يزيد صايغ: “التأجيرية العسكرية” رأسمالية تواجه عوائد متناقصة وتعمق أزمة الديون

- ‎فيتقارير

 

هشاشة الإدارة العسكرية .. دراسة يزيد صايغ لمركز كارنيجي تكشف فشل النموذج الاقتصادي المصري بالأرقام

دراسة يزيد صايغ حول "الاقتصاد التأجيري العسكري في مصر وحدوده"

 

ترسم دراسة للباحث الاقتصادي العالمي يزيد صايغ صورة قاتمة للنموذج الاقتصادي المصري تحت حكم السيسي، حيث تقود المؤسسة العسكرية اقتصادًا قائمًا على الريع والعقارات، مع افتقار تام للشفافية المالية والبيئية والاجتماعية.

ويخلص الباحث إلى أن هذا النموذج يواجه عوائد متناقصة، ويعمق الاعتماد على الاقتراض الخارجي، مرهونا بالتحالفات الجيوسياسية لضمان تدفقات رأس المال، في ظل فشل في توليد فوائض محلية وضعفها الشديد أمام الصدمات الخارجية.

 

ونشر مركز (مالكوم كير–كارنيجي) للشرق الأوسط دراسة معمقة للباحث يزيد صايغ، الزميل الأول في المركز والمتخصص في العلاقات المدنية العسكرية في الدول العربية. تتناول الدراسة "رأسمالية تأجيرية عسكرية"، حيث تقوم القوات المسلحة بدور محوري في إدارة الاقتصاد المدني، معتمدة على استغلال أصول الدولة (خاصة الأراضي) كمصدر رئيسي للإيرادات، بدلاً من الاعتماد على الإنتاج أو التحديث التكنولوجي.

الافتقار إلى الشفافية

تؤكد الدراسة أن قياس أو التحقق من التكاليف والمنافع المالية للمشروعات التي تديرها الهيئات العسكرية أمر مستحيل عملياً، لأن البيانات المتعلقة بالأنشطة العسكرية في جميع المجالات، بما في ذلك المجال المدني، تُحفظ طي الكتمان باسم "الأمن القومي".

وبينما تكون المخصصات الإجمالية معروفة للمشروعات التي تمولها الحكومة والمدرجة في الميزانية العامة، تظل المشروعات التي تديرها هيئات تابعة لرئيس الجمهورية مباشرة أيضا (غير معروفة).

وأكد أن في كلتا الحالتين، لا يتم الكشف عن تفاصيل الإنفاق، ولا عن حصة الميزانيات الرسمية المخصصة للمقاولين من القطاع الخاص، ولا عن بنود مثل المتأخرات التي تُستخدم لإخفاء التكاليف الكاملة.

وتشير الدراسة إلى أن هذا التعتيم يحجب بشكل خاص المبالغ التي تأخذها الهيئات العسكرية كرسوم إدارية، والتي لا تستند إلى مقياس رسمي أو ثابت، لكن المطلعين من الحكومة وقطاع الأعمال يعرفون أنها تتراوح بين 5 و35 % من ميزانيات المشروعات. وميزانيات المشروعات لا تُعدَّل لتعكس تقلبات أسعار المواد أو تكلفة الحصول على العملات الأجنبية، ما يرغم المقاولين من القطاع الخاص على خفض هوامش أرباحهم أو حتى تكبد خسائر صافية.

التكاليف المفقودة

وتمثل التبعات البيئية عنصرًا آخر مفقودًا في تقييم التكاليف والفوائد. فالإنشاءات الضخمة للإسكان والبنية التحتية، واستصلاح الأراضي الصحراوية، والصناعة التحويلية، واستخراج المعادن، والاستزراع السمكي، كلها أنشطة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه. وتشير الدراسة إلى أن مشروعات التجديد الحضري أدت إلى انخفاض المساحات الخضراء في القاهرة بنسبة 95 % تقريبًا خلال السنوات الثماني حتى العام 2024.

