في الذكرى الـ13 لمجزرتي رابعة العدوية والنهضة يؤكد باحثون مجددًا أن الجريمة لا تزال حية وبارزة في وجدان الأمة، بوصفها واحدة من أقسى المآسي وأكثرها دموية في التاريخ المصري الحديث.
وتحت دعوة "لا تجعلوا الذاكرة تموت.. ولا تسمحوا بأن تُنسى الحقيقة، فالعدالة تبدأ بالرفض القاطع للنسيان". أطلق حقوقيون ومهتمون حملة "رابعة جريمة لا تسقط بالتقادم والذاكرة الحية" وهاشتاج #رابعة_مذبحة. وترتكز الحملة المستمرة لإحياء الذكرى على عدة محاور رئيسية تستهدف الأبعاد القانونية والإنسانية لتلك المأساة:
تسلط الحملة الضوء بشكل مكثف على الانتهاكات والقتل واسع النطاق الذي وقع أثناء فض الاعتصامين بالقوة المفرطة، مشددة على الضرورة القانونية والأخلاقية لإجراء تحقيق جاد، مستقل، ونزيه في جميع الوقائع دون استثناء.
مرّ أكثر من عقد كامل دون تحقيق فعلي يضمن للضحايا وذويهم حقهم المشروع في معرفة الحقيقة الكاملة والإنصاف الشامل. هذا الغياب المستمر لملف المساءلة يُعزز المخاوف الحقوقية من إرساء سوابق خطيرة للإفلات من العقاب.
تطالب الحملة بضرورة كشف الحقيقة كاملة للرأي العام، وتحديد المسئوليات الجنائية والسياسية بدقة، ومحاسبة كل من تثبت إدانته وتورطه في إصدار أوامر القتل، أو التحريض المباشر، أو التنفيذ الميداني، أو التستر على تلك الانتهاكات، مع ضرورة توفير ضمانات كاملة لمحاكمة عادلة وشفافة طبقًا لأحدث معايير القانون الدولي.
وخلف كل رقم في قوائم الضحايا الطويلة قصة إنسان كاملة وحياة توقفت فجأة وبشكل مأساوي. ضمّت قائمة الشهداء والمصابين طلاباً جامعيين، وأطباء، ومهندسين، ونساء، وأطفالاً، وغيرهم ممن تركوا خلفهم أسرًا مكلومة ما زالت تحمل حتى اليوم آثار الفقد الأليم وتنتظر بفارغ الصبر لحظة إنصاف الحقيقة والعدالة.
ورأت أن اختزال هؤلاء الضحايا في مجرد إحصائيات هو امتداد للجريمة، ولذلك فإن إنسانيتهم وحكاياتهم تظل حاضرة تأبى التهميش.
ووجّهت الحملة دعوة مفتوحة لكل المهتمين والداعمين للعدالة من أجل المشاركة الفاعلة في إحياء الذكرى عبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة (فيسبوك، إكس، إنستغرام، وتيك توك)، وذلك من خلال إعادة نشر مواد الحملة التوثيقية والإنسانية، مستخدمين الوسوم الرسمية للحملة.
https://x.com/Najda_H_R/status/2087478957306249282
تداعيات الانقلاب العسكري
يُمثل الرابع عشر من أغسطس 2013 في رأي المهندس خالد جمال عبد الحميد @khaled_director محطة بالغة الدموية في تاريخ مصر المعاصر، حيث شهدت العاصمة عملية فض دموية غير مسبوقة لاعتصامي ميداني رابعة العدوية والنهضة.
ويؤكد التحليل أن الحدث لم يكن مجرد إجراء أمني عابر لفض تجمهر، بل كان الذروة الدموية لمسار انقلاب عسكري كامل أطاح بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً، مما ترك جرحاً عميقاً وانقساماً حاداً في النسيج السياسي والاجتماعي للوطن، وسط إصرار وطني على حفظ الذاكرة من التزييف.
وأشار خالد جمال عبد الحميد إلى أن وصول الرئيس الراحل محمد مرسي إلى السلطة في عام 2012 عبر انتخابات حرة ونزيهة دشن مرحلة الانتقال الديمقراطي عقب ثورة 25 يناير، إلا أن هذا المسار واجه عراقيل ممنهجة من الدولة العميقة والمؤسسة العسكرية، وصولاً إلى استغلال احتجاجات 30 يونيو 2013 لإعلان تعطيل الدستور في الثالث من يوليو والإطاحة بالرئيس الشرعي.
وأوضح أن البيان العسكري أثار موجة غضب عارمة دفعت ملايين المواطنين والقوى الثورية للنزول للميادين وإعلان اعتصامات مفتوحة للدفاع عن الشرعية الدستورية، وحافظ المعتصمون على سلمية تجمعاتهم، في حين باءت كافة مبادرات الوساطة بالفشل بسبب إصرار سلطة الانقلاب على الحسم بالقوة.
وفي الصباح الباكر من 14 أغسطس 2013، لجأت السلطة إلى الحديد والنار عبر هجوم وحشي متزامن وممنهج بالآليات الثقيلة والجرافات والغطاء الجوي، مما أسفر عن سقوط أعداد هائلة من الشهداء والجرحى.
