمستقبل إدارة النيل الأزرق نفسه، وعدد المنشآت التي يمكن أن تُقام عليه، وقواعد تشغيلها، وآليات تبادل البيانات بين دول الحوض.

وتبقى إمكانية العودة إلى المفاوضات أحد المسارات المطروحة، لكن استمرار الخلاف حول القواعد الملزمة لتشغيل السد وتبادل المعلومات يجعل التوصل إلى تسوية شاملة أمراً معقداً.

وفي الوقت نفسه، تؤكد القاهرة أن أمنها المائي يُمثل قضية استراتيجية، فيما تواصل إثيوبيا طرح مشروعاتها المائية باعتبارها جزءاً من رؤيتها للتنمية والطاقة.

وبينما تتسع شبكة السدود الإثيوبية على النيل الأزرق، يبقى السؤال الأهم بالنسبة إلى مصر: هل تنجح دول حوض النيل في الوصول إلى قواعد ملزمة لإدارة النهر، أم يتحول تعدد السدود إلى واقع جديد يعيد رسم موازين القوة المائية في المنطقة؟