ورغم هذه التداعيات، كان انتقال مصر إلى موارد الطاقة المستدامة ضئيلًا للغاية، حيث لم تتجاوز نسبة الكهرباء المولدة من مصادر الطاقة المتجددة 14 % بحلول العام 2025، وهي نسبة لم تتغير تقريبًا عما كانت عليه قبل عقد من الزمن، وتقل بكثير عن الهدف المحدد عند 48 % بحلول العام 2028. كما زادت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 142 % في الفترة بين العامين 2000 و2023.

تكاليف اجتماعية بالتهجير والإقصاء

تتناول الدراسة بالتفصيل التأثيرات الاجتماعية للرأسمالية التأجيرية العسكرية، مشيرة إلى أن التركيز على مشروعات واسعة النطاق بحجة تحقيق كفاءة أكبر في الإنتاج يحاكي الأنماط العالمية، لكنه يؤدي إلى إقصاء صغار المزارعين والمجتمعات المحلية. ففي المشروعات الزراعية التي تديرها الهيئات العسكرية، لا تتيح متطلبات الحد الأدنى للاستثمار المشاركة إلا للمستأجرين الكبار، في حين أن سلطة المؤسسة العسكرية غير المقيدة في مصادرة الموارد المائية وتحويل العملات الأجنبية تزيد من إفلاس صغار المزارعين.

أما في المناطق الحضرية، فتقدر الدراسة أن ما بين 1.7 و2.8 مليون شخص (14 % من سكان منطقة القاهرة الكبرى) قد تم تهجيرهم بحلول العام 2024، لإفساح المجال أمام مشروعات سكنية وتجارية راقية.

ويُعرض على السكان المشرّدين مساكن بديلة في مواقع جديدة نائية، لكنها أقل بكثير من العدد المطلوب لإعادة الإسكان، ما يدل على مفارقة بقاء عدد كبير من الوحدات السكنية الجديدة شاغرة لأنها تستهدف الفئات ذات الدخل المرتفع.

وساهمت هذه الممارسات، إلى جانب السياسات المالية النيوليبرالية التي خفضت الدعم وقلصت خدمات التعليم والصحة العامة، في زيادة معدلات الفقر بشكل حاد، حيث يعيش ما يُقدر بـ 33.5–35.7 % من السكان تحت خط الفقر الوطني.

5 عناصر عسكرية

وتحدد الدراسة خمسة عوامل متداخلة تستند إليها الرأسمالية التأجيرية العسكرية في مصر:

 1. السيطرة العسكرية: تعمل وزارة الدفاع كحارس يسيطر على وصول جميع الجهات المدنية إلى أراضي الدولة واستغلالها، ما يمنحها إيرادات كبيرة من الرسوم ونفوذًا غير رسمي.

 2. حق الانتفاع: منذ العام 2016، صنف السيسي معظم الطرق السريعة القومية وأجزاء من سواحل البحرين والنيل على أنها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية"، مما يمنح وزارة الدفاع امتيازًا تجاريًا حصريًا لفرض رسوم على المستثمرين من القطاع الخاص.

 3. النفوذ الإداري: يوفر التغلغل الواسع للمتقاعدين العسكريين في جهاز الدولة البيروقراطي نفوذًا غير رسمي إضافي على العقود والتراخيص والتخليص الجمركي.

 4. الحماية من القانون المدني: لا يمكن حل النزاعات التجارية أو المتعلقة بالملكية في المحاكم المدنية، ما يترك المدنيين معتمدين على العلاقات الشخصية أو الرشاوى لحماية مصالحهم.

 5. عبء التمويل تتحمله بنوك الدولة: تستطيع الهيئات العسكرية تحويل جزء كبير من تمويل المشروعات إلى البنوك العامة، التي تحتفظ بجزء كبير من محفظة العقارات والمخاطر المرتبطة بها، والتي تضمنها الخزانة العامة للدولة بدلًا من الهيئات العسكرية.

طفرة عقارية يديرها الجيش

تؤكد الدراسة أن السيسي يعتبر إنشاء العقارات الحضرية وسيلة رئيسة لتوليد الإيرادات، من خلال بناء عشرات المدن الجديدة على أراضٍ صحراوية، وتحويل الأماكن العامة والأحياء ذات الدخل المنخفض إلى مواقع متميزة للتطوير التجاري.

