تتصاعد شكوى المصريين من الزيادات المتكررة في أسعار وسائل النقل المختلفة، فمع كل زيادة في أسعار المحروقات تلازمها زيادة في تعريفات الركوب، مع ثبات دخول المواطنين ما أدي الي ان بند الانتقالات يستهلك ثلث دخل الموظف تقريبا.
هذا الوضع البائس أصبح مسيطرا على المشهد في مصر في ظل غياب واضح لدور حكومي لحل هذه الازمة وكأن حكومة الانقلاب تقول للشعب هذه مشكلتك وعليك ان تبحث لها عن حل بطريقتك فالحكومة لديها ما يكفي من المشاكل.
وهذه الازمة وضعت المواطنين في مواجهة محتدمة مع مقدمي خدمات النقل من سائقين وشركات النقل الذكي الذين يرون انهم ضحايا للزيادات المتكررة لأسعار المحروقات والزيوت وقطع الغيار التي ارتفعت أسعارها بنسب تستهلك معظم دخولهم.
ولم تعد تفاصيل الصباح التي اعتمدها الموظف محمد السعدني تبدأ بترتيب مهام العمل، بل بحسبة معقدة تجري داخل عقله بمجرد فتح باب منزله لمواجهة الخيارات الصعبة للوصول إلى جهة عمله في إحدى شركات المقاولات الخاصة. ينظر السعدني إلى شاشة هاتفه ويتنقل بين تطبيقات النقل الذكي يقارن الأسعار التي قفزت بشكل جنوني، يغلق الهاتف بضيق، ثم يلتفت إلى الشارع عساه يجد وسيلة مواصلات تناسب إمكانياته، بعدما تحول التنقل من خدمة أساسية إلى عبء مادي يستنزف دخله الثابت.
لقد أصبحت هذه الأزمة اليومية القاسم المشترك بين ملايين المواطنين في المدن الكبرى، بعدما انعكست الزيادات المتتالية لأسعار المواصلات على سلوكيات غالبية المصريين في تنقلاتهم اليومية. تقول نهى عشماوي، وهي مهندسة ديكور تقطن في الإسكندرية وتعمل في وسط المدينة، إن نصف راتبها بات يذهب لشركات النقل الذكي والمواصلات التي ارتفعت أسعارها بشكل كبير، وتشرح: "في الماضي، كنا نلجأ لهذه التطبيقات بحثاً عن الراحة والأمان والبعد عن مشاحنات الشارع في وسائل المواصلات العامة، اليوم تحولت إلى عبء يهدد الاستقرار المالي للأسرة".
الانتقالات تستهلك نسبة كبيرة من دخل الموظف
البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تشير بوضوح في نشرة "بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك"، إلى أن قطاع النقل بات يستحوذ على مرتبة متقدمة للغاية في قائمة إنفاق الأسرة المصرية، مدفوعاً بقرارات لجنة تسعير المواد البترولية المتتالية التي حركت أسعار المحروقات "البنزين والسولار"، ما ألقى بظلاله فوراً على تعرفة النقل الرسمية وغير الرسمية.
ويرى سامح الزاهد، وهو محاسب في شركة تجارية، أن هذا الصعود الصاروخي في كلفة المواصلات يأتي في ظل غياب الرقابة على تسعير خدمات التاكسي والتطبيقات، خاصة في ظل ثبات الأجور للقطاع الأكبر من موظفي الشركات الخاصة والقطاع الحكومي، والتي فقدت قيمتها الشرائية بشكل حاد خلال العامين الأخيرين، موضحا أنه تخلى تماماً عن فكرة استخدام التاكسي أو التطبيقات بعدما وجد نفسه ينفق ما يعادل ثلث راتبه على المواصلات والرحلات الخاصة في شهر واحد.
بينما يرفض وليد البرعي، وهو سائق تاكسي خمسيني، اتهام السائقين بالجشع، معتبراً أنهم ضحايا في هذه الدائرة المفرغة مثلهم مثل الركاب تماماً، فيقول وعيناه ترقبان حركة المرور: "المواطن يرى الأجرة مرتفعة ويشعر بالصدمة، لكنه لا يرى أسعار قطع الغيار وزيوت المحركات التي تضاعفت عدة مرات، ولا كلفة صيانة السيارة اليومية، فضلاً عن الارتفاع المستمر في أسعار البنزين بعد كل تحريك رسمي. نحن لا نرفع الأسعار لنغتني أو لنحقق رفاهية، بل لنتمكن فقط من سداد أقساط السيارات والعودة بمتطلبات المعيشة الأساسية لأطفالنا في نهاية اليوم".
وفي قطاع النقل الذكي، يشكو السائقون "الكباتن" من تغول الشركات التي تقتطع نسباً كبيرة من قيمة الرحلة، ما يضطرهم في كثير من الأحيان للعمل ساعات إضافية لتغطية مصاريف التشغيل للسيارة أو لإلغاء الرحلة إذا لم تكن مجدية اقتصادياً لهم.
يقول الخبير الاقتصادي علي الإدريسي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن هذه الممارسات، وإن كانت تثير حنق الركاب وتضعهم في مواقف محرجة وتسببت في تراجع تقييمات تلك الشركات، إلا أنها تعكس عمق الأزمة الهيكلية؛ حيث تحول السائقون والمواطنون إلى طرفين متصارعين في حلبة واحدة، بينما تظل الظروف الاقتصادية الكلية وضغوط التشغيل هي المحرك الحقيقي للأزمة، مشيرا إلى أنّ كل زيادة في أسعار المحروقات تترتب عليها آثار مباشرة على معدلات التضخم وتضاعف أسعار السلع والخدمات، خاصة تلك التي تعتمد على الطاقة مثل النقل والمواصلات واللوجستيات، ويتسبب ذلك في الضغط على المواطنين أصحاب الدخول الثابتة ويؤثر على مستوى المعيشة لكل الطبقات الاجتماعية.
وأشارت الباحثة الاجتماعية نجلاء عبد المنعم، إلى أنه أمام هذا الاستنزاف المستمر لجيوب الموظفين، ولدت حركة نزوح جماعي صامتة نحو المواصلات العامة ووسائل النقل الجماعي. فئات واسعة من الطبقة المتوسطة، التي كانت تأنف في السابق من ارتياد حافلات النقل العام أو القطارات وعربات "المشروع" و"الميكروباص" المزدحمة، وجدت نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها اللوجستية والمادية، مضيفة "أصبح مشهد الموظفين بملابسهم الأنيقة وهم يتدافعون بدبلوماسية للحاق بحافلة عامة أو ترام أو قطار داخلي مشهداً مألوفاً"، وتشير إلى أن هذا التحول القسري نحو النقل الجماعي كشف عن فجوات في كفاءة شبكات المواصلات العامة ومدى استيعابها الأعداد الغفيرة من الركاب.