المستطيل الأخضر وذاكرة الدم البشعة.. مصر تلتقي نيوزليندا على وقع دماء “كرايستشيرش”

- ‎فيتقارير

بينما تتجه أنظار جماهير كرة القدم بملامح شغوفة صوب المستطيل الأخضر، حيث يلتقي المنتخب المصري بنظيره النيوزيلندي في إطار منافسات كأس العالم، تفرض الجغرافيا السياسية والتاريخ القريب ظلالاً داكنة على هذا اللقاء الرياضي.

وبينما يركض اللاعبون خلف الكرة في مباراة مصر ونيوزيلندا، تظل الرسالة الأعمق والأقوى هي أن مواجهة هذا التطرف العابر للقارات لا تكون بالشجب والإدانة فقط، بل بتعرية منابعه الرقمية وفضح ازدواجية المعايير الإعلامية التي تغذي أفكار مراهقين مثل "أبناء تارانت".

وخلف خطوط الملعب وصيحات الجماهير، يستدعي العقل الجمعي العربي والإسلامي اسم "نيوزيلندا" لا باعتبارها مجرد منافس كروي أو جزيرة هادئة في أقاصي الأرض، بل بصفتها الأرض التي شهدت قبل سنوات واحدة من أبشع وأشنع جرائم العنف والإرهاب ضد المسلمين في العصر الحديث.

دماء شهداء كرايستشيرش ال51 وسان دييغو وهاناو تؤكد أن الإرهاب ومحاربة العنصرية تتطلب وقفة دولية حازمة تساوي بين الأرواح البشرية كافة، بغض النظر عن عرق الضحية أو ديانة الجاني. لا مجرد حبسه مدى الحياة كما تارانت  الذي توالدت أفكاره.

المفارقة هنا تكمن في أن "العنف" عندما يتحول إلى أيديولوجيا ملهمة، فإنه لا يعترف بالحدود، ولا يهدأ بمرور السنين، هذه المواجهة الكروية تفتح الباب على مصراعيه لتقرير صحفي يبحث في أعماق الذاكرة الدموية، ويرصد كيف تحولت مجزرة مسجد النور ومركز لينوود الإسلامي في مدينة كرايستشيرش النيوزيلندية عام 2019 إلى "كتالوج" مرجعي ملهم ومنهج عمل عابر للقارات، تستلهمه خلايا الإرهاب الأبيض لضرب الاستقرار والتعايش الإنساني، وآخرها ما جرى في مدينة سان دييغو الأمريكية على يد مراهقين في مايو الماضي تشربوا عقيدة الدم تحت مسمى "أبناء تارانت".

 

 

 كرايستشيرش 2019

وفي الخامس عشر من مارس عام 2019، وفي وقت كان فيه المصلون يؤدون صلاة الجمعة بأمن وسلام، اقتحم الإرهابي الأسترالي "برينتون تارانت" مسجدي "النور" و"لينوود" في مدينة كرايستشيرش، لم تكن الجريمة مجرد إطلاق نار عشوائي، بل كانت عملية عسكرية مخطط لها بدقة شديدة؛ إذ كشفت التحقيقات اللاحقة للادعاء العام في المحكمة العليا بنيوزيلندا أن السفاح قام برحلة استكشافية للمدينة قبل شهرين من المذبحة، واستخدم طائرات مسيرة (درون) لمراقبة مداخل المساجد ومخارجها.

 

أسفر الهجوم الغادر عن استشهاد 51 مسلماً وإصابة 49 آخرين. ولم يكتفِ القاتل بالضغط على الزناد، بل قام ببث المجزرة مباشرة عبر منصات التواصل الاجتماعي في مشهد أصاب العالم بالصدمة والذهول. السلاح الذي استخدمه القاتل كان مغطى برموز وكتابات عنجهية باللون الأبيض، تحمل أسماء معارك تاريخية خاضها صليبيون وحروب قديمة ضد المسلمين، في رسالة تعمد فيها توظيف الجريمة سياسياً وفكرياً، ليعلن للعالم أن هذا الفعل ليس معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة الحروب الدينية التاريخية.

 عدوى سان دييغو

ولم تمت أفكار تارانت بإيداعه السجن مدى الحياة دون عفو مشروط، بل تحولت إلى عقيدة يتوارثها المتطرفون عبر الإنترنت. وفي هذا السياق، شهدت مدينة سان دييغو في الولايات المتحدة الأمريكية اعتداءً إرهابياً جديداً يحمل بصمات جينات كرايستشيرش ذاتها. مراهقان أمريكيان، اجتمعا عبر غرف الدردشة المظلمة على الإنترنت، قادهما حقد دفين وكراهية واسعة تجاه الأقليات المسلمة واليهودية والسود، ليقوما باقتحام المركز الإسلامي في سان دييغو، والذي يضم مدرسة إسلامية للأطفال.

 

أدى الهجوم المباغت إلى استشهاد ثلاثة رجال من المسلمين، ضحوا بحياتهم وبصدورهم العارية لحماية عشرات الأطفال والمعلمين المتواجدين في المركز، بينما لقي المهاجمان مصرعهما لاحقاً.