وقد أدارت الهيئات العسكرية 25 % من أعمال البناء الممولة من القطاع العام في الفترة 2013–2018، وارتفعت هذه النسبة إلى 28–38 % في 2019–2020.

ومثال ذلك: مشروع "مدن رأس الحكمة" الضخم للتطوير العقاري الفاخر على الساحل الشمالي، الممول باستثمار قدره 35 مليار دولار من الإمارات العربية المتحدة في العام 2024، ومشروع مماثل ممول من قطر بقيمة 29.7 مليار دولار في "علم الروم" في العام 2025.

جهاز مشروعات أراضي (ق م)

برز جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في السنوات الأخيرة كأداة عسكرية مهمة لتسييل المحفظة العقارية للدولة في المدن "القديمة"، وفي عدد قليل من المدن الجديدة، وخصوصًا مدينة الجلالة الراقية على ساحل البحر الأحمر ومدينة الإسماعيلية الجديدة على قناة السويس، والأهم من ذلك، العاصمة الإدارية الجديدة للبلاد.

وتمتلك وزارة الدفاع حصة تبلغ 51 % في شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، التي تدير مشروع العاصمة الجديدة بتكلفة قُدرت عند الإطلاق بـ45 مليار دولار. ويحوز جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة 21.6 % من الحصة العسكرية في شركة العاصمة الإدارية الجديدة، بينما يمتلك جهاز مشروعات الخدمة الوطنية النسبة المتبقية البالغة 29 %، مع حصص من الإيجارات التي تدفعها الوزارات والهيئات الحكومية التي تنتقل إلى العاصمة الجديدة، وكذلك من المستثمرين من القطاع الخاص الذين يشترون حقوق الإيجار هناك.

وعند تسييل العقارات المملوكة للدولة ذات المواقع المتميّزة جرى استبدال الأحياء ذات الدخل المنخفض في قلب المدن بأبراج راقية، كما حدث في مثلّث ماسبيرو وجزيرة الورّاق في القاهرة، وفي الإسكندرية. وكجزء من هذه الحملة، نقل مصطفى مدبولي إدارة القطاع من شبرا إلى حلوان على طول نهر النيل من وزارة الموارد المائية والري إلى جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة في العام 2020، ما مكّنه من تحصيل الإيجارات من المراسي السكنية والتجارية والمؤسسات القائمة على الجزر الواقعة في وسط النهر على امتداد 44 كيلومترًا في منطقة القاهرة الكبرى.

وعرض الجهاز لاحقًا حقوق الإيجار التجارية بالمزاد العلني في منطقة إدارته على طول نهر النيل في القاهرة لمشروعات الترفيه والضيافة. ونقل المساحات التي كانت مخصّصة سابقًا لـ"المنفعة العامة" في القاهرة والإسكندرية – مثل الحدائق ومراكز البحوث الزراعية والنوادي الاجتماعية لموظفي الحكومة – إلى وزارة الدفاع لتنفيذ مشروعات استثمارية سكنية وتجارية راقية!

كما أن وزارة الإنتاج الحربي حصلت على عقد انتفاع مدّته 25 سنة لتأهيل حديقة حيوانات الجيزة وحديقة أورمان النباتية.

ولا يقتصر تسييل المساحات العامة والأراضي المملوكة للدولة للأغراض التجارية على المناطق المبنية التقليدية. وصنّفت القرارات الرئاسية المتتالية الكثير من المناطق على أنها "مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية"، ما وضعها تحت سيطرة وزارة الدفاع.

ويُعزى جانبٌ كبير من هذا التصنيف إلى الرغبة في منع التعدّي على أراضي الدولة، كما كان الحال عند تخصيص 36 جزيرة في وسط نهر النيل في العام 2022، والتي يُعتزَم من بعضها على الأقل التطوير التجاري. وعلى الطرق السريعة، تفرض الوزارة رسوم عبور ورسومًا على إنشاء الشركات الخاصة لمحطات الوقود والخدمات الأخرى ولوحات الإعلانات.

