يُعيد تتبع أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر في أغسطس 2013 تسليط الضوء على واحدة من أمعن محطات التاريخ المعاصر تعقيداً وحساسية؛ حيث يمثل الانتقال من مقاربة "الأعداد والحصيلة" إلى مقاربة "السؤال السياسي" مدخلاً أساسياً لتحليل دوافع الأحداث وتداعياتها الاستراتيجية، متجاوزاً فكرة الإجراء الأمني العشوائي إلى تخطيط مسبق استهدف كسر الشوكة التنظيمية للخصوم وإعادة هندسة المشهد السياسي بشكل جذري عبر قوة مفرطة ومميتة بالذخيرة الحية وثّقتها تقارير منظمات دولية مثل "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية" لتشير إلى إدراك مسبق بحجم الضحايا يرتقى إلى مستوى الانتهاكات الجسيمة، بغض النظر عن الكلفة البشرية الباهظة، لتتحول لحظة التأسيس بالقوة إلى عقيدة حاكمة تستوجب تأبيد السلطة ورفض أي تراجع، متسلحة بخطابات ردع مطلقة وشخصنة تدمج تماماً بين مصير الدولة ومصير مقعد الرئاسة لمنع أي أفق للتداول السلمي.
الدماء الغزيرة
و الربط بين طبيعة العنف الذي أُديرت به لحظة التأسيس الأولى — المتمثلة في فض اعتصامي رابعة العدوية ونهضة مصر في أغسطس 2013 — وبين مسار السلطة لقرابة العقد والثلاثة أعوام، يضعنا أمام قراءة متكاملة ومترابطة لمآلات المشهد السياسي في مصر الحديثة.
بدل الاكتفاء بالتعامل مع العدد البشري الهائل باعتباره مجرد حصيلة رقمية لعنف عشوائي، ب5 آلاف بحسب تحالف دعم الشرعية و3500 بحسب خطة حكومة السيسي الأمنية، و1000 شهيد بحسب هيومن رايتس ووتش، يبرز السؤال السياسي الأعمق: هل كان الهدف مجرد فض اعتصام، أم كسر قدرة جماعة الإخوان المسلمين ومعارضي السلطة على العودة إلى الشارع نهائياً؟
وتبحث هذه المادة في الأسباب التي حالت دون إجراء عملية فض محدودة، ودوافع استخدام قوة بهذا الحجم المفرط، وما إذا كانت السلطة تتوقع سقوط مئات أو آلاف القتلى كجزء من حسابات الردع المسبق لإيصال رسالة قاطعة إلى الخصوم والمجتمع المصري بأسره.
الخطة الأمنية توقعت أعداداً هائلة من القتلى
وثقت تقارير صادرة عن منظمات دولية وازنة، من أبرزها منظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) ومنظمة العفو الدولية (Amnesty International)، أن عملية الفض لم تكن مجرد إجراء أمني عشوائي أو انفعالي، بل خطة أمنية مركزية متكاملة استخدمت فيها القوة المفرطة والمميتة بالذخيرة الحية والمعدات الثقيلة على نطاق واسع.
أشارت تحقيقات هيومن رايتس ووتش إلى أن التخطيط المسبق والسلوك الميداني لقوات الأمن والجيش عكس تجاهلاً تاماً لحياة المدنيين، مما أدى لمقتل ما لا يقل عن 800 إلى أكثر من 900 شخص في يوم واحد (في رابعة والنهضة)، معتبرة أن هذه الانتهاكات الجسيمة ترقى إلى مستوى "جرائم ضد الإنسانية" وفق القانون الدولي.
نية القتل المسبق وتصريحات المسؤولين
فيما يخص تصريحات رئيس الوزراء الأسبق بأول حكومات الانقلاب حازم الببلاوي وغيره من أقطاب الحكومة الانتقالية حول توقعات الخسائر البشرية (حيث أشار تقرير هيومن رايتس ووتش إلى وجود تقديرات أمنية سابقة تحدثت عن احتمالية سقوط أعداد ضخمة تصل إلى آلاف الضحايا، وتصريح الببلاوي بأن العدد الفعلي أقل بكثير مما توقعوا)، استندت منظمات حقوق الإنسان إلى هذه التصريحات والنتائج الميدانية كدليل قطعي على إدراك مسبق لحجم الدمار البشري المحتمل، والمضي في تنفيذ الفض رغم العلم اليقيني بأن الكلفة ستكون باهظة بشرياً يفسره الحقوقيون بأنه استهانة متعمدة بالحق في الحياة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية صارمة.
