في 1 يوليو 2015، مارست داخلية المنقلب السفاح السيسي ووزيره المجرم مجدي عبدالغفار تصفية طالت قيادات جماعة الإخوان المسلمين والذين وصل عددهم إلى 13 قيادة في شقة أكتوبر تزامن مع 14 رمضان من ذلك العام، دون محاكمة أو تحقيق، وتمثل انتهاكاً صارخاً للمادة (6) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والتي تحمي الحق في الحياة وتمنع الحرمان التعسفي منه.
وجاءت الروابط والتوثيقات المرئية المسجلة للجنازات وآثار الدماء تؤكد بطلان الروايات الأمنية الخمس المتضاربة التي حاولت إلصاق تهمة اغتيال النائب العام بهؤلاء الضحايا أو بالشباب التسعة الآخرين الذين أُعدموا لاحقاً في 2019 بناءً على اعترافات انتزعت تحت التعذيب.
والسبب الأكثر خطورة هو التداخل مع قضية "اغتيال النائب العام" نفسها؛ حيث قام النظام لاحقاً (في فبراير 2019) بتنفيذ حكم الإعدام بحق 9 شباب أبرياء آخرين (من بينهم الطالب محمود الأحمدي)، بعد أن انتُزعت اعترافاتهم تحت التعذيب الشديد ليلبسوهم تهمة الاغتيال ذاتها.
ومن بين الـ 13 ضحية، كان هناك 9 قيادات بارزة (وهم أصحاب السير الذاتية المشهورة، والذين كانوا يمثلون إدارة لجنة الدعم والإغاثة)، بينما كان هناك 4 آخرون كانوا من المرافقين أو أعضاء اللجنة المعاونين.
ولم تكن أحداث الأسبوع الأخير من شهر يونيو ومطلع يوليو لعام 2015 مجرد جولات في صراع سياسي، بل تحولت إلى محطة فارقة من محطات الدم المهراق خارج إطار القانون في التاريخ المصري الحديث.
ونستعرض السير الذاتية والمهنية للقيادات التسعة الأبرياء الذين تم تصفيتهم بدم بارد في تلك المجزرة:
-
ناصر سالم سالم الحافي
محامٍ بارز برز اسمه كأحد الوجوه القانونية والسياسية في مصر. انتُخب عضوًا في مجلس الشعب لعام 2012 عن دائرة القليوبية، وشغل منصب رئيس اللجنة التشريعية بحزب الحرية والعدالة. عُرف بدفاعه المستميت عن دولة القانون ورفضه للانقلاب العسكري.
وناصر الحافي من (مواليد 1961)، وهو محامٍ بالنقض ومستشار قانوني بارز، برز كأحد القيادات التشريعية لجماعة الإخوان المسلمين، وكان يتولى الدفاع القانوني في القضايا الكبرى والدستورية، وعُرف بصلابته في مواجهة الإجراءات الاستثنائية بعد يوليو 2013.
وأعدم ميدانياً داخل الشقة وهو يترأس اجتماع اللجنة الإنسانية وتصفيته وهو يؤدي واجبه الإنساني في رعاية أسر المعتقلين.
-
سيد يوسف السيد يوسف دويدار
تربوي قدير وقيادي نقابي من محافظة الإسكندرية. أمضى عقودًا من عمره في العمل الدعوي والخيري، وشغل عدة مناصب إدارية وتوعوية في النقابات المهنية، وكان ركيزة أساسية في تنظيم العمل الإغاثي وكفالة أسر المضارين من الأحداث السياسية في مصر.
وعمل يوسف دويدتر موجه بالتربية والتعليم من محافظة الإسكندرية ويعد من الركائز الإدارية والدعوية في قطاع غرب الإسكندرية. عُرف بنشاطه الاجتماعي الواسع في رعاية وتوجيه الشباب، وإدارة العمل الإغاثي وكفالة عائلات السجناء جراء الأحداث.
-
هشام إبراهيم ودح الدسوقي
مهندس نقابي بارز من قيادات الحركة الإسلامية والمهنية في الدلتا. تميز بنشاطه الخدمي الواسع وعمله الدؤوب في حل مشكلات المهندسين وتطوير العمل الخيري، وكان يدير ملفات الدعم الإنساني والتكافل الاجتماعي للضحايا قبل اغتياله.