المثير والمخيف في هذا الحادث ليس فقط تكرار سيناريو القتل، بل التطابق العقائدي والشكلي مع مجزرة نيوزيلندا؛ حيث أطلق المراهقان على جماعتهما اسم **"Sons of Tarrant" (أبناء تارانت)** في إشارة مباشرة لعرابهم الأسترالي، وكتبوا عبارات عنصرية ضد الإسلام على أسلحتهم، وقاموا ببث العملية مباشرة عبر الإنترنت محاكاةً لخطواته.

الهجمات كـ "لعبة فيديو"

 

تحلل كاثرين كينيلي، مديرة تحليل التهديدات والوقاية منها في معهد الحوار الاستراتيجي (منظمة مناهضة للتطرف)، هذه الظاهرة المرعبة قائلة:  "جزء مما نراه في مجتمعات التطرف العنيف على الإنترنت هو الرغبة العارمة في محاكاة الهجمات التي حققت أكبر عدد من القتلى، هناك هوس مريض بهذا الأمر، وكأن الهجمات تحولت في نظر هؤلاء المراهقين إلى نوع من المنافسة الرقمية أو لعبة فيديو يسعون فيها لكسر الأرقام القياسية في حصد الأرواح".

 

وتتجلى هذه المحاكاة الرقمية المرعبة في تفاصيل مذهلة أكدتها جهات التحقيق:

حيث ترك مهاجما سان دييغو وراءهما وثيقة بيانية وأيديولوجية مكونة من **74 صفحة**، وهو نفس عدد صفحات البيان الذي نشره برينتون تارانت قبل مجزرة كرايستشيرش.

واستخدام الأسلحة كألواح للكتابة العنصرية وأسماء الحروب التاريخية، وهو النمط ذاته الذي ظهر أيضاً في هجوم مدينة هاناو الألمانية، حيث ترك القاتل "توبياس" اعترافاً مصوراً وخطاباً يتبنى الأفكار اليمينية المتطرفة ذاتها قبل قتله 9 أشخاص في مقاهي الشيشة التي يرتادها العرب والأكراد.

 

ويضيف براين ليفين، المدير المؤسس لمركز دراسة الكراهية والتطرف في جامعة ولاية كاليفورنيا، أن الإنترنت جعل نشر كتابات المنفذين أمراً يسيراً للغاية؛ حيث يسعى كل متطرف لتقديم نفسه كحلقة جديدة في سلسلة مستمرة، ليوهموا أنفسهم والعالم بأن حركتهم أكبر مما هي عليه في الواقع، ولضمان استمراريتها.

ازدواجية المعايير الدولية

 

وتفتح هذه الحوادث المتكررة الباب على مصراعيه لجلد الذات الإعلامية الغربية وجهات التحقيق الدولية، فرغم أن مراهقَي سان دييغو تركا بياناً تفصيلياً، وأعلنا انتماءهما لـ "أبناء تارانت"، ونفذا بثاً مباشراً، إلا أن جهات التحقيق الأمريكية والغربية ومؤسسات الميديا تلكأت وترفض حتى الساعة نعت الهجوم بـ "الإرهابي" بشكل صريح ومباشر، وتتعامل معه كحادث جنائي أو اضطراب نفسي للمراهقين.

ولو كان مرتكب هذه الجريمة مسلماً، لانقلبت وسائل الإعلام العالمية رأساً على عقب، ولحُملت الجاليات الإسلامية والدين الإسلامي كله وزر هذه الجريمة، وصُنفت في خانة الإرهاب الدولي فوراً، أما عندما يكون المهاجمون من "البيض" أو من خلفيات مسيحية متطرفة، فإن التبريرات النفسية الجاهزة تتصدر المشهد، ويتم التعتيم على خطورة "الإرهاب الأبيض".

 

حتى على صعيد إدارة المحتوى الرقمي، جرى حذف مقاطع كرايستشيرش والتصدي لانتشارها بمعايير صارمة بدعوى عدم نشر الكراهية ضد مرتكبيها، في حين تتدفق فيديوهات عمليات أخرى وتُستغل للتحريض الممنهج ضد المسلمين دون قيود مشابهة.

 الاعتذار ومواجهة الفكر

 

على الجانب الآخر، تجدر الإشادة بالموقف الرسمي النيوزيلندي التاريخي بعد وقوع المجزرة؛ حيث أظهرت رئيسة الوزراء آنذاك، جاسيندا أرديرن، تعاطفاً إنسانياً استثنائياً، وحضرت التأبين بالحجاب، ودوى أذان الجمعة في شتى أنحاء البلاد.

ولم يتوقف الأمر عند العاطفة، بل جرى حظر ألعاب الفيديو العنصرية التي تستلهم المجزرة وتجعل من المسلمين أهدافاً للقتل. وفي خطوة شجاعة، قدمت أرديرن اعتذاراً رسمياً للمسلمين بعد أن خلصت التحقيقات إلى إخفاق الأجهزة الأمنية وتقصيرها في حماية الأقليات وإهمالها لمؤشرات "الإرهاب الأبيض".