واستغلت وزارة الدفاع صعوبة وصول المستثمرين من القطاع الخاص إلى الأراضي الخاضعة لسيطرتها لتشييد الفنادق المملوكة لها في مواقع سياحية متمّيزة: على سبيل المثال في جزيرة طويلة والغمشة في البحر الأحمر، وفندقَي "ريغال هايتس" و"كريستال إن" في العلمين الجديدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفندق "سانت ريجيس" في العاصمة الإدارية الجديدة. كما واصلت سلاسل الفنادق المملوكة للمؤسسة العسكرية "تريومف" و"توليب" توسّعها، حيث اشترت "توليب" فندقًا فاخرًا في شرم الشيخ في مارس 2023. وتُعقد المؤتمرات التي تموّلها الحكومة بشكل روتيني في الفنادق المملوكة للهيئات العسكرية، ما يضمن لها مصدر دخل.!

"مستقبل مصر"

ويتمثّل النهج الأساسي لـ"مستقبل مصر" في تأجير الأراضي الصحراوية – التي هي حكمًا مملوكة للدولة – إلى مستثمرين من القطاع الخاص لزراعتها، مع الاحتفاظ بالسيطرة والإدارة الشاملة، ويأتي ذلك بعد استصلاح الأراضي وإنشاء البنية التحتية الأساسية، بما في ذلك الطرق، ومحطات الكهرباء وشبكات التوزيع، وإمدادات المياه، والتي يتولّى تنفيذها جهاز "مستقبل مصر" والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وغيرها من الجهات الحكومية.

ووُضعت معظم الأراضي الصحراوية التي تم استصلاحها بتمويل عام، إن لم يكن كلها، تحت إدارة "مستقبل مصر"، ما جعل "نصف مساحة مصر المزروعة تحت قيادته وإشرافه" بحلول أوائل العام 2025، وفقًا لوسيلة إعلامية تابعة لجهاز المخابرات العامة.

وادّعى المدير التنفيذي للجهاز، العقيد بهاء الغنام، وهو طيار في سلاح الجو، أن الجهاز ساهم بمبلغ 4.3 مليارات دولار في إحلال الواردات وتصدير المحاصيل في الفترة 2018–2024، ووفّر 40 ألف وظيفة مباشرة و2 مليون وظيفة غير مباشرة في العام 2024 وحده.

وتوقّع توفير 80 ألف وظيفة مباشرة و3.5 ملايين وظيفة غير مباشرة بحلول العام 2027، وتحقيق عائدات سنوية بقيمة 3.7 مليارات دولار في مجال إحلال الواردات و2 مليار دولار في الصادرات سنويًا بحلول العام 2029.

تولّى "مستقبل مصر" أيضًا جوانب أخرى من إدارة التموين الغذائي في مصر. والأهم من ذلك، أنه تولّى مسؤولية شراء السلع الأساسية من الهيئة العامة للسلع التموينية في العام 2024، ليصبح مسؤولًا بشكل خاص عن شراء القمح لمصر، التي تُعدّ واحدة من أكبر الدول المستوردة في العالم، وبعد عامَين، كلّف السيسي "مستقبل مصر" بالسيطرة الحصرية على تصدير الأرز والعائدات التي يدرّها بالعملة الأجنبية.

وعزّز "مستقبل مصر" لاحقًا دوره في تجارة الأغذية وتوزيعها محليًّا عبر إنشاء سلسلة متاجر التجزئة الخاصة به "سوبر توفير"، وأدمج هذه السلسلة على الفور تقريبًا تحت العلامة التجارية الجديدة والأكبر بكثير "كاري أون"، التي يشرف عليها نيابةً عن الحكومة.

وصنّف السيسي مشروع "كاري أون" كمشروع قومي في فبراير 2026، وهو يضم نحو 50 ألف منفذ بيع بالتجزئة وموزّع لحصص الغذاء المدعومة تابعة للشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر، ويقدّم خدماته مجتمعةً لـ60.8 مليون عميل.