وعن التداعيات، أوضح أن الانقلاب أحدث زلزالاً مدمراً في بنية الدولة والمجتمع تمثل في إحكام القبضة الأمنية المطلقة، وحظر جماعة الإخوان المسلمين، وتعميق الشروخ الاجتماعية، ليخلص إلى أن استعادة العدالة والحرية وبناء دولة القانون مرهونة بكشف الحقيقة الكاملة وتحقيق القصاص للضحايا.
https://x.com/khaled_director/status/2087606739029970980
ماذا فعلت مذبحة رابعة بمصر والمصريين؟
في مقال للباحث معتز الفجيري @Elfegiery بعنوان "ماذا فعلت مذبحة رابعة بمصر والمصريين؟"، أشار إلى أن أحداث فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في 14 أغسطس 2013 تُمثل حدثاً مفصلياً ومأساة دموية غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث؛ إذ أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألف مدني في يوم واحد، وهو ما وثقته منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقريرها عام 2014 بوصفه "جريمة ضد الإنسانية" نظراً لوقوعها ضمن هجوم واسع ومنهجي ضد مدنيين عزل وبدوافع سياسية مدركة مسبقاً من أركان السلطة.
وأضاف الفجيري قائلاً إن السلطة الحاكمة كانت مدركة قبل فضّ الاعتصام ما سينجُم عنه من خسائر في الأرواح، وتكفي الإشارة إلى التصريحات التي تناقلتها وسائل الإعلام عن مسئولين في ذلك الوقت، في مقدمتهم رئيس الوزراء السابق حازم الببلاوي ووزير الداخلية السابق محمد إبراهيم، عن تقديرات السلطة أعداد القتلى الكبيرة المحتملة نتيجة عملية الفضّ.
وطبقاً لتقرير صدر للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حول الأوراق الرسمية لعملية فضّ الاعتصام في "رابعة"، وتقرير اللجنة الحكومية الرسمية التي شُكلت في ديسمبر/ كانون الأول 2013 كرد فعل للإدانات الدولية الواسعة للجريمة، فإن الأوراق تحمل هي الأخرى إدانة للدولة وأجهزتها التنفيذية والأمنية، وليس مفاجأة أن السلطة أخفت المحتوى الكامل لهذا التقرير عن الرأي العام المصري والدولي.
وأوضح الفجيري أن استخدام القوّة الغاشمة في فضّ الاعتصام في ميدان رابعة العدوية كان وليد لحظة استقطابية وشعبوية بامتياز، مهّدت لها ووظّفتها السلطة العسكرية الصاعدة منذ إطاحة الرئيس الراحل محمد مرسي لتحقيق مشروعية شعبية للعهد السلطوي الجديد، وإجراءاته الانتقامية والتعسّفية تحت مظلة القانون أو خارج إطاره، وتعميق الانقسامات بين القوى السياسية المصرية، بحيث تصبح المؤسّسة العسكرية اللاعب الأوحد في المشهد، والأكثر استجابة لتطلعات المصريين. وكانت "رابعة" اللحظة التي طوّعت فيها السلطة المصريين على قبول ارتكاب انتهاكاتٍ جسيمةٍ لحقوق عشرات الآلاف من المصريين، ثم استمرّت سنوات، بذريعة حماية البلاد من الفوضى والإرهاب.
وعن هستيريا العنف والانقسامات الصفرية، أشار الكاتب إلى أن ما جرى قبل فضّ الاعتصامين في الميدانين وخلاله وبعده كان كاشفاً لما قد ساد في مصر في ذلك التوقيت من حالة "هيستريا جماعية" تمجّد العنف والدم وتبرّرهما بعد سحب صفة الإنسانية في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي عن مصريين آخرين مختلفين سياسياً وأيديولوجياً.
ويتسبّب هذا النوع من الانقسامات المجتمعية والصراعات الصفرية داخل النظم السياسية ذات الطبيعة المؤسّسية الهشّة بمآسٍ إنسانية عظمى، وعادة ما يمهّد الطريق أمام قيام ديكتاتوريات عسكرية لا تفرّق في حكمها الدموي بين خصومها وحلفائها الذين أتوا بها إلى السلطة، مشبهاً ذلك بحملات التطهير والإبادة في أمريكا اللاتينية ورواندا.
وأكد الفجيري أن التاريخ سيذكر أن طغيان السلطة وانتهاكاتها الجسيمة لحقوق الإنسان في الأعوام الأولى لما بعد انقلاب 3 يوليو 2013 كانت بمباركة من قطاعات واسعة من المجتمع المصري، وفي ظل توريط أخلاقي للنخبة السياسية والثقافية والإعلامية الليبرالية واليسارية، التي انساقت للدعاية السياسية والإعلامية الموجّهة ضد فصيل سياسي واسع من المصريين، والمشاركة في تقديم الجيش مخلّصاً للبلاد.
ويختتم بالتأكيد أن نجاح السلطة في طمس حقيقة جريمة رابعة وملابساتها عبر الدعايات الكاذبة والسرديات المزيّفة لا يعدو كونه نجاحاً مؤقتاً موجّهاً لكسب الرأي العام المصري وتشتيته، ولن يصمد أمام التوثيق التفصيلي، وأن أي محاولة جارية اليوم وسط صفوف المعارضة المصرية للدفع بمسار الإصلاح السياسي ستبقى مرهونةً بمكاشفة ومصارحة كاملة لما فعلته مذبحة رابعة بمصر والمصريين، وبالتفكير في سبل الانتصاف العادلة للتعافي المجتمعي من إرثها الثقيل.
ولم تكن تلك الأحداث مجرد محطة عابرة في سجل الصراعات السياسية، بل كانت مأساة إنسانية عميقة خلّفت وراءها آلاف الضحايا، وفتحت فصلًا طويلاً ومريرًا من الألم، والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والإفلات التام من العقاب. وبينما تتبدل الأزمان وتتوالي الأعوام، يظل الضحايا وذووهم في انتظار الحقيقة والعدالة والمساءلة التي لم تتحقق بعد.