والمهندس هشام ودح استشاري في مهنته، وقيادي نقابي بارز في محافظة الغربية وتميز بنشاطه الواسع في نقابة المهندسين وعمله على تطوير كفاءة المهندسين الشباب وتولى إدارة ملفات الدعم المالي والغذائي العاجل لعائلات المعتقلين قبل تصفيته.
-
معتصم أحمد أحمد العجيزي
طبيب وقيادي شاب، عُرف بجهوده الإنسانية والطبية الواسعة خلال أحداث الثورة المصرية وما بعدها. كان يشرف على تقديم الرعاية الطبية والإنسانية لعائلات المعتقلين والشهداء، واعتبره مقربوه نموذجًا للبذل والعطاء المهني والدعوي.
وكان أحد الكوادر الطبية الشابة التي أشرفت على المستشفيات الميدانية في (2011) وما تلاها من اعتصامات. وكرّس وقته لتوفير الرعاية الطبية والأدوية المجانية لعائلات الضحايا والشهداء الذين حُرموا من التأمين الصحي أو الرعاية الحكومية.
-
طاهر أحمد إسماعيل عبد الله
أكاديمي ومهندس تميز بعمقه الفكري والتربوي. أمضى سنوات طويلة في العمل النقابي والتنموي، وكان له دور بارز في إرساء أسس العمل المؤسسي الإغاثي داخل الجماعة، وشارك بفعالية في إدارة لجان الدعم الاجتماعي حتى لحظة استشهاده.
وهو من محافظة القليوبية. كان مسؤولاً عن وضع الخطط المؤسسية للعمل الإغاثي لضمان وصول الدعم والمساعدات بشفافية وعدالة لآلاف الأسر المتضررة من حملات الاعتقال.
-
عبد الفتاح محمد إبراهيم السيسي
مسؤول إداري وقيادي في العمل الخيري بمحافظة الجيزة. ارتبط اسمه بالعديد من المشاريع التنموية والخيرية التي استهدفت الفئات الأكثر احتياجًا، وتولى مسؤولية مركزية في لجنة كفالة أسر الشهداء والمعتقلين عقب فض الاعتصامات.
و(رغم تشابه الأسماء مع رئيس الانقلاب) فقد كان أحد أنشط رجال العمل الخيري التنموي في قرى ومراكز الجيزة. تولى مسؤولية مركزية مباشرة في لجان رعاية وكفالة أسر الشهداء والمعتقلين عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة.
-
جمال سعد رجب خليفة
رجل أعمال ومستثمر وجهود خيرية واسعة. سخّر جزءًا كبيرًا من ماله وجهده لدعم المحتاجين والعمل الإغاثي، وكان من الأركان الأساسية في تمويل وإدارة لجان الرعاية الاجتماعية التي شكلتها الجماعة لمواجهة الأزمة الإنسانية الناتجة عن الاعتقالات.
ورفم العمل في قطاع المقاولات والتجارة إلا أنه سخّر جزءاً كبيراً من ثروته الخاصة لدعم المشاريع الخيرية ومساعدة المحتاجين. كان بمثابة الشريان المالي الرئيسي لدعم لجان الرعاية الاجتماعية، والمساهمة في توفير النفقات المعيشية للأسر التي غاب عائلها خلف القضبان.
-
هشام زكي المهدي خفاجي
طبيب بشري بارز وأخصائي متميز، شغل مناصب إدارية ونقابية في قطاع الأطباء. عُرف بأخلاقه الرفيعة وتفانيه في خدمة المرضى وعائلات المعتقلين، وجاءت تصفيته لتشكل خسارة كبيرة للقطاع الطبي والعمل الإنساني في مصر.
وعمل د. هشام زوج النائبة ببرلمان الثورة أ. هدى غنية وهو طبيب بارز وأخصائي أمراض باطنة وقلب بمحافظة القليوبية وعُرف بتقديم الخدمات الطبية المجانية للفقراء واهتمامه كان أيضا عائلات المعتقلين، وجاءت تصفيته لتشكل صدمة كبيرة للوسط الطبي في مسقط رأسه نظراً لمكانته العلمية والأخلاقية.