وبالتوازي مع ذلك، أقام "مستقبل مصر" أيضًا منشآت تخزين ضخمة، وأطلق مصنعًا متكاملًا لإنتاج ألبان الأطفال، ويعمل على إنشاء مزارع للطاقة الشمسية.

يعكس الصعود الصاروخي للجهاز الدعم القوي الذي يحظى به من السيسي، الذي كثيرًا ما يشرك الغنام في اجتماعات القيادة الاقتصادية.

ومن المؤشرات على مكانة "مستقبل مصر" استيلاؤه على مشروعات كان يديرها سابقًا جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، بما في ذلك استصلاح الأراضي الصحراوية، وإدارة البحيرات الساحلية والداخلية التي تُستخدم للاستزراع السمكي واستخراج المعادن، وتربية الحيوانات، وصيانة المباني، وتنظيفها.

وبالمثل، حل الجهاز محل شركة "أبناء سيناء" ليصبح أكبر قناة لتصدير الأرز في البلاد. ويمتلك شركةَ "أبناء سيناء" إبراهيم العرجاني، وهو أحد المقرّبين من النظام ويمثّل على الأرجح المصالح التجارية للمخابرات الحربية.

وأشار الغنام، المدير التنفيذي لـ"مستقبل مصر"، إلى أن الجهاز سيطرح أسهمًا للمستثمرين من القطاع الخاص في البورصة المصرية – وهو ما كان من المفترض أن يقوم به جهاز مشروعات الخدمة الوطنية منذ العام 2020 على الأقل – على الرغم من أن ذلك لم يتحقق بعد.

كما ظل الموقع الإلكتروني الرسمي لجهاز "مستقبل مصر" قيد الإنشاء حتى يوليو 2026، ما يؤكّد غموضه.

ومن الواضح أن "مستقبل مصر" يشهد صعودًا مستمرًا، وبالفعل، أقرّ مجلس الشعب في 14 يوليو 2026 مشروع قانون أعدّه السيسي يعيد تصنيف الجهاز ليصبح هيئة اقتصادية خاصة تخضع لسيطرته المباشرة، ويعفيها من الالتزام بمجموعة من النظم الحكومية والقوانين المنظمة للهيئات العامة، ويمنحها صلاحية تحديد جدول رواتبها ونظام تقاسم الأرباح الخاص بها، فضلًا عن إنشاء صندوقَين للثروة السيادية تابعَين لها لاستثمار إيراداتها. إن التوسّع المقبل في نطاق اختصاصات "مستقبل مصر" استثنائي.

على الرغم من أن القانون الجديد يحوّل "مستقبل مصر" اسميًا إلى هيئة مدنية تابعة للدولة، فإن حساباتها تظل مخفية وراء جدار حماية المعلومات بحجة دواعي الأمن القومي، كما هو الحال مع جميع الهيئات العسكرية المشاركة في أي جانب من جوانب توفير السلع والخدمات المدنية.

وهذا يمنع التحقّق من ادعاءاته بشأن الأرباح أو إجراء تقييم التكلفة والعائد لنموذج أعماله. وتشكّل التصريحات المتناقضة حول تكلفة استصلاح الأراضي الصحراوية في مشروع "الدلتا الجديدة"، الذي يخضع لإدارة "مستقبل مصر"، مثالًا على هذه المشكلة.

وأورد الموقع الرسمي "للرئاسة" أن التكلفة الإجمالية لتجهيز مليون فدان للزراعة بلغت 8 مليارات جنيه مصري (حوالى 160 مليون دولار)، فيما ادّعى السيسي نفسه أن التكلفة التراكمية لنفس المساحة بلغت حوالى 200–250 مليار جنيه مصري (4.2–5.27 مليارات دولار). هذا بخلاف التكلفة، التي لم يُعلن عنها حتى الآن، لبناء شبكة نقل مياه بطول 500 كيلومتر (بما في ذلك نهر اصطناعي بطول 170 كيلومترًا) لري المشروع.!

