خبراء فنّدوا “توريق الضرائب” تاريخيا .. المماليك “انتصحوا” والعسكر رعاة الجبايات سبب في خراب العمران

- ‎فيتقارير

يثير الخبير الاقتصادي هاني توفيق إشكاليات كبرى حول السياسات المالية التي تعتمد على تحصيل الضرائب تحت حساب العام القادم، معتبراً إياها مجرد تسطيح وترحيل للأزمات الاقتصادية. ويؤكد أن هذه الممارسات تم تفعيل نماذج مشابهة لها في عهود سابقة (مشيرا إلى المماليك) وأثبتت فشلها، مشدداً على أن الحل الحقيقي لا يتمثل في الضغط المالي المسبق، بل في تبني إصلاح هيكلي شامل، وتخارج الدولة الفعلي من الأنشطة الاقتصادية، وجذب الاستثمارات الحقيقية لرفع معدلات الإنتاج والتشغيل والتصدير، وسد عجز الموازنة والديون بعيداً عن تحميل المواطنين أعباء إضافية تفوق طاقتهم المعيشية.

https://www.facebook.com/hany.tawfik2/posts/pfbid0yLBYfAi6xYvvPgHiZ5kvyQNqceTwscCVgQuVpH4QR1iQGQ9jmJNFY8CXbe7nw4s5l

 

العز بن عبد السلام: بائع الملوك والأمراء

تُمثل قصة الإمام العز بن عبد السلام (سلطان العلماء) مع حكام مصر والشام إحدى أبرز صفحات التاريخ الإسلامي في مواجهة السلطة الجائرة والوقوف بحزم ضد الجبايات غير الشرعية. فقد وقف الشيخ العز بحزم في وجه السلطان سيف الدين قطز عندما أراد فرض ضرائب باهظة لتمويل الجيش وجهود التصدي للمغول قبيل معركة عين جالوت عام 1260م.

واشترط الشيخ بوضوح ألا يُفرض على الشعب درهم واحد إلا بعد أن يُفرغ بيت المال تماماً، وأن يبدأ الأمراء والسلطان بأنفسهم فيبيعوا حليّهم وممتلكاتهم ويتساوَوا مع العامة في الملبس والممتلكات. وقد امتثل قطز والأمراء لهذه الفتوى وبدأوا بأنفسهم، مما رسّخ مبدأ العدالة الاجتماعية قبل خوض المعركة الفاصلة التي غيّرت مجرى التاريخ الإسلامي وحمته من السقوط.

https://www.facebook.com/photo?fbid=1585925203133433&set=a.106683874390914

 

طبيعة المماليك السلطانية وغير السلطانية

ويفرق (مصطفى النجار) بدقة بين طبيعة المماليك السلطانية الأوائل، وبين المماليك غير السلطانية الذين حكموا مصر في فترات لاحقة. ويشير إلى أن المماليك السلطانية مثل بيبرس، وقطز، وقايتباي، وبرسباي، والناصر قلاوون، مثّلوا أركان دولة كبرى امتدت أطرافها وحققت إنجازات عسكرية وعمرانية ضخمة جعلت من جيشها الأقوى حتى عام 1517م.

في المقابل، يرى أن مرحلة المماليك غير السلطانية وما رافقها من ممارسات مالية واختلاق أسباب لجمع ضرائب سنتين قادمتين، إلى جانب رموز الظلم الإداري والضريبي، انعكست سلباً على الذاكرة الجماعية للمصريين، مما يعكس تباين الفترات التاريخية وتأثيرها المباشر على معيشة المواطنين واستقرارهم المالي.

 

https://www.facebook.com/photo?fbid=2501852416949349&set=a.120425828425365

 

ظروف حرب التتار والفتوى الشرعية

ويعيد (مصطفى الطيب) تسليط الضوء على الأزمة المالية الطاحنة التي واجهها سيف الدين قطز بعد خلع المنصور علي، حيث كان الجيش منهكاً تماماً بفعل الحملات الصليبية المتكررة والصراعات الداخلية بين الأمراء.

وعندما تذرع البعض بضرورة فرض الضرائب على الشعب تحت غطاء محاربة الخطر الخارجي (التتار)، اصطدموا برفض العز بن عبد السلام القاطع، الذي اشترط تساوي الحكام والأمراء بالشعب وتجرّدهم من ممتلكاتهم الفاخرة أولاً. يوضح هذا الطرح أن تبرير الضرائب بالظروف الاستثنائية والتهديدات الأمنية ليس وليد العصر الحديث، بل هو امتداد لنمط تاريخي متكرر استخدمه الحكام لتمرير الجبايات، متخذين من الضرورة مبرراً لضغط المعيشة.

https://www.facebook.com/photo?fbid=1585925203133433&set=a.106683874390914

 

ممارسات الأشرف قايتباي

ويوثق الدكتور (سيد جمالي) واحدة من أبشع صور التعسف الضريبي في التاريخ المملوكي المتأخر، وتحديداً في سنة 896 هجرية في عهد السلطان الأشرف قايتباي، حين فرغت خزائن الديار واضطر لطلب ضرائب سبعة أشهر مقدماً عن كل أملاك المصريين للإنفاق على حروبه ومرتبات المماليك.