-
أسامة أحمد عبد الفتاح الحسيني
مهندس استشاري وشخصية عامة، له باع طويل في العمل المدني والنقابي. شارك في تأسيس العديد من المبادرات المجتمعية والخيرية، وكان عضوًا فاعلاً في لجان التكافل ومواجهة آثار التنكيل الأمني بحق العائلات، واستشهد صائمًا في نهار رمضان.
ومن المساهمين في تزويج الفتيات اليتيمات ودعم الأسر الفقيرة. كان عضواً فاعلاً يركز جهوده على مواجهة الآثار الاقتصادية القاسية الناتجة عن التنكيل الأمني بممتلكات ووظائف عائلات المعارضين، واستشهد صائماً مع بقية زملائه في تلك المجزرة.
https://m.youtube.com/watch?feature=youtu.be&v=F8KEDEJEhf4
وتعد أحداث "تصفية قيادات أكتوبر" واحدة من الأبرز في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان والإعدام خارج إطار القانون في التاريخ المصري الحديث. بناءً على النصوص والوثائق المتوفرة، وبإشارة إلى "منصة احترام" التي تعنى بتوثيق الضحايا وانتهاكات حقوق الإنسان، نتوسع هنا في السير الذاتية للشهداء الـ 9 الأبرز.
وفقاً لتوثيقات المنظمات الحقوقية والشهادات التي رصدتها "منصة احترام"، فإن الضحايا لم يقتلوا في اشتباك مسلح كما زارت وزارة الداخلية المصرية في بيانها الرسمي، بل جرت العملية وفق السيناريو التالي:
الاعتقال أولاً: اقتحمت قوات الأمن الشقة السكنية بمدينة 6 أكتوبر حيث كان القادة يجتمعون في لجنة "كفالة أسر الشهداء والمعتقلين". تم السيطرة عليهم بالكامل واعتقالهم أحياء. بصمات تحت الإكراه: أثبتت المعاينة الظاهرية للجثامين من قِبل ذويهم وجود آثار حبر فسفوري واضحة على أصابع الضحايا، مما أكد أن الأمن قام بأخذ بصماتهم وهم أحياء قبل تصفيتهم بفترة وجيزة لتسوية أوراق رسمية أو محاضر مصطنعة. مسرح الجريمة المزيف: تم إطلاق الرصاص عليهم من مسافات قريبة للغاية (إعدام مباشر)، ثم بعثرت القوات أسلحة آلية بجوار الجثث والتقاط صور وفيديوهات لترويج الرواية الأمنية برغبة الإيحاء بوقوع تبادل لإطلاق النار، وربطهم فوراً بجريمة اغتيال النائب العام هشام بركات التي وقعت قبلها بـ 48 ساعة فقط.
ووبدأت القصة في 29 يونيو 2015 عندما اهتز حي مصر الجديدة بالقاهرة على وقع انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكب النائب العام المصري المستشار هشام بركات، ما أسفر عن إصابته بجروح بالغة فارق على إثرها الحياة بعد ساعات قليلة في المستشفى.
لم تمر سوى 48 ساعة فقط على الحادثة، وفي نهار 14 رمضان الموافق 1 يوليو 2015، اقتحمت قوات أمن الانقلاب شقة سكنية بمدينة 6 أكتوبر، ونفذت تصفية جسدية مروعة بحق 13 رجلًا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين، من بينهم 9 قيادات بارزة كانوا قد اجتمعوا بهدف تدبير الاحتياجات المالية وكفالة أسر الشهداء والمعتقلين.
سارعت وزارة الداخلية حينها لترويج رواية كاذبة تدعي حدوث اشتباك مسلح، ووضعت أسلحة بجوار الجثامين للإيحاء بأن هؤلاء هم المسؤولون عن اغتيال النائب العام، إلا أن الرواية سرعان ما انكشفت زيفها عندما تسلمت العائلات الجثامين ووجدت آثار حبر واضحة على أصابعهم، مما أثبت اعتقالهم أحياء وأخذ بصماتهم قبل إعدامهم بدم بارد.