اقتصاد عسكري إضافي

يمتد الاقتصاد العسكري إلى ما هو أبعد بكثير من قطاعَي العقارات والزراعة، ليشمل الصناعة التحويلية، وتجارة التجزئة، وإنتاج الأغذية وتعبئتها، والمقاولات، واستخراج المعادن، وخدمات متنوعة تشمل إدارة تكنولوجيا المعلومات، والضيافة، والحماية. تشكل هذه الأنشطة حوالى 91 % من إجمالي الإنتاج العسكري من السلع والخدمات في المجال المدني، وتنفِّذ الجزء الأكبر من هذه الأنشطة هيئاتٌ مسجَّلة رسميًا كشركات، سواء بموجب أحد قوانين شركات القطاع العام، أو من خلال عملية بسيطة لتسجيل الشركات في غرفة تجارية محلية، وهذا يميزها عن الهيئات العسكرية الأخرى المشاركة في تطوير العقارات الحضرية أو استصلاح الأراضي وزراعتها، والتي تُعدّ تابعة مباشرةً لوزارة الدفاع، أو فروعًا وإدارات تابعة للقوات المسلحة.

على الرغم من أن حوالي مئة شركة عسكرية تعمل حاليًا في هذه القطاعات، فإن حصتها السوقية في معظمها متواضعة، إن لم تكن لا تُذكر تمامًا. وباستثناء قطاعَي الصلب والإسمنت على وجه التحديد، لا تؤثر الشركات العسكرية على أي قطاع اقتصادي ككل بالطريقة التي يؤثر بها جهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة أو الهيئات العسكرية الأخرى على القطاع العقاري الحضري أو يؤثر بها "مستقبل مصر" على القطاع الزراعي. علاوةً على ذلك، على الرغم من أن البيانات المالية المتعلقة بعمليات وإيرادات الشركات العسكرية إما غير منشورة أو معروفة فقط في تفاصيلها العامة، فمن المرجّح أن يكون دخلها الصافي الإجمالي أقل بكثير من الدخل المتراكم الذي تحقّقه الهيئات العسكرية المنخرطة في الرأسمالية التأجيرية. بل من المعروف أن عددًا من الشركات العسكرية تتكبّد خسائر، وتقوم خزانة الدولة بتغطية هذه الخسائر، وحتى في حالة الشركات التي تدّعي تحقيق أرباح صافية ونمو، فإن ذلك يرجع إلى ضمانها للسوق المتمثّل في المشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية – ولا سيما في مجال البناء – وإلى ضمان حصولها على عقود المشتريات العامة، والتي يُمنح الكثير منها عن طريق أوامر مباشرة من دون مناقصة.

حقيقة أن عدد الشركات العسكرية قد تضاعف أكثر من مرتَين منذ العام 2013 لا تعكس أداءً سوقيًا، بل تعكس الأسبقية السياسية للمؤسسة العسكرية في ما أسماه السيسي "الجمهورية الجديدة" لمصر.

المبرر والرد عليه

وبداية من عهد السيسي، كان التبرير الشائع لمشاركة الشركات العسكرية في الأسواق المدنية أنها كانت تستغل فقط الطاقة الإنتاجية الفائضة في المصانع والمزارع التي أُنشئت في الأصل لتلبية الاحتياجات الدفاعية، لكن ما يقرب من ثلاثة أرباع مجموع الشركات العسكرية، بما في ذلك جميع الشركات الجديدة التي أُنشئت منذ العام 2013، تنتج سلعًا وخدمات مدنية فقط، ما يقوّض تمامًا الادعاء باستخدام الطاقة الإنتاجية الفائضة، إلى جانب ذلك، فإن حقيقة أن ربعًا فقط من الشركات 20 التابعة لوزارة الإنتاج الحربي، على سبيل المثال، كانت تحقّق أرباحًا، فيما كان ربع آخر يخسر، ونصفها كان يحقّق التعادل المالي فقط حتى العام 2019–2020، تؤكّد المدى الذي ذهب إليه السيسي في تمكين توسّع المشروعات العسكرية سياسيًا وقانونيًا، بغضّ النظر عن أدائها التجاري أو جدواها الفعلي.

ويعلق السيسي أهمية أكبر بكثير على الهيئات العسكرية التي تنفّذ الرأسمالية التأجيرية مقارنةً مع الشركات العسكرية.