ويستند إلى ما رواه ابن إياس في "البدائع" عن لجوء الرسل والجباة إلى أساليب قاسية وغليظة لإرغام العامة على السداد، حتى إن امرأة فقيرة لم تجد ما تملكه سوى شجرة نبق تظللها في الصيف، فاضطرت لقطعها وبيعها لسداد الضريبة المفروضة. يعكس هذا النموذج مدى القسوة التي تبلغها الإدارات المالية حين تعجز عن إيجاد موارد حقيقية وتكتفي باستنزاف الضعفاء والمعدمين.

https://www.facebook.com/photo?fbid=1596992168614517&set=a.112301760416906

 

استدعاء التاريخ لقراءة الواقع الاقتصادي

وتستدعي الكاتبّة أمينة النقاش من كتب التاريخ خبرة التعامل مع مظاهر البذخ والسفه لدولة المماليك، وكيف أذاق السلاطين المصريين ويلات حكمهم باعتبار البلاد عزبة خاصة. وتتوقف عند واقعة دعوة السلطان قايتباي للعلماء والقضاة للموافقة على فرض رسوم وضرائب جديدة على التجار والحرفيين وأصحاب الأراضي تحت ذريعة تهديد تركماني وشيك.

وفي حين وافق العلماء، تصدى القاضي شمس الدين الأقصرائى لهذا القرار مبدياً خشيته من سؤال الله يوم القيامة عن السكوت عن ظلم الرعية، ومؤكداً أن الضرائب لا تجوز إلا بعد نفاد بيت المال ومسّ فائض الأغنياء لا ضرورات الفقراء. وتختتم بالدعوة للاستفادة من هذه الشجاعة التاريخية في نقد السياسات الحكومية المعاصرة التي تقود البلاد من أزمة إلى أخرى.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=1607446280937064&set=a.326417349039970

 

الصكوك الضريبية والتاريخية

ويحلل محمد الشواربي فكرة الصكوك الضريبية، مشيراً إلى أنها ليست مستحدثة بل امتداد لنظم سادت في العصور الوسطى، حيث كانت طبقة المماليك تفرض صكوكاً ضريبية مستقبلية يلزم فيها ممولو الضرائب بدفع التزامات سنة أو سنتين مقدما.

وينتقد بشدة محاولة تطبيق هذه الفكرة في الواقع المعاصر نظراً لأن معظم الشعب يعيش تحت خط الفقر أو على حافته، عاجزاً عن تلبية أبسط متطلباته اليومية. ويلفت الانتباه إلى ثغرات التحصيل المالي وغياب العدالة، حيث يتمكن الأثرياء والقادرون عبر المراجعات المحاسبية من تقليص مبالغ طائلة، مما يضيع على الدولة مليارات الجنيهات ويترك العبء كاملاً على كاهل الطبقات المعدمة وحدها.

https://www.facebook.com/photo/?fbid=2591330861317582&set=a.214217189028973

 

الدور العسكري للمماليك وطبيعة تكوين الجيش

ويقدم حسن أبو علي قراءة موضوعية تدعو للفصل بين السجل العسكري البطولي للمماليك في حماية العالم الإسلامي في معارك كبرى مثل عين جالوت، وحطين، وشقحب، وبين ما شاب بعض عهودهم من مسالب ومظالم داخلية.

ويوضح أن المصريين لم يكونوا جزءاً مباشراً من المؤسسة العسكرية القتالية بحكم سياسات الحكام المتعاقبة عبر التاريخ التي حرمت السكان المحليين من حمل السلاح، حتى عهد محمد علي. ويؤكد أن المماليك كطبقة عسكرية تم جلبهم من أصول تركية وقوقازية وشرقية وأسسوا دولة استمرت نحو 270 عاماً، تخللتها مراحل ازدهار كبرى في عهد بيبرس وقلاوون والناصر محمد، تلتها مراحل تدهور واضحة بسبب الصراعات الداخلية وتغير طرق التجارة العالمية وفرض الضرائب الباهظة التي أنهكت الشعب في أواخر عصرهم.

 

https://www.facebook.com/photo?fbid=1585925203133433&set=a.106683874390914

يظهر في ملاحم التاريخ الإسلامي، نموذج فريد لشجاعة العلماء في كبح طغيان الجبايات، حين تصدى الإمام العز بن عبد السلام وسلطان العلماء للقائد سيف الدين قطز، رافضاً فرض الضرائب على العامة لتجهيز الجيش ضد المغول إلا بعد أن يُفرغ بيت المال ويبدأ الأمراء والسلطان بأنفسهم ببيع الذهب وحليّ القصور وممتلكاتهم الخاصة للتساوي مع الشعب.

وكذا وقف القاضي شمس الدين الأقصرائي بحزم أمام السلطان قايتباي لنفس الغاية. لقد كانت فكرة الضرائب المستقبلية قديماً وسيلة استثنائية مؤقتة لتمويل الحروب المصيرية ولدحر الغزاة المهددين لوجود الأمة، وليست أداة لاستنزاف شعب فقير أو لسداد الديون المتراكمة نتيجة سوء الإدارة كما يحدث في واقعنا المعاصر؛ إذ أدرك سلاطين المماليك وقتها أن عدالة التوزيع وبدء الحكام بأنفسهم هما أساس النصر، لا إثقال كاهل الفقراء والمعدمين بأعباء إضافية تفوق طاقتهم.