بروباجندا الطرف الواحد
في سياق التوظيف الإعلامي والسياسي للقضية، طرحت "القناة الوثائقية" التابعة للمخابرات المصرية فيلمًا قبل 3 أيام، من 2 يوليو، بعنوان "فيلم هشام بركات.. حكاية المستشار الشهيد". سعى الفيلم منذ لقطاته الأولى إلى استدرار العواطف والتركيز على الجوانب الإنسانية وحياة اليتم التي عاشها الراحل، وهو جانب وإن كان إنسانيًا لا غبار عليه، إلا أنه وُظف سياسيًا للدفع باتجاه إدانة مسبقة للضحايا وتبرير التنكيل الإضافي بمعارضي النظام.
اتسم الفيلم بالانحياز الكامل، حيث اقتصر الحوار مع شهود الواقعة والمقربين من طرف واحد؛ فظهرت في المقابلات زوجته وابنائه محمد ومروة ودعاء.
كما استضاف الفيلم قضاة ورجال قانون تحدثوا بنبرة انحياز واضحة رغم صفتهم القضائية التي تفترض الحياد، ومنهم: المستشار أمجد الخولي (الرئيس بمحكمة استئناف القاهرة)، والمستشار أحمد خفاجي (المحام الأول نيابة الأموال العامة وغسل الأموال)، والمستشار محمد شيرين فهمي (رئيس محكمة جنايات القاهرة سابقًا).
وارتكزت أحداث الفيلم على "الاعترافات" المصورة والملفقة للشباب التي انتُزعت تحت وطأة التعذيب الرهيب؛ حيث أظهر الفيلم الشاب محمود الأحمدي وهو يمثل كيف نفّذ "جريمته الشنطة"، رغم أن تلك المشاهد صُنعت بالكامل خلف جدران مقار الاحتجاز المظلمة وتحت وطأة الصعق بالكهرباء.
خمس سيناريوهات للقاتل الحقيقي
وشهدت التحقيقات الرسمية في مقتل هشام بركات تخبطًا أمنيًا وقضائيًا غير مسبوق، تمثل في تقديم خمس روايات متناقضة حول القاتل، دون أن يخرج أي مسؤول رسمي ليفسر هذا التناقض:
الرواية الأولى (بعد 24 ساعة): أعلنت الداخلية القبض على الشاب "محمود العدوي" واتهمته بارتكاب الجريمة بمفرده، ثم اختفى تمامًا من المشهد.
الرواية الثانية (بعد يومين): تصفية الـ 13 قياديًا في شقة 6 أكتوبر والادعاء بأنهم العقل المدبر للاغتيال، دون تقديم دليل مادي واحد.
الرواية الثالثة: اتهام الضابط المنشق هشام عشماوي بأنه المخطط للعملية أثناء تواجده في ليبيا.
الرواية الرابعة (شباط 2016): تصفية 3 شباب في حدائق المعادي، وزعمت الشرطة أنهم شاركوا في اغتيال ريجيني الباحث الإيطالي وفي نفس الوقت باغتيال النائب العام!
الرواية الخامسة (آذار 2016): خرج وزير الداخلية مجدي عبد الغفار ليتهم حركة حماس بتدريب عناصر إخوانية نفذت العملية، وهو ما نفته الحركة والجماعة جملة وتفصيلًا.
وسط هذا التخبط، نُفذ في 20 فبراير 2019 حكم الإعدام بحق تسعة شباب أبرياء انتُزعت اعترافاتهم بالتعذيب، ومنهم محمود الأحمدي الذي قال للقاضي عبارته الشهيرة: "أعطني صاعقاً كهربائياً وأنا أخلي أي أحد يعترف بأنه قتل السادات. عُذبنا بكهرباء تكفي مصر 20 سنة". وتجلت المأساة في أن المتهم بتدريبهم (جمال خيري) كان كفيفًا، وأن المتهم إسلام مكاوي كان يؤدي الخدمة العسكرية الإلزامية داخل ثكنته وقت الحادث!
كما بقيت التساؤلات قائمة حول المستفيد الحقيقي من غياب بركات الذي كان يحقق في ملفات فساد كبرى كملف شركة "بي بي" للغاز وهيئة قناة السويس، وسبب منع الطب الشرعي من تشريح جثته ودفنه فورًا.
إغلاق
حفظ التغييرات