بقاء السيسي في السلطة وعلاقته النفسية والسياسية بـ "الكرسي"
إن استمرار المنقلب عبد الفتاح السيسي في الحكم لأكثر من عقد (12-13 عاماً منذ إطاحة الرئيس محمد مرسي في يوليو 2013 وتوليه الرئاسة لاحقاً) يعكس عدة دلالات هيكلية وسياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتلك البداية الدموية:
وعندما تُبنى شرعية السلطة على إنهاء خصم سياسي جذري عبر مواجهة عسكرية وأمنية كبرى، تصبح فكرة التداول السلمي للسلطة أو التنازل عن "الكرسي" مغامرة وجودية للنظام بأكمله، وليس فقط للرئيس شخصياً. فالتخلي عن المقعد يُنظر إليه من زاوية حسابات السلطة باعتباره تهديداً مباشراً بانهيار المنظومة برمتها التي تشكلت عقب عام 2013.
وأفرزت السنوات الطويلة نزوعاً مستمراً من السيسي نحو إحكام السيطرة على مفاصل الدولة كافة، وتعديل المواد الدستورية لتمديد فترات الرئاسة، وهو ما يفسر الحساسية الشديدة تجاه أي محاولة اقتراب من السلطة أو طرح بدائل سياسية.
دلالات التهديد والخطابات الحادة ("اللي هيقرب من الكرسي")
العبارات والخطابات الحادة من عبدالفتاح السيسي التي صدرت في محطات مختلفة (مثل القسم الشهير "قسماً بالله اللي هيقرب من مصر [أو الكرسي] هاشيله من على وش الأرض") تعكس عقيدة سياسية ذات طبيعة خاصة:
وتسعى هذه التصريحات إلى إرسال رسالة ردع حاسمة للداخل والخارج مفادها أن أي تفكير في تغيير معادلة الحكم القائمة أو مجرد التلويح بالاحتجاج الفاعل سيواجه بأقصى درجات البطش والعنف، تماماً كما جرى في لحظة التأسيس الأولى.
ويُلاحظ في هذه الخطابات دمج متعمد بين مصير الدولة ومصير "الكرسي" أو رأس النظام، بحيث يُعتبر أي مساس بموقع السلطة تهديداً وجودياً للوطن بأسره، مما يبرر قانونياً وسياسياً استمرار الإجراءات الاستثنائية وتجريم المعارضة السياسية بشكل مطلق.
دائرة الخصوم واسعة وإلغاء المجال العام
إن الملاحظة التي نطرحها حول استهداف شخصيات وتيارات لا تنتمي للإخوان المسلمين بالضرورة تمثل مفتاحاً أساسياً لفهم طبيعة النظام السياسي القائم منذ عام 2013. فعملية الاستحواذ والبقاء لم تقتصر على تكسير شوكة جماعة الإخوان فحسب، بل امتدت لتشمل إفراغ المشهد السياسي برمته من أي قوى بديلة أو منافسة، بغض النظر عن أيديولوجيتها (يسارية، ناصرية، ليبرالية، وسطية، أو حتى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية نفسها)، وفيما يلي تفصيل للشخصيات والتيارات ودلالة إقصائها:
فاستهداف التيارات المدنية واليسارية والوسطية (المعارضة من خارج الإسلام السياسي)
لم يسلم رموز المعارضة المدنية والديمقراطية من الاعتقال أو التضييق المديد، مما يؤكد أن الاستهداف طال كل من يمكن أن يشكل بديلاً سياسياً حقيقياً:
ومن التيار الناصري واليساري ما يزال المهندس يحيى حسين عبد الهادي المهندس والكاتب المعارض البارز (الناصري الاستقلالي)، الذي واجه الاعتقال والملاحقات بسبب مواقفه النقدية الحادة لسياسات السلطة الاقتصادية والسياسية.
وخرج علاء عبد الفتاح الناشط والمدون البارز (اليساري والمدني)، الذي تحول رمزيًا إلى أحد أبرز رموز استمرار الاعتقال السياسي طويل الأمد قبل أن يخرج ويغادر إلى لندن.
ويعاود السيسي اعتقال أحمد دومة الناشط السياسي البارز الذي قضى سنوات طويلة في السجون قبل العفو عنه لاحقاً ثم رده مجددا.
ومن تيار الوسط والتحالفات الديمقراطية ما زال معتقلا المحامي عصام سلطان القيادي بحزب الوسط وعضو مجلس الشعب السابق، الذي يقبع في السجون منذ سنوات طويلة في ظروف احتجاز قاسية.
ود.عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية والمرشح الرئاسي الأسبق، الذي اعتقل وأُدين بأحكام تقييدية مطولة رغم خلفيته الإسلامية المعتدلة ومواقفه المستقلة تاريخياً عن تنظيم الإخوان.
ويضيف مراقبون أنه لم تقتصر عملية الاستحواذ وتثبيت أركان الحكم على تكسير شوكة جماعة الإخوان المسلمين وحدها، بل امتدت لتشمل إفراغ المجال العام برمته من أي قوى بديلة أو منافسة بغض النظر عن أيديولوجيتها، فطالت الاعتقالات والملاحقات رموزاً بارزة من كل التيارات.