والهيئات القابضة الثلاثة الرئيسة – وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية – فتتمتع باستقلالية في الضغط على الوزارات الحكومية للحصول على العقود، وإنشاء الشركات الجديدة أو المشروعات المشتركة مع شركات مصرية وأجنبية، والانضمام إلى المجالس الحكومية التي تراجع المشتريات العامة أو تناقش استراتيجيات التنمية الصناعية ومجالات سياساتية أخرى.

إلا أنها بحسب الدراسة؛ تمثّل جانبًا تراثيًّا من الاقتصاد العسكري الذي تجاوزته الرأسمالية التأجيرية. علاوةً على ذلك، فإنها لا تمثّل سوى 10 % تقريبًا من إجمالي عدد المؤسسات المملوكة للدولة، والهيئات الاقتصادية، والهيئات الخدمية التي تقدّم السلع والخدمات المدنية في مختلف القطاعات الاقتصادية. باختصار، يعمل الاقتصاد العسكري المتبقي بشكل أساسي كأداة لتدوير النخبة بين كبار الضباط ووسيلة لتعزيز ولائهم للسيسي وللنظام ككل.

التخلف في الصناعة الحربية

وشهدت الصناعة الحربية لأغراض الدفاع القومي بعض التحسينات، مثل تطوير أنظمة أصغر حجمًا وأرخص ثمنًا، مثل المركبات الجوية غير المأهولة، وإعادة تجهيز الأنظمة القائمة بإلكترونيات محسّنة. لكن التخلّف في الصناعة الحربية ككل لا يزال ينعكس في الانعدام شبه الكامل للصادرات الدفاعية (باستثناء بيع مركبات المشاة المدرّعة من طراز "فهد" إلى بضعة بلدان في غرب أفريقيا).

وهناك عدم تنفيذ المقترحات الرسمية المتكررة منذ العام 2018 على الأقل، لطرح أسهم في الشركات التابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، ومؤخرًا في شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، باستثناء اتفاق جزئي تم التوصل إليه أخيرًا في يونيو 2026. يُعتقد أن عوامل مثل غياب سندات ملكية الأراضي، وعقود المشتريات الغامضة، والمناقصات غير الشفافة، وعدم اتساق مسك الدفاتر وجداول الرواتب، وغيرها من المشاكل، تمنع الإفصاح المالي السليم المطلوب للطرح في البورصة، لكن العقبة الأساسية ربما تكمن في إحجام المؤسسة العسكرية عن التخلّي عن مصادر دخلها المربحة.

وفي الاقتصاد العسكري يستغل الضباط نفوذهم للحصول على عضوية في مجالس الإدارة أو حصص في رأسمال الشركات الناشئة، أو قد ينشئون مشروعات تجارية صغيرة مثل المطاعم والمقاهي حول نوادي الضباط والمنشآت العسكرية الأخرى في المناطق الحضرية المرغوبة، مثل حي الزمالك في القاهرة، ومن المفارقات أن هذا يحاكي الاستيلاء الرسمي للمؤسسة العسكرية على الأراضي المملوكة للهيئات الحكومية مثل مراكز البحوث الزراعية بحجة أن الأرض "لا تدرّ دخلًا"، ويتم تحويلها بعد ذلك إلى مقاهي ومنشآت ترفيهية مماثلة، وتتبادل شبكات الضباط غير الرسمية معلومات داخلية بشأن خطط التطوير الجديدة للأراضي المملوكة للدولة، ما يتيح المضاربة والربح غير المشروع، ويتكرر السلوك الفردي على المستوى المؤسسي: فوفقًا للتقارير، تقوم الفروع الرئيسة للقوات المسلحة بتقسيم أجزاء من الطرق السريعة القومية الخاضعة للسيطرة العسكرية في ما بينها بشكل غير رسمي، لكي تجبي رسومًا غير نظامية خارجة عن حساباتها من المستثمرين الذين يسعون إلى إنشاء أنشطة خدمية تجارية هناك.

https://carnegieendowment.org/research/2026/07/egypt-rentier-military-economy?lang=ar