منافسين من داخل النظام والدولة
كما شمل الترويض والإزاحة شخصيات رفيعة المستوى مثل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة، والمرشحين الرئاسيين المحتملين كسامي عنان وأحمد قنصوة وأحمد شفيق، وصولاً إلى تحييد قيادات بارزة داخل المؤسسة العسكرية لضمان الولاء المطلق، وتتويج ذلك بهندسة انتخابية فرغت السباق الديمقراطي من مضمونه بدءاً بدور "الكومبارس" في المحطة الأولى وصولاً إلى مشهد ترشح واصطفاف منافسين يعلنون تأييدهم للرئيس الحالي في تجسيد كامل لغياب التنافسية.
حيث امتد الإقصاء ليشمل شخصيات بارزة شغلت مواقع رفيعة في الدولة أو المؤسسات العسكرية والقضائية، ممن شعر النظام أن وجودهم يشكل تهديداً أو مركز قوة موازية:
هشام جنينة وهو الرئيس الأسبق للجهاز المركزي للمحاسبات، الذي أُزيح وقُدم للمحاكمة وسُجن إثر إثارته لملفات مرتبطة بتقديرات تكلفة الفساد، في رسالة واضحة لكل من يحاول استخدام المؤسسات الرقابية لتقويض شرعية السلطة.
أما سامي عنان (رئيس أركان الجيش الأسبق) فاعتقل فور إعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية عام 2018، وأحمد قنصوة (العقيد بالجيش) الذي حُكم عليه بالسجن إثر إعلانه رغبته في الترشح للرئاسة، وأحمد شفيق (رئيس الوزراء الأسبق والمرشح الرئاسي 2012) الذي تعرض لضغوط هائلة فور عودته المشهودة للبلاد لإجباره على العدول عن الترشح.
البيت العسكري وتحصينات القيادة
ولم يسلم العسكر أنفسهم من خيانة السيسي وطمعه في تأسيس امبراطورية الدماء التربص فبدأ بالقيادات العسكرية واحدا تلو الآخر، شملت التطورات التخلص من أو تحييد شخصيات مثل صدقي صبحي (وزير الدفاع الأسبق) رغم التحصينات الدستورية المؤقتة، وصولاً إلى ترتيبات القيادة المتعاقبة (مثل تغييرات وزارة الدفاع وإسناد مواقع سيادية لأسماء محددة، مثل الفريق محمد زكي سابقاً وأسامة عسكر)، وذلك لضمان الولاء المطلق وعدم السماح بظهور مراكز قوى مستقلة داخل المؤسسة العسكرية تمثل أي توازن محتمل مع رأس السلطة.
كمت شهدت مسرحية الانتخابات الرئاسية تحولات واضحة تعكس السعي نحو تأبيد السلطة عبر شكل ديمقراطي شكلي:
فالانتخابات الرئاسية الأولى (2014): قاطعها التيار الشعبي والقوى المدنية الحقيقية، وشهدت انتقادات واسعة لمشاركة حمدين صباحي، والتي وُصفت سياسياً بأنها أدت دور "الكومبارس" لإضفاء شرعية شكلية على عملية انتقال السلطة.
وفي الانتخابات اللاحقة، تحول المشهد تدريجياً إلى صورة بالغة الرمزية؛ حيث لم يقتصر الأمر على غياب المنافسة الحقيقية، بل وصل إلى قيام بعض "المنافسين" الرسميين أنفسهم بإعلان تأييدهم ودعمهم للرئيس الحالي أثناء السباق الانتخابي، في تجسيد كامل لغياب أي أفق للتداول السلمي أو التنافسية الديمقراطية.
لماذا كل هذا الدم؟
خلف كل هذا الدم المراق والحروب المستعرة ضد المجال العام، يكمن جوهر واحد يتمثل في تحقيق حلم فردي بالسلطة المطلقة وتأبيد البقاء على الكرسي، ولو كان ذلك على جثامين المصريين وأنقاض حرياتهم ومستقبل وطنهم؛ إذ لم يكن البطش موجهاً ضد فصيل بعينه أو جماعة محددة، بل سحق بلا تفريق كل من يجرؤ على الوقوف في طريق هذا الحلم، متساوياً في ذلك إسلامي وشيوعي وناصري وليبرالي ومستقل، عسكري ومدني، في مسارٍ استباح دماء الأبرياء وحرّم السياسة، ليختزل الوطن بأسره في شخص الحاكم ومشروعه الفردي للاستحواذ المطلق.
https://www.hrw.org/ar/report/2014/08/12/263546
https://www.amnesty.org/en/location/middle-east-and-north-africa/egypt/
السيسي: اللي هيقرب من الكرسي ده…
https://www.youtube.com/watch?v=l7hN0jbiPeQ
السيسي: "أنا مش سياسي"
https://www.youtube.com/watch?v=Sz-2RVwktwg
تسريب حواره مع ياسر رزق عن "الحلم":
https://www.youtube.com/watch?v=lpbmtRbpXM8